كلمة قداسة البابا شنودة
الثالث
بطريرك
الكرازة المرقسية وبابا الإسكندرية
بسم الإله الواحد الذى
نعبده جميعا نحييكم يا إخوتى جميعا وأغبطكم على هذا
المؤتمر فإن له فوائد كثيرة من أجل بلادنا العربية، هذا المؤتمر مجال لتبادل الفكر
ووحدة الفكر ثم وحدة العمل ووحدة الصف، كل هذا له فائدته ونفعه، نحن فى عالم يتطور، وقد تطور العالم بدءا من الأسرة إلى القبيلة
إلى الشعب ثم الأمة إلى أن أصبح مجتمعا علميا، ونشأت هيئات عالمية كثيرة فى كافة المجالات وعرفنا كلمات جلوبال
وإكليمينيكال ويونيفرسال
وأصبح العالم كله كأسرة واحدة لا نستطيع إطلاقا أن ننفصل عنها.
مسايرة التطور العالمى:
إن العالم يتطور وعلينا أن نتطور معه لا نتطور فى القيم والمبادىء فهى ثوابت، وإنما نتطور فى العلم
والتكنولوجيا الحديثة، وفى وسائل الاتصال المتعددة التى
أصبحت تربط العالم برباط قوى.
إن وسائل الاتصال تجعل الأفكار والأحداث بنت يومها أو بنت
ساعتها أو لحظتها تصل إلى أرجاء العالم كله، هذه الوسائل نستطيع بها من أى مكان أن نتصل بأى قرية فى العالم، وهذه الوسائل
نستطيع من خلالها أن نبلغ الرسائل إلى من نريد وتصل إليه فى
نفس اللحظة.
إن وسائل الاتصال متاحة بين أيدينا من تليفزيون وتليفون حتى
الأقمار الصناعية أصبح العالم كله بفضلها متصلا ببعضه
البعض، ونحن لا نستطيع أن ننفصل عن العالم فليس هذا من مصلحتنا فنحن نجنى ثمار ما
يصل إليه العالم من العلم ومن الاختراعات والتكنولوجيا الحديثة.
هناك من الأشرطة الخاصة التى تحتوى
على تسجيل لعدد 130 مجلدا كما أن هذه الأشرطة يمكن أن نسجل عليها تفاسير للقرآن
الكريم، وأيضا يمكننا تسجيل علوم الفقه
على هذه الأشرطة وكافة أنواع العلم بل
ودوائر من المعرف المتعددة .
العلم فى خدمة الإنسان:
إن العالم يتقدم ولا يمكن أن يتخلف، وقد أثر ذلك على البحث العلمى.
كنا إذا أردنا ونحن فى الجامعة أن
نجرى بحثا معينا نجول فى مكتبة الجامعة والكلية ودار
الكتب نبحث عن المادة. أما الآن فنستطيع أن نحصل على المادة بالكمبيوتر فإذا أردت
أن تعرف ما يقال فى الإسلام عن أهل الكتاب تعطى أمرا
للكمبيوتر ليزودك بالآيات القرآنية التى قيلت عن أهل
الكتاب، ثم تعطى أمرا ليجول الكمبيوتر فى كل كتب
التفسير ويأتى إليك بما قاله الأئمة الكبار عن أهل
الكتاب، ثم يجول فى كتب الحديث فيأتى
إليك بما قيل فى هذا الموضوع وهذا مرتبط بآلة الطباعة
فيكون لك شرائح من الورق عليها كل ما تريد دون أن تتعب
نفسك متجولا باحثا عن المادة.
حاليا العلم الحديث يمكن
أن يقدم لك تلك المادة.
لا أستطيع أن أقول إن الكمبيوتر صار أذكى من العقل البشرى، كلا
فالعقل البشرى هو من خلق الله والكمبيوتر يديره العقل البشرى فهو أسرع من العقل
البشرى فى استحضار المعرفة لكن العقل البشرى هو الذى يغذيه بالمعرفة ويديره.
إن العالم يتطور وعلينا أن نتطور معه لندخل القرن الحادى والعشرين بقوة.
الإنترنت اختراع حديث ويؤسفنى أن
أقول إنه أصبح فى بعض الأوقات مجالا للصراع بين الأديان
والطوائف والمذاهب المتعددة والمختلفة.
والعالم عن طريق الإنترنت يستطيع أن يقدم ما كان ممنوعا من
النشر فى مطبوعات نظرا للالتزام بقوانين المطبوعات
والنشر.
إننا لا نلوم ولا نحتج على هذه المخترعات إنما نستفيد منها من
أجل صالحنا، فمن خلال الإنترنت نستطيع أن نقيم أو نشكل (لوبى)
فكل هذه المخترعات التى قدمتها التكنولوجيا لا نستطيع
أن نصفها بأنها جلبت الشر لأن الحكم عليها يتوقف على كيفية استخدامها فهى تصير شرا إذا أسىء استخدامها
وتصير خيرا إذا أحسن استخدامها.
إن علينا أن نستخدم كل
ما قدمه العالم من طاقات، وأن نصل إلى الناس ونوصل إليهم أفكارنا.
دور مؤثر فى عالم اليوم:
أما عن ظهور قوة واحدة فى عالم
اليوم واعتبارها متحكمة فى العالم، فإننا نتحكم فى أنفسنا أكثر مما يتحكم الغير فينا.
يجب أن يكون لنا دور مؤثر فى عالم
اليوم ولا يجب أن نكون متأثرين بما يقدمه غيرنا، فإنه من الطبيعى
أن يتأثر المجتمع العالمى ببعضه
البعض، فلو كنا نحن عاملا مؤثرا قويا فسيستفيد العالم منا ولن نشكو من العالم ولا
من تدخله فى حياتنا ومسيرتنا.
إحياء الترجمة:
هنالك موضوعات ينبغى الالتفات إليها
والعناية بها والعمل على إحيائها مثل الترجمة، لأن
المفروض على مجتمعنا الشرقى أن يقدم تراث وقيمه ومبادئه
مترجمة إلى لغات العالم الحية، لأن المجتمعات تقدم ما عندها مترجم إلى لغتنا، وقد
وجدت فى بعض شركات الكمبيوتر آلات تستخدم فى مجال الترجمة بأن تدخل موضوعا على الكمبيوتر باللغة
الإنجليزية وتعطى الأوامر ليخرج إليك مترجما إلى لغة أخرى تريدها. وللأسف لم تدخل
اللغة العربية فى هذا المجال.
لقد أصبح من السهل ترجمة
كتاب ما على الكمبيوتر بإحدى اللغات الخمس الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو
الألمانية وأخيرا الأسبانية.
العالم العربى والعولمة:
إذا ظلت علوم العالم الإسلامى قاصرة
على اللغة العربية دون ترجمتها إلى اللغات العالمية فلن يكون هذا من صالحه. علينا
أن نقدم للعالم من تراث وعلوم وحضارة من خلال الترجمة التى
تؤخذ منك وترد إليك المعلومات مترجمة ليتعرف المجتمع العالمى
على ما عند بعضه( 4 ) البعض من علوم وكنوز وتراث.
ولا يخفى علينا أن عصر النهضة الإسلامية بدأ بالترجمة
والانتفاع والفلسفات الأخرى.
فإذا كان العالم يمتلك
رسائل تكنولوجية حديثة فإن لدينا قيما ومبادئ وأخلاقيات يجب أن نقدمها لغيرنا
ليستفيد منا كما نستفيد نحن من علمه ومخترعاته، وسيأتى
الوقت الذى يستفيد فيه العالم من علمنا.
إننا لا ندعو إلى ذوبان مجتمعنا فى
العولمة، وإنما ننتفع من التقدم العلمى مع الحفاظ على تميزنا وهو يختلف عن التناقض والتعارض
لأن لدينا تمايزا فى قيمنا ومبادئنا وأخلاقياتنا.
المفاهيم الصحيحة:
إن بمقدورنا أن نقدم للغرب المفاهيم الصحيحة وعلى سبيل المثال
نجد أن مفهوم الحرية فى محيط الشباب قد أسىء فهمه فأصبح الإنسان يحاول أن يعيش فى
حرية تحولت إلى لون من ألوان التسيب وعدم الانضباط لكن بمقدورنا أن نقدم للعالم
الحرية المنضبطة تضبطها وصايا الله فى كتبه المقدسة
وقوانين الدولة ونظمها والنظام العام والقيم والأخلاقيات ولذلك فإننا نخاف على
أبنائنا فى بلاد المهجر من الحرية غير المنضبطة هناك
ومن واجبنا أن نحميهم ونرعاهم حتى لا يصيبهم أسلوب الحياة هناك ولا تصيبهم الحرية
بمفهومها المتسيب.
نحن لا نركز على ما
يريده الغير إنما نركز على ما نريده نحن لأنفسنا بعون الله ونعمة منه وقوة، نعمل
لأجل أنفسنا لا ننشغل بالمشاغل بقدر ما ننشغل بالعمل على حلها.
الآلة والبطالة:
يؤسفنا أن نقول إن
المخترعات الحديثة كانت سببا فى انتشار البطالة بعد
الاعتماد على الآلة فى إنجاز كثير من الأعمال التى كان يقوم بها البشر فالآلة
تؤدى دور مائة فلاح فى رى
الأرض من خلال عملية الرش والتنقيط وهكذا فى آلات
البناء.
وعلينا أن نبحث عن حل لهذه المشكلة مشكلة الآلة وزيادة البطالة
لأن الآلة إن حلت محل البشر سينتج عن ذلك ازدياد للبطالة التى
ستؤدى إلى أزمات أخلاقية واقتصادية.
الوحدة العربية:
علينا أن نفكر بجد لتحقيق
الوحدة العربية وكيف يكون ذلك. إننا كثيرا ما نشكو من إسرائيل، ولنا الحق فى ذلك ولكن أهم من الشكوى أن نتوحد لنكون قوة تستطيع أن تقف فى مواجهة التيارات المعادية الجارفة.
لقد كان العرب قوة جبارة فى عصر
صلاح الدين الأيوبى،
إن القدس التى احتلها الفرنجة- الذين أطلق عليهم
عن طريق الخطأ الصليبيين- حوالى 90 عاما استردها صلاح
الدين فى موقعة حطين.
مواجهة الإرهاب والفكر
المنحرف:
إن مواجهة الإرهاب والفكر المنحرف
المضلل الذى يدعو إلى وجود الأمير وسلطان وضرورة طاعته
وفكرة الحاكمية، ومواجهة الفكر الذى
يدعو إلى الإصلاح باستخدام العنف أمور تحتاج إلى رأى واضح من قادة المسلمين
بشأنها.
أهنئكم بهذا المؤتمر وأدعو الله أن يوفقكم فى
أعماله التى يبحثها خلاصة القيادات الإسلامية فى عالمنا بكل إمكانات عقلية وفكرية وخبرات.
أتمنى أن يكون هذا المؤتمر
مصدر خير لنا جميعا وللعالم من حولنا.