الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
التيارات الثقافية المعاصرة

التيارات الثقافية المعاصرة

فى العالم الإسلامى

أ د / أحمد صدقى الدجانى
كاتب ومفكر اسلامى

مدخل

يتبادر إلى الذهن بداية أن المشروع الحضارى للنهوض فى أمة من الأمم، يتطلب التقاء جميع التيارات الفكرية أو، الثقافية عليه ومشاركة هذه التيارات فى بلورته ومن ثم تنفيذه. وهذا يعنى أن يتحقق تعارف هذه التيارات ويتصل حوار إيجابى بينها.

والمشروع الحضارى للنهوض لا يقوم من فراغ، وإنما يستلهم التجربة الحضارية للأمة التى حفظتها ثقافتها. وهنا يبرز أيضا دور حيوى للتيارات الثقافية فيها.

هذا العالم الإسلامى:

يحسن بنا أيضا ما دام البحث يتم فى دائرة العالم الإسلامى أن نستحضر أهم الحقائق المتصلة به، قد فصل الحديث عنها كاتب هذه الورقة فى بحثه عن (التضامن الإسلامى) المنشور فى كتاب (عن المستقبل برؤية مؤمنة مسلمة). فالعالم الإسلامى مصطلح حديث العهد للدلالة على ديار الإسلام،  استخدمه الكتاب الغربيون للدلالة على بلاد المسلمين وديارهم الممتدة من المغرب الأقصى على المحيط الأطلسى غربا إلى إقليم سينكيانج فى الصين شرقا ومن أواسط آسيا شمالا إلى إفريقيا المدارية جنوبا. وقد شاع استخدام هذا المصطلح فى أوساط المسلمين بعد صدور كتاب حاضر العالم الإسلامى فى العشرينات متضمنا تعليقات الأمير شكيب  أرسلان على ما كتبه لوثروب ستوارد الأمريكى فى كتابه (عالم الإسلام الجديد) الذى ترجمه عجاج  نويهض. وقد لاحظ جمال حمدان على لفظة (العالم) فى المصطلح أنها غير شائعة فى الاستعمال الجغرافى ، ورأى فيها (دليلا على ما فى العالم الإسلامى من تفاوت وتباين فى أبعاده غير الدينية، وأنه باختصار، قطاع عرضى من العالم القديم، والتنوع  هو القاعدة فيه لا الاستثناء.

حين نركز النظر على التيارات الثقافية المعاصرة فى هذا العالم الإسلامى نرى أن كلأ من عوالمه الخمسة يشهد حراكا نشطا وتفاعلات ثقافية. ونلاحظ وجود اختلافات فى طابع الحياة الثقافية فى هذه العوالم، ولكن المشابهات كثيرة. ونتأمل فى أسباب هذه الظاهرة، فنجد أن المشابهات نابعة من كون أقطار العالم الإسلامى تنتمى إلى حضارة واحدة، كما أنها تعرضت بفعل الاحتكاك بحضارات أخرى إلى المؤثرات نفسها فشهدت تفاعلات متشابهة فى داخلها، سواء فى نطاق رد الفعل أو الاستجابة.

نظرة طائرعلى الواقع الثقافى فى العالم الإسلامى

حين نلقى نظرة طائر على واقعنا الثقافى الإسلامى نلاحظ حركة نشطة لا بأس بها، تجرى عبر مختلف رسائل الاتصال الثقافى الحديثة من صحافة وإذاعة مسموعة ومرئية (تلفزة) ومسرح وسينما وأشرطة مسموعة ومرئية، وعبر وسائل الاتصال القديمة الشفاهية فى التجمعات والمقروءة فى الكتب.

حركة نشطة

نركز النظر على المشاركين فى هذه الحركة، فنجد جلهم من المتلقين يستقبلون ثقافة تقدم لهم. وفيهم من يبحث عما يشده ويستهويه من الثقافة المتداولة. ونميز مينهم قلة مبدعة أعطت الثقافة عقلها ونذرت نفسها لها وسعت إلى الابتكار.

ونرى حول هؤلاء المبدعين ناشرين للثقافة مثقفين وغير مثقفين يعمدون

إلى نشر الأعمال الإبداعية وبعض هؤلاء من التجار الذين أدركوا ما يمكن أن تدره بعض أنواع الثقافة (الخفيفة) من أرباح، وفيهم حامل رسالة ثقافية. جديد ظاهر نراه اليوم هو انشغال التيارات الثلاثة بكيفية التعامل مع

ثقافة مصنوعة وافدة تضغط عليها جميعا يجرى فرضها عبر وسائل الاتصال  بإعلام ترويجى، من  سماتها إعلاء قيمة الاستهلاك والعناية بزخرف يخطف الأبصار، وهدفها صياغة إنسان مستهلك يتمشى مع متطلبات (العولمة). حين نمعن النظر فى هذه الثقافة الوافدة نلاحظ أن جذورها تعود إلى ما يقارب القرنين من السنين فى حلقات متصلة فى سلسلة. كما نلاحظ أن لكل من التيارات الثلاثة موقفه من الحضارة التى أوجدت هذه السلسلة حين احتكت بحضارتنا.

فى واقعنا الثقافى المعاصر إذا ثلاثة تيارات ثقافية نجمت عن احتكاك حضارة الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية. فأما الأول فقد اتخذ موقف (الإنكماش) من الحضارة الغربية التى حاولت أن تفرض نفسها علينا بقوة السلاح  والتسلط بغزو استعمارى. وأما الثانى فقد اتخذ موقف (انغماس) بتلك الحضارة بعد أن سلم لها الغلبة، ظنا من السائرين فيه أنهم بتقليدها يحاذون أبناءها. وأما الثالث فقد اتخذ موقف (الاستجابة الفاعلة) لتحديات تلك الحضارة ونصب عينيه توفير شروط النهوض والوفاء بها وتحقيق انبعاث حضارى لحضارته العربية الإسلامية.

لقد أوضحت فى كتاباتى التى تناولت هذا الواقع الثقافى أن موقفى الانكماش و الانغماس ينتميان إلى رد فعل، بينما موقف الاستجابة الفاعلة ينتمى إلى الفعل الذى يدخل فيه عنصر الفكر وتحكمه الإرادة. كما أوضحت أن رحلة الإنسان الفكرية تشهد انتقاله بين الموقفين الأول والثانى ثم إلى الموقف الثالث حين ينضج. ويستوقفنى وأنا أراجع ما كتبه زكى نجيب محمود عن (أزمة المثقف العربى) فى كتابه (هموم المثقفين) أنه بعد أن أوضح أن التيار الأول (يجعل ثقافتنا الموروثة هى معيار الصواب والخطأ) وأن التيار الثانى (يجعل الثقافة الغربية العصرية هى معيار الصواب والخطأ)، قرر أن المجموعة الأولى تلوذ من حاضر الدنيا بركن من  أركان التاريخ انقضت عهوده، وأن المجموعة الثانية تفر من الحاضر العربى ، إلى جبل من جبال أوروبا أو أمريكا لتعتصم به. وقد فات المجموعتين لب ؟ المشكلة. وحديثه هذا يذكرنا بحديث أرنولد توينبى عن المتعصبين  ( الزيلوتيين) والمقلدين (الهيروديين).

نزداد فهما لهذه التيارات الثقافية الثلاث حين نستحضر نشأتها مع بداية الغزو الاستعمارى الغربى لدائرتنا الحضارية ووطننا العربى،  وما طرأ  عليها من أحداث على مدى قرنين، فالسياسة الاستعمارية عمدت إلى التركيز على حقل التربية والتعليم وأسست مدارس التبشير وعلمت طلاب هذه المدارس اللغات الأوروبية وما اصطلحت على تسميته بحضارة الدولة الغربية المعنية، فرنسية كانت أو ألمانية أو إيطالية أو بريطانية. وهكذا خرج طلاب مهيأون بحكم ما تعلموه لأن يكونوا انغماسيين ، قوى هذا الاتجاه نظام البعثات إلى بلاد الغرب، وناصبت السياسة الاستعمارية حين احتلت البلاد وتسلطت معاهد العلم القائمة العداء، فتهيأ طلابها بحكم وطأة هذا التسلط لأن يقع بعضهم فى أسر الانكماش، واتسعت الهوة بين التيارين مع ممارسات المستعمر الهادفة لذلك، وحدث فى الربع الثانى من القرن العشرين أن شهد تيار الانغماس بروز مدرستين فيه بخلاف الذى احتدم فى الغرب بين (الليبرالية ا لرأسمالية) و (الاشتراكية الماركسية).

وكان (تيار الاستجابة الفاعلة) الثالث يشق طريقه أثناء ذلك، ويجذب إليه أفرادا متميزين من التيارين، ومن بينهم مبعوثون عبروا مرحلة (العكوف) التى تجاوزت أثناءها مجتمعهم إلى مرحلة (العودة) إلى مجتمعهم والتلاحم معه.

حين نستحضر تاريخ أمتنا فى القرنين الأخيرين، نرى بوضوح الأثر الكبير للواقع الثقافى العربى بتياراته الثلاثة على مختلف جوانب الحياة فى دول عالمنا الإسلامى، وقد  بان هذا الأثر على حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعقدية،  وذلك بفعل ما للثقافة من فعل. وهكذا رأينا كلا من هذه الجوانب موزعا بين توجهات انكماشية وأخرى انغماسية وثالثة مستجيبة فاعلة.

لقد استشعرت الأمة منذ برزت فيها التيارات الثلاثة الثقافية بين أبنائها، الحاجة إلى حوار يجرى بينهم يستهدف تجاوز سلبيات الاختلاف وتوظيف إيجابيات للنهوض بحياتنا.

إن الانطباع العام الذى تخرج به نظرة طائر على الواقع، الثقافى الإسلامى المعاصر هو أن الحوار بين التيارات الثقافية فى ديار الإسلام دون المستوى المطلوب بكثير، وقد نجم عن قصوره فى ربع القرن الأخير تفاقم أزمات سياسية فى عدة أقطار إسلامية تفجر بعضها عنفا، وطرح بقوة قضية الهوية.

أخطار قصور الحوار

شديدة هى الأخطار الناجمة عن قصور الحوار بين التيارات الثقافية فى المجتمعات. وفى مقدمة هذه الأخطار غلو فى الرأى والموقف، يتزايد ويتصاعد مع استمرار القصور فى الحوار، يتجلى فى التطرف والبعد عن الوسطية، ويولد ردود أفعال. ويؤدى هذا الغلو إلى اهتزاز الهوية فى المجتمع، ومن ثم إلى المساس بوحدة المجتمع الوطنية، ويحول بذلك إلى الوصول إلى المشروع الوطنى الذى يلتقى عليه الجميع.

والأمثلة على الأزمات السياسية التى تنشأ عن تفاعل هذه الأخطار، نراها فى أماكن مختلفة من عالمنا، فى إقليم الباسك فى أسبانيا فى شبه جزيرة إيبريا،  وفى أيرلندا الشمالية وبريطانيا، وفى الفلبين وفى البلقان. ونذرها تتتالى فى الأمريكتين. كما نراها فى دائرتنا الحضارية الإسلامية، فى تركيا وفى أفغانستان وفى كشمير. ونراها فى قلب هذه الدائرة فى وطننا العربى فى الجزائر بعد أن اكتوينا بنارها فى لبنان، ونرى نذرا لها فى أكثر من قطر عربى.

الغلو فى الرأى والموقف، الناجم عن قصور الحوار بين التيارات الثقافية، تجلى فى كتابات أهل القلم من التيارين الانغماسى والانكماشى تناولت قراءة تاريخنا والحديث عن واقعنا واقتراح ما يكون عليه مستقبلنا. وما أسخن المعارك التى نشبت بسبب هذه الكتابات، ويتداعى إلى الخاطر مثلا عليها، اعتبار البعض غزو بونابرت لمصر وحملته العسكرية عليها وعلى فلسطين بداية النهضة فى مصر. وقد بلغ الأمر بواحد من المغالين أن نسب إلى هذه الغزوة بناء (الديوان) الذى كان قائما عبر تاريخ طويل، فضلا عن أمور أخرى لا سند تاريخى لها، ساكتا فى الوقت نفسه عن جرائمها الفظيعة وكونها عدوانا صارخا. وها نحن لا نزال نرى اليوم بقايا هذا الغلو بمناسبة مضى قرنين على ذلك العدوان الصارخ ، متمثلا فى قضية الاحتفال بذكراه.

ما أخطر هذا الغلو حين يحكم سياسات تتباها حكومات فى تعاملها مع التيارات الثقافية المختلفة فى المجتمع، فتعمد إلى حرمان واحد منها من التعبير عن نفسه، وترفض الحوار معه فارضة عليه عزلة وحصارا، ومقاومة حوار التيارات الأخرى معه، ومحاولة استمالتها فى إحكام العزلة والحصار عليه. الأمر الذى يؤدى إلى لجوئه للنزول تحت السطح والوقوع  فى أسر رد فعل مغال. وفى ظل هذا الوضع يتعرض المجتمع بسبب التضييق على حرية التعبير المسئولة إلى " نقص مناعة " يؤدى إلى بروز عنف فى العلاقة التى تحكم السلطة والناس. ويؤثر هذا العنف على مختلف جوانب الحياة فى المجتمع، وعلى جيل الشباب بخاصة. وذلك أن بعض هؤلاء الشباب ينساقون إلى دورة العنف هذه بحكم نزوع حيلهم إلى المغالاة، كما يفر بعضهم منها بعيدا عن المشاركة فى الحياة العامة، وأحيانا من الحياة نفسها بالعيش فى عالم وهمى تصنعه كيماويات* تسطل ".

لقد وصل الأمر فى ظل هذا الصراع الثقافى فى بعض الأقطار إلى أن يبرز التساؤل بين بعض أبنائه ما هويته؟ وما انتماءاته؟ وذلك فى حمى الاقتتال. وحدث فى الاقتتال الذى نشب فى أكثر من قطر المساس بحرمات كثيرة واقتراف جرائم بشعة.

حق لنا وقد وقفنا أمام أخطار قصور الحوار بين التيارات الثقافية فى العالم الإسلامى، أن  نقف أمام جهود مباركة مكثفة تعنى بتقدم هذا الحوار، يقوم بها طلائع من المفكرين والمثقفين على المستوى الأهلى ، استشعرت أهمية الحوار وخطورة توقفه واستلهمت تراثا حضاريا  تألق فى الحضارة الإسلامية من خلال الحوار وتلاقى الأفكار وتتجلى هذه الجهود على صعد مختلفة.

إن ما نخلص به من هذه الوقفة أمام أخطار قصور الحوار وأمام ثمار الجهود المباركة لمتابعته والتقدم به، هو اقتناع  بمتابعة هذه الجهود بقوة للوصول بالحوار إلى المستوى المطلوب، وإفادة من الدروس المستخلصة فى الحالين فى ترشيد مساره.

 

تقوية جسور الحوار

الحاجة ماسة اليوم لتقوية الجسور التى قامت بين جزر تيارات ثقافتنا العربية المعاصرة فى بحر وطننا العربى الكبير فى دائرة حضارتنا العربية الإسلامية الواسعة، ولتوسيع هذه الجسور وإقامة جسور أخرى ؛ كى تتقارب الموائد المتباعدة المنفصلة وتتصل. فى السبيل لمتابعة الجهود الدامية إلى الوصول بالحوار القائم بين هذه التيارات إلى المستوى المطلوب؟.

منطلق هذا السبيل ومبدؤه هو التسليم بأن الحوار فرض لازم، وجه الله الخالق سبحانه بنى آدم إليه ليتعارفوا ويتعاونوا على البر والتقوى. وهو تعالى يسمع هذا التحاور، ويدعو إلى أن يكون مباشرته بالقول المناسب وبالتى هى أحسن، تحكمه الحكمة. والاقتناع بأن الاختلاف القائم بين المتحاورين من سنن الاجتماع الإنسانى، وأن  ما يعبر عنه من تنوع  يغنى الحياة، وأن جميع أفراد الأمة فى سفينة واحدة، وأن الحوار الرشيد له آدابه، ومنها صيانة حرية التعبير عن الرأى واحترام الرأى الآخر واستهداف الحقيقة، وأن هذا الحوار يثمر أطيب الثمار. وهذا ما يصدقه تاريخ ازدهار العمران والحضارات، ومنها حضارتنا العربية الإسلامية التى شهدت مجالس من أمثلتها ما حفظه لنا أبو حيان التوحيدى فى الامتاع والمزانة " وما حدثنا عنه أحمد أمين فى فجر الإسلام وضحاه وظهره ويومه، وغيره من مؤرخى الأفكار، وما شهده تاريخنا الحديث.

سياج هذا السبيل الذى تصونه وتحميه، وتحول دون الخروج عنه واتباع  سبل تفرق بنا إلى سبل أخرى يضعف فيها الحوار ويقف، هو التزام السلطان بحرية التعبير المسئولة، والحرية قرينة المسئولية. واعتراف  السلطان "قبل ذلك بكل حقائق التنوع فى المجتمع. التقدم فى هذا السبيل يقتضى استحضار المثقفين والسلطان على السواء لأطلس المجتمع بكل خرائطه أقواما ومثلا وأنماط حياة بدوا وريفا وحضرا. وشرائع اجتماعية، واستذكار حكمة تباين الأجيال وخصائص كل منها وروعة تواصلها.

إن التقدم بالحوار يقتضى استحضار الثوابت التى يكون منها للانطلاق والبدء، ونصب عينيها تعزيز الهوية وتحقيق المشروع الوطنى.

وهذا يتطلب أن يأخذ الحوار مكانه اللائق به فى مناهج تربية الأجيال وتعليمها احتراما وممارسة عملية، فى البيت والمدرسة والمجتمع. وقد أولى الفكر التربوى هذه المناهج عنايته. ويبقى أن يبذل جهدا لتعميمها نظريا وتقديم الأمثلة العملية لها. ولابد هنا من التأكيد على أن هذه التربية تبدأ منذ مرحلة الطفولة الأولى، وأن من بين حقوق الطفل علينا أن يحاورنا ونحاوره ونجيبه على أسئلته المتتالية التى من خلالها يصل إلى المعرفة.

هذا التقدم يتطلب أيضا أن يخدم الإعلام الحوار، ويساند عملية التربية والتعليم. وأثر الإعلام اليوم قوى فى ظل ثورة الاتصال، وللسينما والحاسب جاذبيتهما. وهناك مجال واسع رحب لتقديم صورة صحيحة من خلالهما للحوار المثمر. وهذا يتطلب الحذر من الوقوع فى أسر حوار الصم وما بدأ يشيع من " مصارعات حوارية " تحت اسم الرأى  والرأى الأخر. التقدم بهذا الحوار يتطلب فيما يتطلب أن يلتزم " السلطان " بالحوار، يحترمه ويوليه عناية ويمارسه ويحرص على مستلزماته، ويتجمل بالصبر. ومستلزماته كما سبق أن أوضحنا حرية تعبير مسئولة واعتراف بحقائق التنوع  وحق الاختلاف وصولا إلى واجب الالتزام السلطانى الرسمى هو السبيل إلى ممارسة الشورى والديمقراطية وقطف ثمارها الطيبة، وأصوب الآراء والتلاقى على تحقيق المشروع الوطنى ومشروع الأمة الحضارى وبلوغ الأمن الاجتماعى.

إن من أهم جوانب الحوار الرسمى هو ذاك الذى يتصل بجيل الشباب فى المجتمع وعلى صعيده يجب أن يتجلى التجمل بالصبر فى أروع  صوره. ذلك أن لجيل الشباب خصائصه التى من بينها نزوع إلى الغلو والتطرف. وهذا النزوع لا يتعامل معه بالقمع الذى يورث العنف وإنما بتوظيفه لصالح المجتمع من خلال الحوار. ولن يفتأ الشيخ يذكر بحق جيل الشباب على جيله وجيل بلوغ الأشد بينما هو يتابع بأسى ما ينساق إليه " السلطان " أحيانا من " عنف " فى التعامل مع بعض أبنائنا من الشباب. ويسلم الشيخ المفكر بأن الغلو فى مجموعه ليس حسنا.

ولكن السماح به من خلال حرية الفكر يمكن أن يخفف منه ويأتى  به إلى الوسطية والاعتدال هذا فضلا عن أن فى الشباب " حدس " أشار إليه ابن الخطاب كما ذكر الماوردى  فى أدب" الدنيا والدين" تشتد حاجة صاحب القرار للاعتناء به حين يبلور قراره. وقد أوضح جمال البنا فى حديثه عن الإسلام والحرية أنه اذا كان الغلو فى مجموعه سيئا فإن حرية التعبير عنه تفسح المجال لاستكشاف ما لا يستكشفه النقاش المألوف، واستشهد بما قاله شوقى  فى رثاء ابن الرافعى:

قيل غال فى الرأى قلت هبوه               قد يكون الغلو رأيا أصيلا

وكم استنهض الشيوخ وأذكى               فى الشباب الطماح والتأميلا

وبعد،،،

فإن هذا الحديث عن الحوار بين تيارات الثقافة الإسلامية المعاصرة يدعو إلى الخاطر ما جاء به الهدى الإلهى من تعليم الله الخالق مخلوقه. الإنسان البيان، وإخباره نبيه ورسوله  صلى الله عليه وسلم  " والله يسمع تحاوركما " حين جادلته الصحابية رضى الله عنها فى زوجها وشكت إلى الله، وإن الكثير من آيات الكتاب المبين جاءت فى صورة حوار شمل نماذج شتى، ونحمد الله سبحانه وتعالى ونصلى على رسله وخاتمهم محمد بن عبد الله، ونستلهم من ذلك عزيمة للمضى فى سبيل الحوار الموصل  إلى تحقيق مشروع أمتنا الحضارى الذى يلتقى عليه أبناء الأمة من مختلف تيارات ثقافتها، ليسهموا فى عمران عالمنا.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع