الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
دور المرأة فى المجتمع

 دور المرأة فى المجتمع

المستشار الدكتور/ جمال الدين محمد محمود

عضو مجمع البحوث الإسلامية

مصر

أولاً: دور المرأة فى المجتمع العالمى المعاصر :

لا شك أن العالم المعاصر تسوده الحضارة الغربية ويشمل هذا التعبير فى جملته- معظم الأمم والشعوب فى المعمورة كما يتضمن أيضا معظم القيم والمنجزات التى أفرزتها الحضارة الأوروبية منذ القرن السادس عشر الميلادى وإلى اليوم، فقد استقر مصطلح العالم المعاصر على الأمم والشعوب والدول التى تشكل النظام الدولى المعاصر كما هى صورته فى المنظمات الدولية والإقليمية، واستقر مصطلح الحضارة الغربية على أنها الحضارة التى نشأت منذ نحو أربعة قرون فى أوروبا وكان لها منذ بدايتها مبادئها وقيمها فى مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد، كما كان لها إنجازاتها فى ميادين العلوم والفنون المختلفة، وتمثل الدول الأوروبية الجانب الأعظم من صورة هذه الحضارة والتى انتقلت- لأسباب عديدة لا داعى للخوض فيها إلى بقية أنحاء العالم- لا سيما فى شيوع استخدام منجزاتها الحضارية فى العلوم والفنون إلى جانب انتشار قيمها السلوكية فى المجتمعات.

وإذا أردنا أن نتحدث بإيجاز عن دور المرأة فى المجتمع الذى تسوده الحضارة الغربية المعاصرة وهو ما يرد مباشرة حين تطلب المقارنة أو يطلب المثال حين يكون هذا الدور محلاً للمناقشة أو البحث، ونستطيع أن نشير إلى أن المرأة فى العصر الحديث بدأ دورها يظهر فى المجتمعات الأوروبية منذ عشرات السنين فحسب فهو دور حديث نسبياً، وقبل عصر النهضة الأوروبية (الذى يمكن اعتبار بدايته فى القرن السادس عشر الميلادى) لم يكن للمرأة دور إجتماعى بل كان يسيطر على المجتمع الفكر التوراتى والذى تحمل نصوصه قدراً كبيراً من الامتهان والتقليل من المرأة ذاتها وليس من دورها فحسب (1).

ثم جاء بعد ذلك عصر النهضة الصناعية وقد كان لهذا العصر تأثير بالغ على المرأة فى أوروبا بوجه خاص، إذ دخلت المرأة سوق لعمل بجانب الرجل لتساعده ولكى تضمن لنفسها مورداً للرزق أيضاً، واضطرت لترك بيتها والخضوع لسلطة رجل آخر ليس زوجاً ولا أباً ولا أخاً بل صاحب عمل ولا حاجة بنا للتفصيل فى شأن ما أصاب المرأة من تعاسة وشقاء وتعرض للقهر إلى جانب تدنى الأجر وسوء المعاملة، والذى كان فى جملته جانباً مما يعانيه الرجال أيضاً فى بداية عصر الإنقلاب الصناعى فى أوروبا، كما أننا لسنا فى حاجة إلى بيان ما أدى إليه ذلك من أضرار لحقت الأسرة كلها الرجال والنساء والأطفال أيضاً، فى هذه المرحلة لا يمكن الحديث عن دور المرأة فى المجتمع الأوروبى فقد كانت مجرد أداة فى مجتمع الإنقلاب الصناعى (2).

يزيد على ذلك أن عمل المرأة استمر فى فرض لون من ألوان الرق والسيطرة عليها فى غياب رعاية اجتماعية وإنسانية.

حرية بدون ضوابط:

ولقد ترتب على تعدد الآراء التى ظهرت للاعتراض على ما تقاسيه المرأة من عناء وشقاء أن بدأ الاهتمام بقضية المرأة، وبدأ التشريع الغربى يأخذ طريقه إلى محاولة إنصافها وإزالة العقبات والقيود التى عانت منها، لقد نالت المرأة الأوروبية كثيراً من الحقوق التى تحميها من سلطان الرجل داخل الأسرة وفى المجتمع، ولكن هذا الاتجاه الذى ساد منذ بداية القرن العشرين اتخذ طريقاً خاطئاً، لقد كان أعظم الاهتمام موجها إلى منح حريتها تجاه الرجل- الزوج والأب وليس تجاه المجتمع فى علاقاته المعقدة- مع المرأة بالذات- وسارع الجميع إلى الاعتراف للمرأة- بما عدوه من حقوقها الأساسية- حرية الاختلاط مع الرجال وحرية الانتقال والاتصال بلا ضوابط

وحرية الرأى والسلوك واحتراف أى مهنة مهما كانت شاقة أو مهينة، هذا هو الخطأ المنهجى الذى وقع فيه التيار الداعى إلى إنصاف المرأة فى عالمنا المعاصر والذى ترتب عليه فى نظرنا كل ما كشفت عنه المؤتمرات الدولية والإحصاءات التى عرضت عليها من معاناة المرأة فى أداء دورها الاجتماعى.

لقد عقدت مؤتمرات دولية عديدة فى العقدين الأخيرين من هذا القرن تستهدف مساعدة المرأة بإقرار حقوقها واكتشاف السبل لرفع معاناتها وفتح الطريق أمامها لتؤدى دورها الاجتماعى الذى تستحقه والذى يعود بالتقدم والازدهار على المجتمع كله، وقد تولت منظمة الأمم المتحدة عقد هذه المؤتمرات إدراكا من المجتمع الدولى لأهمية القضية وتقديراً لدور المرأة فى المجتمع المعاصر، وقد اعتمدنا فيما أوردناه فى البحث على تقرير هذا المؤتمر (المؤتمر العالمى الرابع المعنى بالمرأة) (3).

مغالطات ينبغى كشفها :

إن المرأة فى عالمنا المعاصر يحوط دورها فى المجتمع كثيرمن اللبس والغموض مع العديد من المغالطات التى ينبغى كشفها، فالمرأة فى المجتمع الغربى ما زالت تشقى وتعيش وتعانى بما ترتبه معاناتها من آثار سلبية جسيمة على الأسرة، الخلية الأولى التى يصلح المجتمع كله بصلاحها ويفسد بفسادها، المرأة فى المجتمع الغربى تظهر لنا وكأنها تملك حريتها وحقوقها كاملة، وهى على رأس العمل فى كثير من المواقع الهامة والمؤثرة- وزيرة وسفيرة وأستاذة فى الجامعة ورئيسة وزراء أيضاً وذلك فى المجتمعات التى تأثرت إلى حد كبير بوضع المرأة فى المجتمعات الغربية بالذات- ومن ذلك مجتمعات إسلامية عديدة، ومع أن ذلك حقيقة واقعة وتصب فى صالح المرأة إلا أننا يجب أن نبحث دور المرأة فى المجتمع من خلال عشرات ومئات الملايين من النساء، كما تظهر لنا المرأة فى المجتمعات الغربية وهى تملك حريتها فى علاقتها الأسرية وعلاقتها الاجتماعية، حرية الانتقال والاتصال والزى والعمل والتعليم، ولكن وضع ودور المرأة الحقيقى يظهر لنا من خلال ما تكشف عنه وثائق وأوراق وإحصاءات المؤتمرات الدولية، وهو يبدو فى

كثير من الأحوال على خلاف الصورة التى أشرنا إليها من قبل والتى يشوبها الغموض والزيف فى أحيان كثيرة.

وثيقة مؤتمر بكين:

تقول وثيقة التطبيق فى مؤتمر بكين إنه ورد فى الوثيقة التى قدمها الكرسى الرسولى " Holy see” "إنه لا يزال محتارا وقلقا فى تطبيق الافكار الحديثة وبالتالى الضغط والإصرار على تطبيق الأفكار الغربية فيما يتعلق بحماية المرأة فى المجتمعات المختلفة من العالم "وتقول نفس الوثيقة" يجب علينا ألا ننسى أن على المرأة أيضاً بجانب الانخراط فى ميادين العمل المختلفة واجبات أساسية وعائلية نحو زوجها وأطفالها، ولكن إذا استطاعت التوفيق بين عملها وبين العائلة فهذا يعد شيئـاً مقبـولا وهـذه الـواجبـات الـعائلـية لا تـمنعهـا مـن الـمسـاهـمة ولـو بـعض الشـئ  فـى الـحيـاة

الاجتمـاعـية ".

وفى الدورة التاسعة والثلاثين للمجلس الاقتصادى والاجتماعى التابع لمنظمة الأمم المتحدة خلال شهر إبريل سنة 1995 م فى مدينة نيويورك برزت قضايا العنف ضد المرأة واحترام كرامتها الأصلية، وظهرت قضية فقر المرأة والأسرة التى تعولها وهى نسبة كبيرة من مجموع الأسر فى المجتمع، كما ظهرت الحالة المزرية لوضع المرأة فى بعض المجتمعات- جرائم التعدى على المرأة واغتصابها- وتدنى أجرها- وعدم الحصول على حقوقها فى مجالات العمل وإجبارها على التنكر لأمومتها وحقها فى رعاية أطفالها، وزيادة الأمراض السرية التى تتعرض لها المرأة وارتفاع نسبة الطلاق إلى 40% من عدد الزيجات فى بعض الولايات الأمريكية وزيادة حالات الإجهاض والمواليد غير الشرعيين (نحو مليون طفل سنة 1979 م فى الولايات المتحدة) وإلى جانب ذلك لم تتأكد حقوق المرأة فى الأجر المساوى لأجر الرجل عن العمل الواحد ولا فرص العمل المساوية فى مجالات العمل المختلفة. (4)

إقصاء الدين عن قضايا المرأة:

لقد لاحظ الكثيرون من اتباع الديانات الكتابية (المسيحية بالذات) أن إبعاد الدين عن النظر فى قضية المرأة واكتشاف حلولها على هديه قد أثر تأثيراً بالغاً فى مقررات المؤتمرات الدولية التى بحثت أوضاع المرأة فى العقدين الأخيرين من القرن الميلادى العشرين؛ فقد كانت الرغبة مبيتة لإبعاد هدى الدين، وجرت محاولات عديدة لتغيير مفاهيم دينية أصيلة كمفهوم الأسرة ومفهوم الجنس ومفهوم الارتباط بين الرجل والمرأة، ومن خلال إبعاد الدين ظهرت قضايا عديدة مثل الحق فى تغيير الجنس واعتبار الأسرة مجرد ارتباط مادى بين شخصين (قد يكونا رجلين أو امرأتين) ومثل قضية تعليم الجنس وغير ذلك من القضايا التى تصب كلها فى جانب الإضرار بالمرأة وبالأسرة وبالمجتمع، وإلى جانب هذه القضايا ظهر فقر الأسر التى تعولها النساء وضعف تغذية الفتيات الصغيرات وعدم حماية المرأة العاملة من التحرش الجنسى بها وعدم فتح طرق التقدم أمامها فى عملها وإهدار حقها أحياناً فى الأمومة، كما ظهرت قضايا ذات أهمية كبيرة- وهى حماية المرأة من العدوان عليها داخل الأسرة عن طريق جمعيات أو حتى إدارات حكومية، كما ظهر من أوراق تلك المؤتمرات ووثائقها أن جهود الدول والمجتمعات التى تسير على النهج الغربى فى النظر إلى قضايا المرأة ليست كافية أو مناسبة لتطوير دورها الأسرى والاجتماعى.

ثانياً: الإسلام والحقوق الإجتماعية للمرأة:

يرتبط دور المرأة المسلمة فى المجتمع بدورها داخل الأسرة أشد الارتباط بل إن الأمرين معا تشملهما منظومة تشريعية واحدة ترسم صورة واضحة لرسالة المرأة ودورها فى الأسرة وواجبها نحو المجتمع الذى تعيش فيه، ولسنا فى حاجة إلى بيان ما تكفله المنظومة التشريعية الإسلامية للمرأة من حقوق داخل أسرتها وما تمليه عليها من واجبات نحوها، إن المرأة فى الإسلام قرينة الرجل وشريكته الكاملة فى الكرامة الإنسانية (ولقد كرمنا بنى آدم) (5) وهى تحمل معه أمانة الخلافة الإنسانية: ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ) (6)، كما أن بين النساء والرجال ولاية متبادلة فى المجتمع المسلم (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (7) والجزاء على العمل واحد (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (8) والنساء " شقائق الرجال " كما ورد فى الحديث الشريف.

وفى نطاق هذه النصوص القرآنية وما يبينها من أحاديث الرسول أوضحت الشريعة رسالة المرأة فى الحياة ورسمت دورها داخل الأسرة وفى المجتمع بما يكفل لها كرامتها الإنسانية ويحفظ لها حقوقها ويعود بالنفع عليها وعلى الأسرة والمجتمع الذى تعيش فيه.

1- حق التعليم واكتساب المعرفة

لا شك أننا نجد فى تعاليم الإسلام التى وردت فى القرآن الكريم أو السنة النبوية دعوة للتعلم واكتساب المعرفة إذ هو الوسيلة الأولى لمعرفة الدين والاستدلال على أصوله وأركانه الأساسية... ومنذ نزول القرآن الكريم كان التعلم والمعرفة هدفاً للمسلمين عامة- لا بطريقة معينة أو لطائفة خاصة فلم يكن للرجال دون النساء أو لرجال الدين وحدهم كما هو الشأن فى كل الحضارات القديمة- كانت الدعوة إلى الإسلام فى جوهرها تعتمد على التعليم وزيادة المعرفة الإنسانية لدى الناس... ومن الأدلة القاطعة على صدق ذلك أن أول آية من القرآن الكريم وحملها الوحى إلى النبى e هى  (اقرأ باسم ربك الذى خلق) (9) والسورة التى بها هذه الآية هى سورة العلق، وقد دعا القرآن الكريم فى عشرات الآيات وفى سور عديدة إلى العلم والتفكير فى الكون بما يحتويه من عجائب المادة والخلق الإلهى، ونجد القرآن الكريم- وهو يحرص على التسوية بين الناس جميعاً ويؤكد هذه القاعدة الأصيلة- نجده مع ذلك يفرق فى وضوح بين قيمة الإنسان الذى يعلم وبين الذى لا يعلم- فيقول تعالى: ( قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (10) فالعلم وطلبه والحق فيه وتفضيل العلماء على غيرهم أمر مؤكد فى القرآن. ولن تجد صعوبة بعد ذلك التوجيه الدينى- فى طلب العلم والاهتمام به كواجب دينى- فى القول بأن المرأة المسلمة مطالبة بالعمل بمقتضاه-وفى حديث الرسول  e ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) وبعض الروايات فيها زيادة " ومسلمة " ولم يكن هناك مطلقاً خطاب بطلب قاصراً على الرجل وحده سواء فى آيات القرآن الكريم أو فى السنة النبوية، فكانت الآيات والأحاديث عامة وتتوجه إلى الرجل والمرأة على السواء.. لأن حق التعليم واكتساب المعرفة يعده الإسلام من الحقوق المتعلقة بكيان الإنسان ذاته، والتى لا يتصور أن يكون فيها تفرقة كما قدمنا.. فهذا الحق مرتبط بالتسوية الأساسية فى التكليف والجزاء للرجال والنساء ويستوى فى ذلك طلب العلوم والمعارف الدينية وغير الدينية مما ينفع الإنسان.

فلم تكن ثمة معرفة قاصرة على الرجال كعلم الدين فى الدين فى الحضارات السابقة وبلغ من حرص النساء على طلب العلم أن طلبن من الرسول e مساواتهن الكاملة فى التعلم منه مباشرة- ولم تتردد المسلمات الأوليات فى السؤال عما يعنيهن عن أمر الدين والدنيا والتوجه إلى الرسول   e بالسؤال- هذه نقله حضارية لم تكن قائمة من قبل وكانت بعض النساء لايترددن فى سؤال الرسول واستيضاحه ما يقول أو حتى الجدال فيه وقد أورد القرآن: (قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (11) كما يروى البخارى (12) أن الرسول حين حض النساء على الصدقة وذكر أمامهن أنهن ناقصات عقل ودين- سألته إحداهن وكانت امرأة  جزلة أى (قوية الرأى) عن معنى الحديث فأفادهن بأن شهادة إحداهن نصف شهادة الرجل وأنهن لا يصلين حين تكون إحداهن حائضاً- كما توجهت النساء بأسئلتهن إلى الرسول دون نكير من أحد من الرجال- وسألت النساء فى أمور العبادات والمعاملات وأجابهن الرسول، ونقلت الصحابيات أحاديث الرسول إلى الناس رجالاً ونساء.

ولا شك أننا لا نستطيع أن نحصر الشهيرات من النساء اللاتى كن على قدر كبير من العلم فى المجتمع، ويذكر التاريخ الإسلامى لنا أن عمر بن الخطاب وهو الخليفة الثانى للدولة الإسلامية قد أسلم فى واقعة مشهورة.. إذ ذهب إلى بيت أخته فاطمة التى كانت قد أسلمت وكان فى نيته ردها عن اعتناق الدين الجديد.. ولما لقيها سألها فى غلظة عن الدين الجديد واعتناقها له لكى يتحقق من هذا الخبر الذى سمعه عن إسلامها ولكنها فاجأته بإقرارها بذلك، وقرأت أمامه ما كانت قد تعلمته من آيات القرآن.. فأسلم على أثر ذلك، وكان هذا الأمر فى بداية الإسلام وقبل أن يعم نوره- وتعلم المؤمنون والمؤمنات من الرسول e مباشرة ونقلاً عن أصحابه فى حياتهe .. وتبوأت أمهات المؤمنين مثل عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما مكانة علمية رفيعة فى نظر المسلمين والمسلمات، إذ كان يؤخذ عنهن حديث الرسول، وخلال عشرات قليلة من السنين ظهرت المرأة المسلمة راوية الحديث الشريف والداعية إلى الله على بصيرة.. والأديبة والشاعرة والفقيهة وكان ذلك فى بداية القرن السابع الميلادى.. ويقول الأستاذ الشيخ/ محمد عبده- إنه إذا كان ما يجب على المرأة أن تتعلمه من أحكام العقيدة والدين محدداً.. فإن ما يطلب منها أن تتعلمه لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما يختلف ذلك بالنسبة إلى الرجال.. ونلحظ أن هذا الرأى يستند فى جوهره إلى عدم التفرقة بين الرجل والمرأة فى شأن الأهلية للتعليم وهو مبدأ إسلامى أصيل. . وهذه القاعدة وهى خضوع ما يطلب من العلم والمعرفة لظروف المكان والزمان والمصالح المتغيرة هو مبدأ سليم إذ لا يصح فى العقل أن ندفع المرأة إلى طلب العلم فى مجالات تشق عليها ولا تفيدها فى حياتها (13).. وإذا دخلت فيها تخلفت عن الرجال بسبب فطرى.. فالمرأة لها حق فى اكتساب المعارف كلها وليس عليها قيد فى ذلك ولكن مصلحتها كالمرأة لها رسالتها فى الحياة أن تطلب المفيد والنافع من العلوم والملائم لفطرتها ورسالتها وما تقوم به من أعباء الأسرة وفى المجتمع.

1-            حق العمل:

يعتبر حق العمل من الحقوق الاجتماعية للمرأة فى الإسلام.. وليس هناك فى الشرع  الإسلامى ما يمنع المرأة من العمل فى أى مجال يباح للرجل أن يعمل فيه، والعبرة فيما يرد من أحكام شرعية تخص المرأة فى عملها ليست بالعمل ذاته ما دام مشروعاً ومباحاً للرجل.. ولكن العبرة بما يحيط العمل، فإذا كانت ظروف العمل أو مشقته لا تقوى عليها المرأة كالقتال فى الحرب أو العمل فى إقامة الطرق والسدود وأعمال التعدين والمناجم فإن المرأة كقاعدة عامة لا تكلف بهذه الأعمال مع أنه لا مانع من الشرع إذا أدتها- فالعمل فى ذاته غير محرم عليها ولكن ينظر إلى قدرتها البدنية والنفسية عليه وإلى ما يعرضها للمشقة الزائدة أو الضرر فى بدنها أو نفسها أو عرضها- وهذا أمر يرتبط ولا شك فى كل زمان ومكان بصالح المرأة ومصالح المجتمع كله.

لقد مارست المرأة كل الأعمال تقريباً فى عصر النبوة- أعمال البيت والرعى ومارست زراعة الأرض وجذاذ النخل وهى أعمال شاقة (14) وعملت المرأة جارية للخدمة فى أعمال المنزل كما أن بعض النساء كن يدرن أعمالاً حرفية مثل النسيج وبيع العطور وشاركت المرأة المسلمة حتى فى الجهاد بما يتفق مع قدراتها وأهليتها للعمل، فقد صاحبت النساء الجيش الإسلامى فى أول عهده وكان النبى e على رأس هذا الجيش وعرف من النساء المسلمات من كن يتصدرن هذا النشاط مثل أم عطية الأنصارية والربيع بنت معوذ- وكان عمل المرأة فى المجهود الحربى يماثل ما يحدث الآن فى الغالب من مداواة الجرحى (كما كانت تفعل رفيدة الأسلمية) وصنع الطعام للجيش ورد الجرحى إلى المدينة والمشاركة فى نقل الموتى، ولكن مسئولية المرأة عن العمل لا يدخل فيها العمل الخطر أو الشاق أو الذى يعرضها لضرر بدنى أو نفسى فالشرع يعفيها من الالتزام بالقتال

فهو واجب شرعاً عند تحقق الضرورة الداعية إليه على الرجال فقط دون النساء، وإن لم يكن هناك ما يمنع المرأة من ممارسة القتال.. فقد قاتلت النساء فى عهد الرسول e فى معارك المسلمين مع الكفار مثل (نسيبة بنت كعب) وهى أم عمارة التى قاتلت بجوار النبىe  فى غزوة أحد.

وكذلك الأمر إذا كان العمل الذى تقوم به المرأة بعرضها للتبذل أو الانحراف، فإن الشرع ينهى عنه صيانة للمرأة، ومن ناحية أخرى فقد سبق أن ذكرنا أن حقوق المرأة- وحتى حقوق الرجل لا ينظر إليها مستقلة وفى مواجهة بعضها بعضاً، وإنما يكون النظر إلى الأسرة فى المجموع الزوج والزوجة والأبناء، ولذلك فإن عمل المرأة مقيد بألا يكون فيه ضياع لصالح الأبناء يتركهم دون رعاية مع حاجتهم إليها.

 

التأصيل الإسلامى للقواعد المتقدمة:

جرت آيات القرآن الكريم على التسوية بين الرجل والمرأة فى خصوص العمل، والجزاء المترتب عليه بقوله تعالى:( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) (15) وهو شامل لعمل الدنيا والعمل للآخرة.

ويقول تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ) (16).

وكذلك الآية الكريمة التى تدل على التسوية فى ثواب العمل وأجره فى الدنيا والآخرة: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(17).. فالأجر فى الدنيا والآخرة متساو للرجال والنساء على عملهم من أجل الدين أو الدنيا.

من الأحاديث النبوية التى تدل على أصل المساواة قول الرسول e (النساء شقائق الرجال ).

إن التأصيل الإسلامى لعمل المرأة وما ورد فيه من آيات فى القرآن الكريم أو السنة النبوية يظهر لنا حقيقتين:

الأولى :-

أنه ليس هناك عمل يحرم بذاته على النساء لمجرد التفرقة بحسب الجنس أو القدرات الخلقية للمرأة، فالله تعالى خلقها قادرة على العمل كالرجل ولكن ما يحيط بالعمل ذاته من ظروف مثل زيادة المشقة فيه أو التعرض للخطر من ممارسته أو تعريض كرامة المرأة وحقها فى الصيانة والعفة إلى الانتقاص يجعل الأصلح للمرأة وللأسرة وللمجتمع أن تعرض المرأة عن هذا العمل.. وقد كانت صورة ذلك فى عدم فرض الجهاد على النساء لما فيه من الخطر والمشقة وعدم تحقيق المصلحة العامة من وراء إلزامهن به- ومع ذلك فإن المرأة المسلمة فى عهد الرسول  e جاهدت وقاتلت.

الثانية:

إن عمل المرأة الأساسى والذى يستجيب للفطرة الإنسانية وللمؤهلات والقدرات والخصائص المميزة للمرأة هو رعاية البيت وتربية الأبناء- وهو نوع من التقسيم الصالح والمحقق لمصالح المرأة والأسرة والمجتمع- وليس مبنياً على مجرد التفرقة بحسب الجنس وحده إذ الرجل يستطيع أن يشارك فى رعاية البيت والمرأة تستطيع المشاركة خارج البيت ولكن العبرة فى الحياة الاجتماعية وأصولها بما يحقق مصلحة الفرد والأسرة والمجتمع.

ثالثاً: المشاركة الإجتماعية وضوابها:

يميز حقوق المرأة المسلمة- بعد أن تميزت كرامتها وقيمتها الإنسانية فى القرآن والسنة- أنها حقوق تعود عليها وعلى الأسرة وعلى المجتمع كله بالنفع والخير.. وأنها حقوق تنهض بالمرأة لتحقيق ذاتها و آمالها ورسالتها فى الحياة.. وليست حقوقاً يقصد بها أن تنفلت المرأة من متطلبات الحياة الأسرية والاجتماعية.. وأن تصبح مجرد إنسان أنانى تفكر فى نفسها خارج نطاق الأسرة وتطالب بما تعتقد أنه يحقق لها حريتها الكاملة فى نفسها أولاً وأخيراً.. وهو مبدأ مرفوض فى الإسلام لا بالنسبة للمرأة.. ولكن بالنسبة للرجل أيضاً، لقد قيده الإسلام فى نطاق الأسرة حين يريد أن يعدد زوجاته وحين يطلق زوجته بالعدل وإلزامه بما يترتب على مفارقة الزوجة بالطلاق حتى لا تضيع المرأة ويضيع الأبناء.. ألزم الإسلام الرجال والنساء معاً بالعيش داخل الأسرة فى نظام تشريعى

يكفل لكل منهما حقوقاً تعود على الأسرة جميعا بالخير.. وألزم الرجال والنساء بالعيش فى مجتمع الطهر والعفة يقول تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) (18).

الهدف الذى ينبغى تحقيقه أن يتسلح المجتمع بالخلق القويم والقيم السليمة ويتميز بالعفة وأن يقطع أسباب الانحراف.. وهذا ما أوجبه الإسلام على الرجال والنساء معاً.. والقرآن الكريم يذكر المؤمنين بقواعد عديدة تحفظ للمجتمع عفته وطهره فى علاقة الرجل بالمرأة فى المجتمع.. فالمرأة ليست معزولة عن الرجل عزلاً كاملاً لأن لها حق التعليم ولها حق العمل مما يفرض عليها أحياناً أن يكون لها اتصال بالرجل، وقد بدأ هذا الاتصال واضحاً وظاهراً فى عصر النبى e فلم يكن مجتمع المسلمين منقسماً إلى مجتمع للرجال وآخر للنساء، ولا كان هناك عزل بينهما فى شئون الحياة وأمور المجتمع، وكان لقاء الرجال والنساء يتم بحسب ما تفرضه المشاركة فى الحياة وبحسب المصالح الدينية والدنيوية لها، وفى بداية الإسلام بل فى الفترة التى عانت فيها الدعوة إلى الله هاجرت النساء إلى بلد بعيد- عبر البحر- إلى الحبشة مع الرجال فراراً بدين الله وبايعت النساء النبىe على الإيمان والسمع والطاعة ومكارم الأخلاق وأورد القرآن الكريم: (يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم) (19) فالمجتمع كان واحداً لا عزلة فيه ولا تقسيم فى حياة الناس اليومية سواء فى أمور الدين أو مصالح الدنيا.

ولكن الذى يميز هذا الاتصال وهذا التعاون ويزين مشاركة المرأة للرجل فى كافة أمور الحياة- فى الدين والدنيا وداخل البيت وخارجه هو الخلق القويم واحترام كل منهما للآخر وإحسان الظن به.

لقد بايعت المرأة الإمام الأعظم للمسلمين وهو عمل يعد من أعمال المشاركة السياسية ولقد التقى الرجال والنساء فى أماكن العلم والعمل ومواطن الجهاد وأسواق التجارة ولم يكن هدف المسلم الحق أن يخلو بامرأة أو يلمسها بشهوة أو يتحرش بها بالقول أو الفعل، وهو للأسف ما يجرى فى كل المجتمعات الآن ويلقى على فكرة مشاركة المرأة ظلالاً كثيفة من الشك والرفض ويفتح الباب للتضييق عليها أشد الضيق سداً لذرائع الفساد ومنعاً للفتنة وكان اللقاء الذى جعله الإسلام محققاً للمصلحة ولمقاصد الشرع هو لقاء الرجال بالنساء جمعاً على أدب الإسلام وليس لقاء الرجل بالمرأة فى خلوة يكون ثالثهما الشيطان.. والحقيقة أنه لو التزم الرجال والنساء أدب الإسلام لما تعقدت أمامهم مشكلات ما يسمونه بالاختلاط الذى يسود الحياة الاجتماعية اليوم.

إن اللقاء فى جماعة من الرجال والنساء بأدب الإسلام فى القول والنظر والزى جائز- وهو اللقاء الذى تترتب عليه جميع مصالح الناس فى أى مجتمع بل إن اللقاء بأدب الإسلام الذى ذكرناه أكثر تحقيقاً للمصالح المقصودة دينياً ودنيوياً، وهو أفضل من عزل مجتمع النساء عن مجتمع الرجال عزلاً تاماً كأن الله تعالى فرض علينا ألا تكون هناك معاص وذنوب يتوب الإنسان منها إلى الله فيتوب عليه.

إن مشاركة المرأة المسلمة فى المجتمع تتحدد فى الإسلام على أساس ضرورات جنس المرأة واحتراما وتقديراً لفطرتها وملكاتها وقدراتها ودورها وجهدها لبقاء الحياة واستمرارها.. أما محاولة إلغاء الفوارق الفطرية- فى الخلق الإلهى بين الرجل والمرأة- فلن تكون لصالح المرأة أبداً- إن الفطرة والسنة الإجتماعية العامة منذ بداية الخلق ميزت الرجل بقدارت وملكات خاصة .. وميزت المرأة بقدرات وملكات أخرى ، بحيث يتكامل النوع البشرى ويتكافل فى أداء رسالته الكبرى فى الخلافة الإنسانية بعبادات الله وحده وتعمير الأرض بالحق والخير والسلام لكل البشر .

وفى المجتمعات الإنسانية كلها قديماً وحديثاً وحتى فى الوقت الحاضر تبدو مشاركة المرأة فى الحياة الإجتماعية خارج بيتها أقل من مشاركة الرجل ، إذ المرأة لها رسالة متميزة هى وحدها التى تملك الطاقات والملكات التى تحقق هذه الرسالة.

المراجع

(1) المرأة النشأة والتكريم: د/ أحمد محمد غنيم.

(2) رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر، محمد قطب ،دار الوطن للنشر- الرياض 91- 92.

(3) التقرير منشور تحت حرف A عن دائرة الإعلام بالأمم المتحدة النشرة العربية- بعنوان تقرير المؤتمر الرابع العالمى المعنى بالمرأة (بيجنج 4-15 سبتمبر1995 م والتقرير صادر بتاريخ 17/10/1995م.

(4) كتاب بسبب جنسهاBecause of her sex تأليف كاتى فيجز Kate Figex الفصل الأول "هناك فرق "والفصل الرابع "معاقبة الأمومة "والفصل السادس عن" المساواة الصناعية "ص 168-169.

(5) الإسراء: 70

(6) البقرة:30.

(7) التوبة :71.

(8) النحل :97.

(9) العلق :1.

(10) الزمر: 9.

(11) المجادلة: 1.

(12) صحيح البخارى جـ 1 ص 421

(13) إنتاجية مجتمع، د. محمود محمد سفر الكتاب العربى السعودى ط الأولى ص 69- 74.

(14) صحيح البخارى جـ 2 كتاب الذبائح والصيد، جـ 4 كتاب الزكاة، جـ ه كتاب البيوع، جـ6 كتاب الجهاد.

(15) النساء: 32.

(16) آل عمران: 195.

(17) النحل : 97

(18) النور : 30-31

(19)الممتحنة:12.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع