الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الحادي عشر : نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي
 
العلاقات الاجتماعية فى الإسلام

العلاقات الاجتماعية فى الإسلام

تدعيم للوحدة فى المجتمع الإسلامى

أ. د/ محمد شامة

مصر

تخضع العلاقات بين الكائنات الحية لعوامل شتى، واتجاهات متعددة وتنطلق من أسس متفاوتة المصادر والمنابع، وظروف مختلفة الملامح والأشكال، فتتحكم فيها منازع الكائنات الحية المتنافرة وتصيغها رغبات الأنواع والأجناس، وتوجهها ميول الأفراد يمينا أو شمالا وتطبعها الجماعات بطابعها التى ترى فيه أنه يعود عليها بفائدة أو يمدها بأسباب البقاء. فيحميها من عوامل الفناء والهلاك.

ومن هنا يميل الباحثون فى علم الأنثروبولوجي " أى علم الإنسان 3 إلى الاعتقاد بأن الصراع بين الكائنات الحية هو قانون الحياة، فلا يكتب البقاء إلا لمن يتغلب على من حوله، فالبقاء للأقوى كما آن عملية الصراع بين هذه الكائنات الحية هى ديناميكية التطور.

أثر هذا المفهوم للعلاقات بين الكائنات الحية على فكر بعض المجموعات البشرية، فاعتنقت مبدأ التفوق بين الأجناس البشرية، ففضلت جنسا على آخر فى الحقوق والمعاملات وكذلك فى التقييم الإنسانى وكان من جراء ذلك أن ظهر لي بين الناس صور من المعاملات، لا تتفق مع ما تتطلبه واقعية الانتماء إلى جنس واحد هو أصل للناس جميع، إذ شاع بينهم نعرة استعلاء شعب على آخر. وسيطرت على أذهانهم عقيدة التفاضل بين المجموعات البشرية، على أساس اللون، أو البيئة أو العقيدة، واتخذ سلوكهم مسار استئثار الأفضل بكل أنواع الخيرات الموجودة على ظهر الأرض. بحيث لا يترك لمن هو أدنى فى البشرية إلا ما يسد به رمقه، أو ما يحفظ عليه حياته فى حدود ما يؤدى لمن هو فوقه من خدمات، أى أن ما يترك له ليس إلا من زاوية حفظ قدرته لتنتفع بها المجموعة الأفضل، فهو بمثابة الحيوان الذى يقدم له الطعام كى يقوى على تأدية ما يطلب منه من خدمات.

ونشأ عن هذا الوضع فى العلاقات الإنسانية صراع بين من يملك ومن

لا يملك، ونزاع بين الذين استولوا على ط ما حولهم من الخبرات، ربين المحرومين الذين لا يجدون ما يقتاتون به، مما جعل الهوة فى العلاقات الاجتماعية سحيقة وعميقة، لا تجد لها شطآنا ترتكز عليها الصلات الأخوية بين الناس ، ولا قرارا تقف عليه دعائم المحبة والمودة بينهم، إذ لا توجههم إلا المنافع المالية، فلا يميلون إلا حيث ينعمون ماديا، ولا يأنسون إلا من يجنون من ورائه مكسب! يزيد من ثرواتهم، أو جاههم وسلطانهم، وبهذا ضاعت ملامح العلاقات الإنسانية، وتلاشت عاطفة الأخوة بين الناس، فأصبحت نفسر الإنسان نهمة، تلهث وراء المادة، وتجرى وراء الشهوات الجسدية، والملذات الجنسية، حتى أصبح المجتمع البشرى أشبه بغابة يتحكم فيها القوى، ويسود فيها كل من تجرد من المعانى السامية، وتعرى من كل أردية الشرف والفضيلة.

ومن هنا كانت تعاليم الإسلام فى مجال العلاقات الاجتماعية ضوابط تمنع الإنسان من التردى فى المجال الذى يبعده عن الشعور بالأخوة الإنسانية، أو يثنيه عن تأدية ما يقوى الروابط الإنسانية بينه وبين أهله، أو يدعم روع التعاون بينه وبين بنى وطنه، أو بينه وبين البشر جميعا، فهى توصية بالوالدين وبالأقربين ، كما تأمره بمساعدة الضعفاء والمساكين، وتقديم العون لكل صاحب حاجة، سواء كان قريب! منه أو بعيدآ عنه، فما دام يطلب العون وهو قادر على توصيل هذا العون له فيجب عليه القيام بذلك، وقد وردت آيات وأحاديث تحث على تأدية هذا الواجب.

ففى باب الوصية بالوالدين يقول الله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا

إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) (1).

ولا ينبغى أن تتأثر معاملة الابن لوالديه باختلاف العقيدة، فلأ يكون تباين العقيدة أو الرأى سببا فى الإساءة إليهما، يقول الله تعالى: (ووصينا

---------------

(1) الإسراء23- 24.

الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك ب علم فلا تطعهما) (1). وفى أية أخرى يقول له: (وصاحبهما فى الدنيا معروفا) (2). أى على الرغم من كفرهما ومحاولة ثنيك عن الإيمان بالله، ينبغى أن تعاملهما برفق، وأن تقدم لهما العون، فتذلل كل عقبة تعترض سبيلهما، وتلبى رغباتهما، إذ معنى المصاحبة أن تساعدهما على تخطى ما يعترضهما من صعاب وأن تكون لطيفا فى معاملتك لهما.

وكما وصى القرآن الكريم الأبناء بالإحسان إلى الآباء، فرض على الأباء حسن تربية الأبناء، فأمر بأن يختار الأب لابنه أفضل الأمهات، بمعنى أن يحسن اختيار زوجته، التى ستكون أما لأولاده، حتى لا يجد الأبناء غضاضة فى نسبهم إليها، أو يشعروا بمنقصة، لو كان فى حياة الأم ما يشينها فى المجتمع وذلك امتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ) (3). كذلك أوصاه بأن يختار لأولاده أحسن الأسماء، فلا يطلق عليهم أسماء تحمل فى معانيها جانبا من جوانب الانحطاط فى المجتمع أو تبعث على السخرية والاستهزاء بهم، وأن يسعى سعيا حثيثا فى عمله حتى يهيئ لهم تربية حسنة، سواء كان ذلك فى المأكل أو الملبس أو المسكن، وأن يعمل جاهدا على تعليمهم وتثقيفهم بقدر المستطاع حتى يكونوا أعضاء صالحين فى المجتمع، ويستطيعون كسب قوتهم بعد بلوغهم سن العمل من عمل شريف، فيقدمون بذلك خدمة لمجتمعهم ولأمتهم ولا ينسى الأب فى جميع مراحل تربيتهم أن يكون رحيما بهم، عطوفا عليهم، مرشدا لهم إلى الطريق المستقيم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذ يقول: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ) فالرحمة بالصغير تشمل فيما تشمل حسن تربيته وتعليمه، والمحافظة عليه من قسوة الدهر صغيرا ورعايته وتوجيههه شابا والإبقاء على حسن العلاقة معه كهلا.

-----------------------

(1) العنكبوت: 8.

(2) لقمان:15.

(3) نص الحديث فى ابن ماجة؟ تخيروا و أنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم.

أما العلاقة بين الزوج وزوجته فقد رسمها القران الكريم على أساس

حسن المعاشرة ورعاية كل منهما لحقوق الآخر، وقيام كل طرف بما عليه من واجبات تجاه الآخر، فلو التزم الجانبان بما رسمه القرآن الكريم لهما، لرفرفت أجنحة السعادة على حياتهما الزوجية، ولعاشا فى حب وسعادة، يحدوهما الأمل فى المستقبل ويحف بهما النجاح فى كل ما يباشرانه من أعمال.

فقد وصى الإسلام الرجل أن يظهر لخطيبته ما يؤكد لها أنه يحبها، وذلك يكون- بالإضافة إلى الظواهر العاطفية التى تبدو على ملامح الخطيب عند اللقاء- بتقديم الهدايا لها، ولو كانت غير ذات قيمة من الناحية المادية، لأن قيمتها بين المحبين تكمن فيما تعبر عنه من مشاعر تجاه الطرف الآخر، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم (التمس ولو خاتما من حديد ) (1) أى أعطها شيئا حتى ولو كان ما تعطيه خاتما من حديد، لأن ذلك يغرس فى قلبها المودة والمحبة، وما يشاع فى الغرب عن الإسلام من أنه فرض على الرجل مهرا ليشترى به المرأة ليس صحيحا، لأن المهر ليس إلا رمزا للحب والائتناس بالزوجة حيث يشعرها بأنه راغب فيها، ومستعد للتضحية فى سبيل إرضائها، وما يقدمه لها هو ملكها لا يأخذه أحد منها، فلا ينطبق عليه أركان الشراء الذى يزعمونه.

فإذا انتقلت معه إلى بيت الزوجية، فإن السلوك القائم على احترام كل للآخر، وحفظ حقوق كل طرف هو الإطار الذى رسمه الإسلام للحياة الزوجية، فقد أعطى المرأة الحق فى أن تحتفظ بما لها لنفسها، وتستثمره كما تشاء دون أن يتدخل الرجل فى فرض رأى عليها أو إرغامها على اتجاه معين، فهي مستقلة فى المعاملات المادية استقلالا تاما أما إذا تنازلت هى عن هذا الحق عن طيب خاطر لزوجها فلا يحرم الإسلام عليها ذلك.

كذلك يفرض الإسلام على الرجل القيام بكل ما تتطلبه المعيشة من نفقات، دون أن يفرض على المرأة شيئا من ذلك، غير أنه حثها على مساعدة الزوج في هذا الجانب إذا كان دخله لا يكفى لمتطلبات الحياة، وذلك لا يكون من باب الإلزام الذى يؤخذ بحق القانون والمقاضاة، بل من باب حسن المعاشرة،

----------------------------

(1) رواه البخارى،

فما دامت هى شريكة حياته، فينبغى عليها من باب الإنسانية، أن تقدم له يد المعونة إن كان هو فى حاجة إلى ذلك، وإلا أصبحت الحياة بينهما فاترة إن لم تصل إلى حد التنافر والتشاحن، وذلك مخالف لأمر الله سبحانه وتعالى حيث يقول: (وعاشروهن بالمعروف) (1).

وكما فرض الإسلام على الرجل الإنفاق على بيت الزوجية، لأن الغالب الأعم فى المجتمعات البشرية أن الرجل هو الذى يسعى لكسب قوت الأسرة، فرض على المرأة أن ترعى شئون البيت، وتربية الأولاد بما يضمن للحياة الزوجية، عيشة سعيدة، فإن شاركت المرأة الرجل فى السعى على الرزق- أى إذا خرجت للعمل- فيجب على الرجل ألا يتركها تتحمل العبء وحدها مضاعفا بمعنى ألا يتركها تعمل وترعى البيت دون أن يشاركها، على قدر المستطاع لتخفيف العبء عنها ولا ضير فى ذلك، فقد سئلت السيدة عائشة رضى الله عنها عما كان النبى صلى الله عليه و سلم  يصنع فى بيته، فأجابت: (كان (يكون) فى مهنة أهله- تعنى خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة ) (2) فيستفاد من هذا الحديث أن النبى صلى الله عليه و سلم  كان يساعد أهل بيته فيما يقومون به داخل البيت، وعليه فإذا خرجت المرأة إلى العمل لتساعد فى تحسين الحياة المادية فلا أقل من أن يؤدى الرجل ما يخفف عنها عبء العمل، لأن ذلك من حسن المعاشرة التى وصى الله بها فى كتابه العزيز. فلو التزم كل فرد فى الأسرة بتأدية ما عليه من واجبات إزاء الآخرين، وحفظ حقوق كل فرد فى الأسرة، سواء فى ذلك: الآباء والأبناء لقامت الخلية الأولى فى المجتمع على أساس متين، ولأرسيت قواعد متينة فى مجال الأخلاق، مما سيكون له أثر فعال فى معاملة أفراد الأسرة مع بنى وطنهم من الأسر الأخرى.

فإذا انتقلنا من الأسرة إلى دائرة أوسع فى المجتمع، لوجدنا أن الإسلام وصى خيرا بذوى القربى، وأمر بالمحافظة على صلة الرحم، فقال الله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله) (3). وقال

(1)النساء:19. (3) الأنفال:75.

 (2) رواه البخارى.

رسول الله صلى الله عليه و سلم  ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى ) (1). لأن من لا يرحم قريبه فهيهات أن يكون فى قلبه رحمة لمن لا يمت إليه بصلة قرابة، ومن لا يقدم العون لمن هو أقرب إليه من غيره، فنادرا ما تكون لديه العاطفة التى تدفعه إلى مد يد المعونة لمن يحتاج إلى المساعدة، ومن انتزعت من قلبه الرحمة على أهله، وذوى عشيرته، فقد  الشعور الذى يوجهه إلى العطف على الآخرين من بنى جنسه، ولهذا كان منهج الإسلام فى تربية الفرد قائما على أساس تعويد الإنسان على العطف والحنان لمن يليه فى القرابة أولا، لأن ذلك أقرب وأسرع فى غرس مبدأ الانتماء إلى المجموع  ذلك الانتماء الذى يشعر الفرد بأن كيانه مرتبط بوجود الهيئة الكلية لعشيرته، فيدفعه ذلك إلى المحافظة على كل فرد منها، ويغرس فيه حب التعاون حتى لا يتصدع الكيان الذى ينتمى إليه، فيكون فى ذلك فناء وضياع لذاته أيضا.

ولم يطلب الإسلام من المسلم أن يرعى أقرباءه من الجانب المعنوي فقط بل حثه على تقديم العون المادى لهم لا على اعتبار أن ما يقدمه لهم من باب الإحسان على الفقراء والمساكين، بل من زاوية أنهم أقرباؤه، لهم حق فى ماله، ما داموا عاجزين عن كسب ما يقتاتون به، يقول الله تعالى: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون )(2) ويقول: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) (3) ويقول ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب )(4).

 (1) رواه ابن ماجة والدارمى وأبو داود. (3) البقرة: 215.

 (2) 1 لروم: 38. (4) البقرة: 177.

فيفهم من تقديم حق ذوى القربى فى هذه الآيات على حق غيرهم من الفقراء، أن لهم المنزلة الأولى فى تقديم العون المادى لهم، إن كانوا فى حاجة إليه، وما ذاك إلا لأن الإسلام يريد أن تبنى هذه العلاقة على أساس متين، لأنها اللبنة الثانية- بعد لبنة الأسرة الصغيرة- فى المجتمع، ولا يستقيم حال أى مجتمع ويشتد عوده إلا إذا كانت الوحدات التى يتركب منها صلبة قوية، قادرة على مواجهة تيارات الحياة، وتقلبات الزمن التى تقصف بكل بناء مفككة أوصاله، وممزقة خيوط الروابط الأسرية فيه، ولهذا جعل لكل من يقدم شيئا لقريبه أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة فقد روى النسائي والترمذى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم  قال ( الصدقة على المسكين صدقة .. وهى على ذى الرحم ثنتان: صدقة: وصلة )

كما حث الإسلام على رعاية حق الجار، سواء كان ذلك فى المعاملة، أو فى تخفيف ما يعانيه الجار من نوائب الدهر، وكوارث الزمن، إذ من حق الجار على جاره ألا يصدر منه ما يؤذيه، أو ينغص عليه صفو هدوئه، فلا يحدث أصواتا تزعجه، ولا يأتى من الأعمال ما يلحق الضرر به، وذلك تنفيذا لأمر الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز حيث يقول: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) (1) فجاءت الوصية بالجار مع الوصية بعدم الإشراك بالله فى آية واحدة، وما ذاك إلا لأهمية علاقة الإنسان بجاره فى التعاليم الإسلامية، لأنها الحلقة التالية- بعد حلقة ذوى القربى- فى السلسلة الاجتماعية، التى ينبغى أن تكون متماسكة، لتقوم الحياة على أساس متين، وركيزة قوية ومما يؤكد أمر الإسلام بالإحسان إلى الجار قول رسول الله صلى الله عليه و سلم  فيما ترويه عائشة رضى الله عنها: ( ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) (2). فالإسلام يطلب من المسلم أن يتأدب مع جاره والمشارك له فى السكن،

سواء كان هذا الجار مسلما أو غير مسلم، إذ يروى أبو ذر عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم: أنه ذبحت شاه فى بيته- أى بيت عبد الله بن عمر-

(1) النساء: 36. (2) رواه البخارى.

فقال: أ أهديتم لجارى اليهودى؟ فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ( ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) فلا يجوز لمسلم أن يأتى من الأفعال مايؤذى جاره فلا يستعمل جهاز

الراديو أو غيره من الأجهزة على نحو يزعج جاره أو يعكر عليه صفو هدوئه،

. أو يقلقه فى فترات الراحة أو يشوش عليه أثناء عمله الذى يحتاج إلى جو هادئ كذلك لا يستخدم النوافذ والشبابيك استخداما يسئ إلى أحد من جيرانه. ولاستعمل سيارته بطريقة تقلق النائمين أو تضايق الناس فى مساكنهم وقد تحول بينهم وبين الاستمتاع بالهدوء والراحة. لأن من يفعل ذلك. فإنه يرتكب إثما قد يخرجه عن حظيرة الإيمان الكامل، لما يرويه أبو شريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن- قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذى لا يأمن جاره بوائقه ) (1) كما ذكروا لرسول الله صلى الله عليه و سلم  امر: تصلى الكثير وتقوم الكثير، ولكنها تؤذى جيرانها فقال: ( هى فى النار).

كل ذلك ينطوى عليه الأمر بالإحسان إلى الجار، ذلك الإحسان يشمل

- فيما يشمله- عدم إيذاء الجار، أيا كان نوع هذا الإيذاء ومصدره، كما يتضمن محاولة التخفيف عنه، إذا ألم به كرب، ومساعدته فى حالة احتياجه إلى المساعدة، فلو ألمت بأحد مصيبة فى عزيز لديه، أو فيما عنده من مال وجب على الجيران أن يهرعوا لمساعدته كل على قدر طاقته، كذلك لو كان فقيرا، ليس عنده ما يقتات به، فجيرانه مطالبون بالوقوف معه لاجتياز محنته فإن كان فى حاجة إلى عمل وجب على من يقدر على تدبيره له أن يقوم بهذا الواجب، وإن كان عاجزا لا يقدر على كسب قوته وجب عليهم العمل على تدبير ما يقتات به، ولا يتركونه يموت جوعا، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : أ ( والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم) (2).

ومن الأحاديث التى فصلت حق الجار على جاره. ما رواه معاذ بن جبل،

قال: قالوا: يا رسول الله ما حق الجار على جاره؟ قال: إن استقرضك،

(1) رواه البخارى.

 (2) انظر: مسند أحمد.

أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولاتؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأذخلها سرا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده.

هذه هى العناية بالجار. وهى الدعامة الأساسية فى تكوين المرحلة الأولى لوحدة الجماعة. إذ لو قامت وحدة بين الجار وجاره على أساس من المعاونة والمشاركة النفسية والوجدانية والمادية. لأصبحت الجماعة التى تشيع فيها هذه الروح بين أفرادها من أشد الجماعات قوة واتحادا، وأكثرها إيجابية فى حياتها الخاصة والعامة، وأصلبها عودا فى مواجهة الأزمات، وأوفرها إنتاجا  فى المجالات المختلفة، فتكون أسرع فى بناء صرع الحضارة الإنسانية التى تنشدها كل شعوب الأرض.

إن الإسلام حين يوصى بالجار خيرا، لا ينشد إلا سعادة الناس التى تنبع أساسا من الطمأ نينة فى الحياة، ولاشك إن إحساس الإنسان بأنه لن يضيع بين جيرانه لهو المصدر الأساسى فى وجود الطمأنينة التى تساعد على العمل المثمر، فتسعد القلوب، وتطمئن النفوس.

لم تقتصر تعاليم الإسلام على الحث على رعاية ذوى القربى والجار فقط،

بل شملت أيضا الوصية بأن تكون المعاملة بين المسلمين- أيا كان موقعهم فى المجتمع- قائمة على مبدأ الأخوة التى تقتضى أن يحافظ الإنسان على شعور أخيه، وأن يكون عونا له، عند ما يحتاج إلى مساعدة، وذلك بأن يقف بجانبه عند الشدائد، ويشد أزره فى الملمات، ويكون درعا يقيه شر المصائب، وذلك أمتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) (1).

فلا يكمل الإيمان إلا إذا أحس المؤمن أنه عضو فى كيان كلي: هو المجتمع

وإن من واجبه المحافظة على أفراد هذا الكيان ، كمـا يحافظ علي ذاته

(1) انظر البخارى

لأن وجود ذاته لا تتحقق إلا إذا كان الكيان الكلى الذى ينتسب إليه- وهو المجتمع- سليما كله، لايعتوره ضعف فى أى جانب من جوانبه، ولاتتفكك أوصاله بسلوك كل فرد طريقا خاصا به، بعيدا عن الجماعة، وقد حذر الرسول صلى الله عليه و سلم  من هذا العمل بقوله: ( فإنما يأكل الذئب القاصية ) . (1)

كذلك لا يكون الإيمان صحيحا إلا إذا قامت العلاقة بين المسلمين على

أساس من الصدق فى الشعور، فلا تكون المعاملة قائمة على الخداع والمواربة، والتناقض بين الظاهر والباطن، والتضاد بين ما يخفى وما يعلن، فالمؤمن بالنسبة لأخيه صفحة بيضاء واضحة نقية، لا تنطوى على جوانب سيئة، فكما حارب الإسلام الخداع فى علاقة المسلمين بالله، فطلب منهم أن يكونوا مخلصين فى عبادته فى قوله تعالى: ( فاعبد الله مخلصا له الدين  * ألا لله الدين الخالص ) (2) نصحهم أيضا بالا تنطوى قلوبهم على الغش والخديعة لغيرهم، فبشر من يصفى قلبه من الأمراض التى تهز وحدة المجتمع، وتهدد كيانه بأن الجنة مكفولة له يوم القيامة، إذ يروى أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله : إن قدرت أن تصبح وتمسى وليس فى قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال لى: وذلك من سنتى ومن أحيا سنتى فقد أحبنى، ومن أحبنى كان معى فى الجنة.

ومما يشاع بين الناس من أن الخداع ضرب من الكياسة فى المعاملة، هو

فى واقع الأمر مكر سيىء يحاربه الإسلام ويدعو إلى نبذه فى العلاقات الاجتماعية، بل يحتقر كل من يمارسه بهذه الصورة مع إخوانه فى المجتمع، يقول الله تعالى: ( ولاتطع كل حلاف مهين* هماز مشاء بنميم) (3) فبهذه الآية الكريمه ينصح المولى عز وجل رسوله الكريم بتجنب كل من يسعى إلى الإفساد فى مواربة وخداع. لأنه إنسان مهين حقير، لم يرع حقوق إخوانه فى المجتمع، ولم يحافظ على الروابط الاجتماعية المقدسة، فسعى إلى الإفساد فيما بينهم فارتكب بذلك جرما فى حق الجماعة

 (1) رواه النسائى. (2) الزمر:  2- 3.

(3)القلم:  10-11.

يحتم على كل من يراه أن يحاربه، ومن أسلوب المحاربة: تجنب هذا الذى يسعى إلى تمزيق العلاقة الأخوية بين الناس.

ويندرج تحت هذا النوع من الخداع ما يعتبره البعض نوعا من اللباقة الدبلوماسية لأنه عمل ينطوى على الغش والخداع ، الذى يحاربه الإسلام، فالذى يعلن صداقته للدين وهو يحاربه: مخادع  والذى يعلن عشقه للحرية الفردية، أو الشعبية، وهو شاهر سيفه: مخادع، والذى يعلن تودده للفقراء وهو ممسك عنهم البذل والعطاء: مخادع، والذى يعلن حبه للإنسانية، وهو جلاد أو مستغل: مخادع، والذى يعلن حسن العلاقة بينه وبين القيم الرفيعة والفضائل الإنسانية، وهو مادي منحرف فى ماديته: مخادع.

فالخداع من أفتك الأمراض التى تهدد وحدة المجتمع. إذ يقطع العلاقة بين أفراده، ويمزق الروابط التى يقوم عليها بناء الحياة الاجتماعية، فتتقطع أوصال الأمة، بحيث لا تقوى على بناء، ولا تستطيع المحافظة على ما لديها من إنجازات حضارية، بل ينهار كل ما عندها بمجرد وجود هذه الظواهر الاجتماعية التى تفكك تماسك الأمة وترابطها، ومن هنا جاءت، آيات عديدة فى القرآن الكريم تحذر المسلمين من العادات السيئة التى تؤثر على وحدة الأمة وتماسكها فقال: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) (1) وقال: ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) (2) وقال: ( فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين* فتلك بيوتهم خاوية بماظلموا). (3)

فالخداع نوع من أنواع المكر، وهو من أكثر الأسباب فتكا بوحدة الأمة،

إذ هو يفرقها شيعا وأحزابا، يمزقها زمرا وأنسابا، ومن هنا كان لابد من الالتزام بما أوصى الله به، لأنه لو نفذ المسلمون ما أمر الله به فى مجال العلاقات الاجتماعية. لصار المجتمع وحدة صلبة. لا تؤثر فيها عواصف الزمن. ولا تنال منها كوارث الدهر، وقد جاء التعبير عن هذا المعنى فى قوله تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا

 (1) الأنفال: 46.

(2) فاطر: 43.

 (3)ا لنمل:51-52.

نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) (1).

وبجانب الوصية بأن تكون المعاملة بين الناس قائمة على الصدق والصراحة، أمر الإسلام المؤمنين بألا يقفوا موقفا سلبيا إزاء ما يحدث بين إخوانهم من نزاعات وخصومات ففرض عليهم التدخل بين المتنازعين بغية الإصلاح  فيما بينهم، فإن تجاوز أحد الخصمين الحدود المشروعة، فأبى إلا أن يستمر فى المنازعة مع خصمه، فعلى المسلمين أن يوقفوه عند حده، ولو اقتضى الأمر قتاله، يقول تعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم.. ) (2).

كذلك أوصى الإسلام بتحقيق العدالة الاجتماعية فى المجتمع، فلا يجوز

لذى قوة وبطش فى المجتمع أن يستغل هذا المركز فى أكل حقوق المواطنين، ولا يحل لصاحب مال أو جاه أن يستخدمه فى استغلال الناس واستعبادهم، ولا ينبغى لمن بيده مصادر الطعام والشراب أن يتصرف فيهما على نحو يسئ إلى المواطنين، فكل قادر على تخفيف آلام الناس وتسهيل الحياة عليهم، وجب عليه أن يقدم ما عنده للمحتاج إليه، فعلى من يملك المال ويباشر استثماره أن يراعى الآخرين من أفراد المجتمع المحرومين العاجزين عن العمل وهذا يعتبر حقا يتعين أداؤه، دون انتظار مقابل منهم، يقول الله تعالى: ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) (3).

ويقول:( إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جذوعا*  وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين *  الذين هم على

(1) آل عمران: 103.

(2) الحجرات: 9- 10.

 (3) الحديد : 7

دائمون *  والذين فى أموالهم حق معلوم*  للسائل والمحروم م) (1) وقد ذكر القران الكريم الأصناف الذين يحتاجون إلى العون المادى فقال:

( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (2).

هذا بالإضافة إلى أنه مطالب بإعطاء من يعمل معه حقه بالكامل، فلا يبخسه أجره على عمل يؤديه، ولا يكلفه أكثر من طاقته فى العمل، وإن احتاج إلى عون فى أدائه شاركه فيه، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إخوانكم خولكم (أى خدمكم) أطعموهم مما تطعمون أنفسكم، واكسوهم مما تلبسون، وإن كلفتموهم بأمر لا يطيقونه فأعينوهم على أدائه ) (3).

ويأمر الإسلام صاحب المال الذى يتعامل مع الناس بألا ينقصهم الكيل والميزان فى البيع والشراء، ولا يخدعهم أو يغشهم فى العقود التى يبرمها معهم، ولا يكرههم بطريق مباشر أو غير مباشر على قبول ما يلحق الضرر بهم. يقول الله تعالى: ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أراكم بخير وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) (4) ويقول: ( ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) (5)

فإذا قامت العلاقة بين المواطنين على أساس الشعور بالأخوة، فحافظ كل

فرد على حقوق الآخرين، الذين يعيشون معه فى المجتمع، وبذل من يقدر على العطاء للمحتاجين كل ما من شأنه أن يخفف عنهم عبء الحياة، والتزم جميع الأفراد بالتواصى بالخير، والنهى عن المنكر، لأصبح المجتمع متماسكا قويا، قادرا على الإنجازات الحضارية فى جميع الميادين، وذلك ما ينشده

الإسلام للمجتمعات الإنسانية.

المراجع

(1) المعارج:19-25                (2) التوبة: 60                      

(3) رواه البخارى                    (4) هود: 84

(5) المطففين: 1-3

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع