الوظيفة الاجتماعية للمال
فى
الإسلام
أ. إبراهيم صالح الحسيني
مفتى الديار
نيجيريا
مكانة
المال فى الإسلام
إن
الإسلام اهتم بالمجال الاجتماعي من جميع الوجوه ثقافيا واقتصاديا وصحيا وأدبيا
فوضع الأساس الصحيح لقيام الأسرة الكريمة، وشرع القوانين والشرائع التى ترعاها وتحميها، كما وضع- من أجل تحقيق الأهداف النبيلة
لسياسة المجتمع والارتقاء به إلى مستوى السعادة والأمن-
الكثير من الأسس الكفيلة بتحقيق الحد الضروري للكفاية والعدل حتى تتحقق طموحات
الأفراد والجماعات فى التنمية والرقى والازدهار.
فبالنسبة للأسرة وبناء أفرادها وإحاطتها بالرعاية الكاملة، شر ع الرباط المقدس بين
نواتى الأسرة الأم والأب، أعنى رباط الزوجية المقدس، ووضع الأساس الثابت المشتمل
على الحكمة فى جميع الأحوال من الزواج وحقوق الأولاد
بتحمل مسئوليتهم صحيا وغذائيا وثقافيا وخلقيا وأدبيا.
كما
دعا إلى العدالة الاجتماعية متمثلة فيما وضعه من أساس توفير فرص العمل والأمن
الغذائي والصحى والثقافى
كتسوية المعاشات للمستحقين ومراعاة الحد الأدنى للأجور ومراعاة عنصر كفالة الدولة
للأفراد فى مجانية التعليم والعلاج وتسهيل طرق الوصول
إلى السكن المناسب وتوفير التسهيلات الخاصة بفلاحة الأرض واستخصابها،
الأمر الذى لا تتحقق سعادة لأحد فى
المجتمع إلا على أساسه، كما أن الإسلام لم يضع قواعد الضمان
آ.
إبراهيم صالح الحسينى
مفتى الديار
نيجيريا
مكانة
المال فى الإسلام
إن
الإسلام اهتم بالمجال الاجتماعى من جميع الوجوه ثقافيا
واقتصاديا وصحيا وأدبيا فوضع الأساس الصحيح لقيام الأسرة الكريمة، وشرع القوانين
والشرائع التى ترعاها وتحميها، كما وضع- من أجل تحقيق
الأهداف النبيلة لسياسة المجتمع والارتقاء به إلى مستوى
السعادة والأمن- الكثير من الأسس الكفيلة بتحقيق الحد الضرورى
للكفاية والعدل حتى تتحتق طموحات الأفراد والجماعات فى التنمية والرقى والازدهار. فبالنسبة للأسرة وبناء أفرادها
وإحاطتها بالرعاية الكاملة، شرع الرباط المقدس بين نواتى الأسرة الأم والأب، أعنى
رباط الزرجية المقدس، ووضع الأساس الثابت المشتمل على
الحكمة فى جميع الأحوال من الزواج وحقوق الأولاد بتحمل
مسئوليتهم صحيأ وغذائيأ وثقافيأ وخلقيأ وأدبيأ.
كما
دعا إلى العدالة الاجتماعية متمثلة فيما وضعه من أساس توفير فرص العمل والأمن الغذائى والصحى والثقافى كتسوية المعاشات للمستحقين ومراعاة الحد الأدنى
للأجور ومراعاة عنصر كفالة الدولة للأفراد فى مجانية
التعليم والعلاج وتسهيل طرق الوصول إلى السكن المناسب وتوفير التسهيلات الخاصة
بفلاحة الأرض واستخصابها، الأمر الذى
لا تتحقق سعادة لأحد فى المجتمع إلا على أساسه، كما أن
الإسلام لم يضع قواعدالضمان
أو
التكافل الاجتماعي إلا على هذا الأساس، أعنى أساس كسب المال ضعن حدود الشرع ووضعه فى محله حسب توجيهات الشرع وحظر الجمع أو المنع بطريقة عشوائية.
تعريف المال فى الإسلام
إن
المال فى الإسلام ينقسم إلى مال عام يصرف فى الصالح العام، وهو يتجمع أساسا من الموارد المالية التى تتكون منها ميزانية بيت المال.
ومال
خاص وهو ما يملكه الشخص أو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك
عن
غيره بشرط أخذه من وجهه.
الاعتدال فى كسب المال والقصد فى إنفاقه
الاعتدال
فى تدبير شئون المعيشة والسعى
باعتدال من أجل أكبر دخل وأوفره لتأ مين حاجات الفرد والمجتمع والدولة مع إعداد الخطط اللازمة
لتنمية الموارد واستغلالها، ودراسة تنميتها بأقل النفقات أو التكاليف مع التزام
القصد فى توزيعها هو معنى الاقتصاد فى
الإسلام. قال تعالى: (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب ) (1)، وقال: (هو
الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى
مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (2)، وقال:( فإذا قضيت الصلاة
فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله
كثير لعلكم تفلحون) (3). والآيات فى هذا الباب
كثيرة كما سيأتي وكلها تحث على الإنتاج وتدعو
إلى
العمل بعد الفراغ من العبادة مباشرة، فالعمل للدنيا قرين العمل للآخرة فى هدى الإسلام ومنهجه الرباني.
(1)
الشرخ:7ء.
(2)الملك:10.
(3)الجمعة:10.
ولقد
عرف علماء القرن التاسع عشر من الغربيين بتعاريف
مختلفة، فيرى بعضهم أن علم الاقتصاد هو العلم الذى يبحث
الأسباب المؤدية إلى الرخاء المادى وزيادة ثروة الشعوب،
وهو العلم الذى يعالج مشكلتى
الإنتاج والتوزيع.
وإذا
رجعنا إلى القران وجدنا التحديد المعنوى الجامع المانع
لكلمة اقتصاد
من
ناحية الإنفاق فى قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامآ) (1). وكذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب
المسرفين) (2). والمفهوم الذى يعطيه هذا النص القاطع
هو الاعتدال بين مرتبتين، إحداهما الإسراف، والأخرى التقتير، وكلتا الحالتين منهى عنها بمقتضى هذا النص وغيره من النصوص، كقوله تعالى: (ولا
تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورآ)
(3). وقوله تعالى:( وأت ذا القربى حقه والمسكين
وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا 8 إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.... ) (4).
وأما
فى جانب العمل فيجب الاعتدال بالتزام عقيدة الاعتماد
على الله فى الكسب والطلب وعدم الميل عن منهج التقوى
وهو ابتغاء فضل الله وهو رزقه الذى لا يملك إعطاءه سواه
كما فى النصوص التى صدرنا بها. وفى الحديث ( اتقوا الله وأجملوا فى
الطلب، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته.... الحديث )
------------------------------------
(1) الفرقان: 67.
(2) الأعراف: 31.
(3) الإسراء:29.
(4) الإسراء:26-27.
ومن
كل الأدلة الواردة فى الكتاب والسنة نستطيع أن نقول إن
معنى الاقتصاد فى الإسلام هو إعداد خطط تنموية
للاستفادة من كل القوى المسخرة للإنسان فى هذا الكون
الفسيح مع مراعاة الاعتدال فى التحصيل، أى الإنتاج الذى هو معنى الإجمال فى الطلب والاعتدال فى التوزيع الذى هو الإنفاق. وبما أن الاقتصاد فى
الإسلام قائم على أسس عقائدية تحكمه، يجب أن لا يفصل عن باقى
الأمور العامة كلها، والتى تحكمها أحكام تشريعية جاء بها ا لإسلام.
فالأمور
السياسية والإدارية والاجتماعية والعسكرية والعمرانية مثل
خطط
التنمية الاقتصادية واستغلال كافة الموارد الطبيعية وغيرها محكوم بنظام سماوى ثابت يرعى المصلحة الخاصة والعامة للأفراد والجماعات
والحكومات ت
فبعد
الوازع الدينى الذى يوقظ
الضمير عند مباشرة الأعمال كالوازع الشرعي الذى يجبر
الإنسان على سلوك سنن الاعتدال فى معاملاته الاقتصاد ية وغيرها. ولقد أكد هذا التشريع
تكريم الله للإنسان وتسخير الكون كله من أجل مصلحته. فقال تعالى: (ولقد كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر والبحر
ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (1). وقال أيضا: (الله
الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من
فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه إن فى ذلك
لآيات لقوم يتفكرون )(2).
وجاءت
القيود والحدود التى وضعها الإسلام لتقويم سلوك الإنسان
الاقتصادي من أجل حمايته وحماية المجتمع من أضرار الطمع والجشع والطغيان والحرص
والتسلط الملازم لطباع البشر ما لم يهذبها الوحى الإلهى. ومن أجل تنبيهه على أن حريته فى
التصرف محدودة بتشريعات الحق الذى استخلفه فى الأرض لاستغلال مواردها وإقامة العدل فيها.
الموارد الطبيعية
وبالرجوع
إلى ما سبق لنا حول قوله تعالى:( وسخر لكم ما فى
السموات وما فى الأرض جميعا منه) (1). نقول إن الحق
تبارك وتعالى الذى له ملك السموات والأرض والذى يملك ما يرى وما لا يرى من الكون، والذى
قال: (وإن من شىء إلا عندنا خزائنه) (2). تفضل وتكرم بإعطاء هذا الإنسان حق الاستفادة من جميع الموارد
الطبيعية والانتفاع بها كفاية وتمتعا.
والموارد
الموجودة فى الطبيعة وليس للإنسان أثر فى استخدامها هى الموارد الطبيعية فى عرف الاقتصاديين، وهذه الموارد ثروة طبيعية ضخمة تزداد
قيمتها إذا استخرجها الإنسان ليملكها ويستفيد منها مباشرة أو بعد التصنيع، وتتناول
كل مورد يمكن أن يتحول إلى نقد سائل إلى ما له قيمة مالية، فإذا اقترن العمل
بالموارد تحول إلى إنتاج تقدر قيمته بالمنفعة، وعلى أساسها يقوم التبادل بين الناس
كل حسب عمله أو حاجته.
أهم الموارد
الطبيعية
ذكر
كثير من علمائنا الموارد التى يرتزق منها الإنسان
واتفقوا على أن أبرزها فى زمنهم الزراعة والاصطياد
والمعادن وركزوا على المياه. ويرى علماء الاقتصاد أن أهم هذه الموارد نظرا لما
تحقق للإنسان فى هذا العصر من التقدم الاقتصادى غير المعهود فى السابق
هذه الأشياء:
1- ا لزرا عة.
2- الطاقة.
3- ا لمعادن.
4- المياه.
فالدعامة
الأولى فى الاقتصاد الإسلامى،
هى طاعة الله وطاعة رسوله،
وهو
معنى التقوى فى كل شىء، قال
تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) (2).
وفى
الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن روح القدس نفث في روعي أن
نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء
الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته )(1).
فإذا
علم الإنسان أن الذي يملك الأشياء كلها ملكا خالصا ويملك إعطاءها وتسخيرها لمن
أراد هو الله فإنه يتجه قبل كل شئ إلى الخالق الذي بيده
زمام الأمور، فيطلب منه ما يحتاج إليه كما قال موسى عليه السلام: ( رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير ) (2).، وكما قال تعالى:(
يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى
الحميد) (3). وبذلك يستطيع الإنسان أن يستند في سلوكه الاقتصادي على مبادئ
ثابتة في مجال التملك والتوزيع، والإنسان المؤمن يمارس الأنشطة الاقتصادية
المختلفة لسد حاجته انطلاقا من قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (4)، وقوله تعالى: (
يا أيها الذين أمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون).
إن
الاقتصاد الإسلامي يختلف عن النظم الاقتصادية السائدة اليوم في العالم، ولا فرق
بين الأنظمة القائمة على أسس التجربة الرأسمالية أو الاشتراكية الحديثة أو تلك
النظم المركبة من هذين النظامين، فمبدأ الملكية في الإسلام لا ينحصر في جهة واحدة،
ومن هنا صرح الكثير بأن نظام الملكية في الإسلام ازدواجي يقر حق الفرد والجماعة
والدولة في الامتلاك.
(1) رواه أبو نعيم
عن أبى أمامة.
(2)القصص: 24.
(3) فاطر: 15.
(4) الأعراف: 32.
(5) البقرة: 172...
أساس الملكية
فى الغرب الرأسمالي
ففي
المجتمع الغربى الرأسمالي يؤمن الناس بالملكية الخالصة
كقاعدة أساسية عامة ومن خلالها يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنوا ع الثروة
فى البلاد حسب نشاط كل فرد وظروف ولا يعترف أبدا بالملكية العامة إلا إذا فرضت الضرورة الاجتماعية
ذلك وأثبتت التجارب أن تأميم مرفق من المرافق أصبح علاجا لمشكلة ملحة لا يمكن
تجاهلها فتكون هذه الضرورة مبررا لتشريع يخص هذه الحالة الاستثنائية، فيناقض
الرأسماليون أنفسهم فيخرجون على هذا الأساس عن مبدأ الملكية الخاصة الذي هو أساس
فلسفتهم الاقتصادية فيستثنون بعض الثروات أو المرافق المعنية عن الملكية ا لخاصة.
أساس الملكية فى الشرق الاشتراكي
أما
فى المجتمع الاشتراكي فعلى العكس من ذلك حيث يؤمن الناس
بالملكية العامة، وهى المبدأ العام المطبق على كل أنوا ع الثروات والممتلكات، ولا يعترف الاشتراكيون أبدا بالملكية الخاصة إلا حين تضطرهم
الضرورة الاجتماعية وتثبت التجارب أن السماح بالملكية الخاصة فى
بعض أنواع الثروة أو الممتلكات أصبح علاجا لمشكلة اجتماعية ملحة فيكون ذلك مبررا
لتشريع يؤمن هذه الحالة الاستثنائية (1).
ومن
هنا أطلق العلماء اسم المجتمع الرأسمالي على كل مجتمع يرى أن الملكية الخاصة هى المبدأ ولا يعترف بالملكية
العامة أو التأ ميم إلا فى
حالات استثنائية لمعالجة ضرورة اجتماعية.
كما أطلق اسم المجتمع الاشتراكي على كل مجتمع يرى أن الملكية العامة
هى المبدأ الوحيد العام ولا يعترف
بالملكية الخاصة إلا فى حالات استثنائية لمعالجة ضرورة
اجتماعية.
(1)
ولقد انهارت الفلسفة الاشتراكية فى أكثر الدول الشيوعية
وعاد هؤلاء يقلدون الرأسماليين فى أكثر خططهم الاقتصاد ية وراجع ما يتعلق بالبيرستن تيا فى سياسة جوربا تشوف الرئيس
السوفييتي الأسبق.
نظام الملكية فى الإسلام
ومن هنا ندرك أن التجربتين الرأسمالية والاشتراكية كلتاهما ثبت خطؤهما
باعتبار أنهما النظام الوحيد. فقد اضطرت كل واحدة إلى الاعتراف بالشكل الآخر
للملكية، وهو الذي يتعارض مع الأساس العام باعتبار أنها فيها والذى
أثبت بوضوح خلى الادعاء القائل بشكل واحد للملكية فى
كلا المجتمعين فى جميع الحالات الأمر الذي سلم منه نظام
الاقتصاد فى الإسلام.
إذ
أن الإسلام لا يقول بأن أساس الملكية الخاصة هو المبدأ الوحيد أو أن الاشتراكية
القائمة على مبدأ الملكية العامة هى المبدأ الوحيد،
وكذلك نظام الاقتصاد فى الإسلام لم يكن مركبا من هاتين
النظريتين حتى يقال إنه قلدهما. وذلك لأن الإسلام فى
تشريعاته كلها يقرر أحكاما شرعها الحق ابتداء سواء نزلت قبل ذلك فى الكتب السماوية أو لم تنزل. فالاستقلالية فى التشريع الإسلامى وصف لازم له
لا ينفك عنه.
ومن هنا قرر الإسلام الأشكال المختلفة للملكية لا على أن قسما
منها هو
المبدأ
الأساسي فى الملكية، ولكن على أساس أنه قسم معتبر فى التملك، فأقر الملكية الخاصة للأفراد والملكية العامة
للجماعة وملكية الدولة وأعطاها حق التدخل فى تنظيم
السلوك الاقتصادي للأفراد والجماعات.
وخصص
الإسلام لكل شكل من هذه الأشكال للملكية ميدانا خاصا تعمل
فيه
ولا يطلق على أى شكل من هذه الأشكال اسم رأسمالية أو
اشتراكية أو نظام ممتزج مركب منهما، ولا يرى شيئا منها شذوذا عن قاعدة أساسية أو
استثناء من مبدأ وحيد من أجل الضرورة.
فإذا
عرفنا هذا فإن من الفوارق الأساسية بين الاقتصاد الإسلامى
والأشكال
المادية الأخرى غربية كانت أو شرقية مبدأ الحرية
الاقتصادية. ففي الوقت الذي يمارس فيه الأفراد حريات إباحية غير محدودة ولو أدى
ذلك إلى الإضرار بالآخرين فى ظل الاقتصاد المادي
الرأسمالي، ويصادر فيه نظام الاقتصاد المادي الاشتراكي حريات الجميع ويبيح للسلطة
حريات غير محدودة على ما فى ذلك من ظلم فادح، بين
الإسلام أن حرية الأفراد فى الاكتساب فى ظل نظم الاقتصاد الإسلامى
مضمونة ومكفولة، ولكنها محدودة ضمن القيم المعنوية والمثل والأخلاق التى وضعها الإسلام لصياغة الشخصية الإسلامية وعلى هذا فهي
حرية مهذبة (فلا ضرر ولا ضرار).
(يا عبادي آني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظلموا). فالإيمان والتقوى والصدق والإنصاف والعفة ومراقبة الحق
والإحسان والتخلق مع الناس بالخلق الحسن كلها إطارات روحية لها أثرها الفعال في
صياغة فكر المسلم وتصوره وبالتالي في تهذيب دوافعه ورغباته. وفى تطهير نفسه من
مخاطر الجشع والجمع والمنع.
ولتحقيق
ركن العدالة الاجتماعية الاقتصادية دقق الإسلام في توزيع الثروة وتفتيتها وأعطى كل
فرد حقه في العمل وفى سد الحاجة وفى إشباع ميوله الطبيعية دون تسيب كما فعلت
الرأسمالية ولذوبان الجماعة في بوتقة وحدة نظرية خيالية لا تمت إلى الواقع بصلة
حتى يسلبها من كافة حقوقها وكرامتها تحت شعار حماية الحق العام كما فعلت
الاشتراكية. فالإسلام راعى حق الفرد والجماعة وحق الدولة في توزيع الثروة وأعطى
العاملين والمحتاجين حقوقهم كاملة كل بحسبه. فقال تعالى: ( والذين في أموالهم
حق معلوم * للسائل والمحروم) (1)، وقال تعالى: ( ما أفاء الله على رسوله من
أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون
دولة بين الأغنياء منكم وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله
إن الله شديد العقاب ) (2).
ثم
أشار القرآن إلى أصحاب الحقوق في هذا المال من غير الذين شملتهم تلك الآية، فقال: (
للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلآ
من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار
والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (3).
(1)المعارج: 24- ه 2.
(2)1 لحشر:7.
(3)1 لحشر:8-9.
وأما
وصفه لورثتهم فكما جاء فى قوله تعالى: ( والذين جاءوا
من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلآ للذين أمنوا ربنا
إنك رؤوف رحيم) (1). المشكلة
الاقتصادية
كان
الماديون فى الجاهلية يعتقدون أن الموارد الطبيعية
المتوفرة فى الأرض غير كافية، نظرا لازدياد أفراد
الأسرة، فكانوا يقتلون أولادهم خشية الإنفاق، ولقد أخبرنا الله فى كتابه العزيز عما كانوا عليه من القسوة والجفاء بسبب السفه
الذى تمكن من عقولهم والضلال الذى
أفسد ضمائرهم، فقال تعالى : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما
رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) (2). وقال أيضا: ( قل
تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا
وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا
الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم
الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) (2). وقال أيضا: ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم
إن قتلهم كان خطئا كبيرا ) (4). ويقول أيضا: ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل
أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما
يفترون ) (5). ويقول أيضا: ( وإذا الموءودة سئلت *بأى
ذنب قتلت ) (6).
-----------------------
(1) الحشر: 10. (2) 1 لأنعام: 140.
(3) الأنعام: 151. (4) 1 لإسراء: 31.
(5) 1لأنعام: 137. (6) 1لتكوير: 8-9.
وفى
الصحيح عن عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ( بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا
تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم 0000 الحديث ).
اعتقد
الجاهليون اعتقادا ماديا خاطئأ بأن الموارد المعدة
للثروة فى هذه الأرض لا تستطيع أن تكفر لإشباع الحاجات
والرغبات التى تتبع التكاثر السكانى،
وهذا الاعتقاد بعينه هو السائد اليوم فى العالم الرأسمالى أو الشيوعى المادى حيثما وجد، فقد شرعوا قتل الأولاد لكن بطريقة مختلفة،
طريقة مغلفة داخل شعارات جهنمية لا يدرك خطورتها إلا من أمعن النظر فيها بهدوء.
فإذا
سألت الدعاة إلى هذه البدعة عن الأسباب والمبررات، قالوا إن ارتفاع نسبة السكان
ويسمونها الانفجار السكانى، كارثة حقيقية تهدد الكون
كله ولا سبيل إلى حلها إلا بتحديد النسل.
ومن
هنا صارت المشكلة الاقتصادية فى نظرهم هى أن الموارد الطبيعية
غبى قادرة على مواكبة التوسع العمرانى
أو التضخم السكانى، لأن هذه الموارد فى حد ذاتها محدودة وعاجزة عن إشباع وكفاية جميع ما يتجدد من
حاجات ورغبات خلال النمؤ السكانى
والتقدم الحضارى الذى يزيد
الحياة تعقيدا وتركيبا، فضلا عما يضيفه اعتماد الإنسان على الآلة من تعطيل لطاقاته
وقدراته من متاعب ومخاطر.
والآن
يواجه المواليد حربا لا هوادة فيها فى أكثر البلدان،
بناء على هذا الاعتقاد الوهمى الخاطئ، والعالم الشيوعى الاشتراكى يتفق مع هؤلاء فى اعتقادهم وإن اختلفوا معهم فى
التعليل فزعموا أن المشكلة الاقتصادية قائمة، ولكن السبب فيها يرجع إلى التناقض
بين الإنتاج السائد وعلاقات التوزيع يعتقدون أنه متى تم التنسيق بين تلك الأشكال
وهذه العلاقات ذهبت تلك المشكلة ونعمت الإنسانية بالاستقرار فى
حياتها الاقتصادية. والإسلام لا ينفى أن تكون هناك مشكلة
اقتصادية تهدد العالم بالفعل،
لكنه
لا يشاطر الرأسماليين ولا الاشتراكيين اعتقادهم بأن سبب المشكلة هو التضخم السكانى أو الانفجار السكانى، كما
يسميه البعض، أو مجرد التناقض بين أنماط الإنتاج وعلاقات التوزيع ولا دعوى محدودية
الموارد الطبيعية، بل إن المشكلة الكبرى تتمثل فى أن
الإنسان سار وراء خطط
تنمية
مبنية على الجهل والظلم وكفران نعمة الخالق. وباختصار أن المشكلة الاقتصادية سببها
الملموس هو المادية التى تقطع صلة الإنسان بخالقه وتدفع
به أن يسير وراء تناقضات لا يملك لها حلولا مقنعة.
فالموارد
الطبيعية قادرة على إشباع جميع الاحتياجات والرغبات وهى
تزداد
وتتمدد باستمرار وكل ما يستجد للإنسان من تقدم حضارى
فهو مسبوق بتخطيط حكيم ينظمه ويوجهه، فلو عتل الإنسان عن رب هذا لاستراح. قال
تعالى: ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن
منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " (1).
وقال
أيضا:( قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين 8 وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى
إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو
كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سموات فى يومين
وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح
وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم " (2).
وقال
أيضا:( الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء
ماء فأخرج ب من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى
البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الليل والقمر دائبين وسخر لكم الليل
والنهار * رأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان
لظلوم كفار) (3).
وقال
أيضا: ( وهو الذى مذ الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى
الليل النهار إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفى الأرض
قطع متجاورات
----------------------------------
(1) الأحزاب: 72. (2) فصلت: 9-12.
(3) إبراهيم: 32-34.
وجنات
من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل إن فى ذلك لآيات لقوم
يعقلون) (1).
ومن
هنا يؤكد الإسلام على أن الموارد الطبيعية غير محدودة، كيف وقد بارك الحق فيها،
واسمع إلى هذه الحقائق فى سورة الحجر، والدقة المتناهية فى عرضها
وتقديمها: أ و الأرض مددناها وألقينا فيها رواسى
وأنبتنا فيها من كل شئ موزون * وجعلنا لكم فيها معايش
ومن لستم له برازقين 8 وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما
ننزله إلا بقدر معلوم 8 وأرسلنا الرياح لواقع فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه . وما أنتم له بخازنين * وإنا لنحن نحيى ونميت
ونحن الوارثون * ولقد علمنا المتقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين
) (2).
لقد
تضمنت هذه الآيات كل ما أشرنا إليه من حقائق ثابتة غير قابلة لأى
نقاش. فلا مكان للصدفة فى هذا الكون ولا مجال للغلط
إطلاقا وكل شئ فيه محسوب.
أما
تهمة الطبيعة بمحدودية مواردها فهى تهمة باطلة، ولا
أساس لها من الصحة إطلاقا، وإنما نتعرض كثيرا للمشاكل الاقتصادية حين نبتعد عن
منهج الحق القاضى بالعمل الدائب من أجل زيادة الإنتاج،
قال تعالى: أ فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) (3). أو حين نبتعد عن منهجه تعالى
القاضى بالعدل فى الإنفاق
بسبب المنع الذى هو ضد الشكر أو بالإسراف الذى هو تعذ وسفه كما قال تعالى:( يا بنى
أدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل
من حرم زينة الله الى أخرج لعباد. والطيبات من الرزق قل
هى للذين أمنوا فى الحياة
الدنيا خالصا يوم القيامة كذلك ننصل الآيات لقوم يعلمون
) (4).
-------------------------------
(1) الرعد: 3-4. (2) الحجر: 9 ا-24.
(3) الشرع :7-8.
(4) 1 لأعراف: 31-32.
وحين نميل إلى الراحة ونترك الكسب والعمل من إنتاج الكفاية
وما
تقضى به الضرورة، فإننا نكون ظلمنا أنفسنا، فإذا عاقبنا
الله بشح الموارد أو بزعزعة الأمن والاستقرار بكثرة السرقات أو امتلاء الشوارع بالشحاتين والمتسولين فلا يقع اللوم إلا علينا، وفى مثل هذه
الحال ينبغى أن نبحث عن العلاج الحاسم لهذه الأمراض
الخطيرة.
فإن
تعطيل الطاقات التى زود بها
الحق تعالى العباد عن وظيفتها التى خلقت من أجلها فى العمل والإنتاج من أجل صنع مجتمع سعيد والنزوع إلى الراحة
والدعة والبطالة أو إمضاء الوقت فى حياة اللهو والمجون،
فوق كونه كفرا لهذه النعم الجليلة يعد من الأسباب المباشرة لاختلال نظام التوازن
والتكافل، وينتج عن هذا اضطراب أمن الأسرة واستقرار حياتها الاقتصادية فتنتشر
الأحقاد والكراهيات وتشيع العداوات، والخصومات بين
أفراد المجتمع كله.
وتفاديا
لهذه الكوارث، دعا الإسلام إلى العمل، ووجه الرسول الكريم بصفته المرشد المرجه للأمة، وبوصفه السلطة المشرعة، القادرين على العمل
وأرشدهم إلى أحسن طرقه، ولم يستثن الإسلام من القادرين أحدا عن العمل ابتداء من
أعلى سلطة فيه إلى أدنى سلطة، كما أن العمل يشمل جميع الأنشطة التى
تخدم مصلحة عامة أو خاصة فى المجتمع، كما جاء فى الحديث:( الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ).
متى يجوز السؤال
ففى الحديث عن أبى هريرة رضى الله عنه،
قال: قال رسول الله !: أليس المسكين الذى ترد. التمرة
والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذى يتعفف، اقرأوا إن شئتم: إلا
يسألون الناس إلحافا " (1) . وفى لفظ: أ ليس المسكين الذى
يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له
فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) (2).
----------------------------
(1)(البقرة:273
. (2) رواه البخارى ومسلم
وأحمد فى ا لمسند.
وعندما
جاء رجل من الأنصار إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يسأله، أرشده إلى أفضل وسائل التملك أعنى
العمل، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه: أن رجلا من
الأنصار أتى النبى صلى الله عليه وسلم له يسأله، فقال: أ ما فى
بيتك شئ قال: بلى، حلس نلبس
بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء. قال: إنتنى بهما، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من يشترى هذين. قال رجل: أنا أخذهما
بدرهم، قال: من يزيد مرتين أو ثلاثا، قال رجل: أنا أخذهما بدرهمين، وأعطاهما الأنصارى وقال: اشتر بأحدهما هما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر
بالأحرف فأتنى به، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده، ثم قال
له: اذهب فاحتطب وبع ولا آرينك خمسة عشر يوما فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء
وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا خير لك من أن تجئ المسألة نكتة فى وجهك
يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذى فقر
مدقع أو لذى غرم مفظع أو لذى دم نوجع ) (1).
ومبررات
السؤال كما أوضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم
، إما الفقر المدقع أو غرامة فظيعة تصيب المرء فى
ماله.
وبناء على هذه الأحاديث يجب أن يعتقد المسلم الكامل الإيمان أن قول
الله تعالى:( يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون
تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيم) (2). وقوله تعالى: ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم
تعلمون ) (3). شاملة لأكثر الأساليب التى يتبعها أغلب
(1)
--------------------------------------
(1)
رواه أبو داو وفى مسند الإمام أحمد: (المذلة لا تحل إلا لثلاثة لذى فقر مدقع................ الحديث.
(2)النساء: 29.
(3) البقرة: 188.
العاطلين
فى انتزاع أموال إخوانهم، إما بالمخادعة والمخاتلة،
وإما بالإلحاف الذى يعد من أبرز صفات الطفيليين، الذين
يضايقون الأسر والعائلات ويلقون بأثقالهم وأعبائهم على غيرهم.
فإن
الإسلام كما لا يخفى فرض على المسلمين أن لا يأكلوا إلا حلالا مباحا، واعتبر العمل
هو الوسيلة إلى امتلاك الحلال، وإنما اعتبر الحاجة وأولى أصحابها اهتماما خاصا فقط
لضمان التوازن فى المجتمع وإلا فقد صح فى الحديث: ( أن المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف، وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) (1).
وفى
الختام، ندعو الجميع إلى الاستسلام لأحكام الله وتحكيم نظامه العادل فى القضايا كلها، وإلى الرجوع إلى القرآن وإلى سنة الرسول صلى
الله عليه وسلم
الضمان الاجتماعي
تحدثنا
كثيرا عن التكافل والتضامن فى الإسلام، وقلنا مرارا إن
حل مشكلة الفقراء والمعوزين والقضاء على شبح الخوف من عواقب ارتفا
ع نسبة سكان الأرض يمكن فى تطبيق قواعد الضمان الاجتماعي على أوسع نطاق ليشمل تعميم التأ مينات الاجتماعية وتحقيق أصل
التكافل الاجتماعي ولا شك أن سياسة جمع الثروة وتوزيعها فى
الإسلام كفيلة بتحقيق هذه ا لأهد اف.
إن الإسلام يعتبر أفراد مجتمعه الذين تجمع بينهم العقيدة أسرة
واحدة، فرض عليهم واجب التعاون على البر والتقوى، ورسم لهم سنة التكافل بين جميع
طبقات المجتمع بالتعاون على البر والخير والإحسان. فقال
تعالى:( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله
إن الله شديد العقاب) (2). وقال أيضا:( وهو الذى
جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما أتاكم إن ربك سريع
العقاب وإنه لغفور رحيم) (3).
العاطلين
فى انتزاع أموال إخوانهم، إما بالمخادعة والمخاتلة،
وإما بالإلحاف الذى يعد من أبرز صفات الطفيليين، الذين
يضايقون الأسر والعائلات ويلقون بأثقالهم وأعبائهم على غيرهم.
فإن
الإسلام كما لا يخفى فرض على المسلمين أن لا يأكلوا إلا حلالا مباحا، واعتبر العمل
هو الوسيلة إلى امتلاك الحلال، وإنما اعتبر الحاجة وأولى أصحابها اهتماما خاصا فقط
لضمان التوازن فى المجتمع وإلا فقد صح فى الحديث: ( أن المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف، وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) (1).
وفى
الختام، ندعو الجميع إلى الاستسلام لأحكام الله وتحكيم نظامه العادل فى القضايا كلها، وإلى الرجوع إلى القرآن وإلى سنة الرسول صلى
الله عليه وسلم
الضمان الاجتماعي
تحدثنا
كثيرا عن التكافل والتضامن فى الإسلام، وقلنا مرارا إن
حل مشكلة الفقراء والمعوزين والقضاء على شبح الخوف من عواقب ارتفا
ع نسبة سكان الأرض يمكن فى تطبيق قواعد الضمان الاجتماعي على أوسع نطاق ليشمل تعميم
التأمينات الاجتماعية وتحقيق أصل التكافل الاجتماعي ولا شك أن سياسة جمع الثروة
وتوزيعها فى الإسلام كفيلة بتحقيق هذه ا لأهداف.
إن الإسلام يعتبر أفراد مجتمعه الذين تجمع بينهم العقيدة أسرة
واحدة، فرض عليهم واجب التعاون على البر والتقوى، ورسم لهم سنة التكافل بين جميع
طبقات المجتمع بالتعاون على البر والخير والإحسان. فقال
تعالى:( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله
إن الله شديد العقاب) (2). وقال أيضا:( وهو الذى
جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما أتاكم إن ربك سريع
العقاب وإنه لغفور رحيم) (3).
من صور الضمان
الاجتماعي فى عهد عمر رضى
الله عنه كان سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه أول من
دون الدواوين وعمم العطاء ابتداء من سنة عشرين للهجرة، عندما زادت أموال بيت المال
وتضخمت الإيرادات، فقام بإحصاء شامل لجميع المسلمين، ثم قام بترتيبهم بحسب
منازلهم، فبدأ بأقارب رسول الله صلى الله علية و سلم وأهل بيته ثم سائر بنى هاشم ثم أقرب المسلمين إليهم، فإذا تساووا فى درجة القرابة قدم عليهم أهل السابقة من المهاجرين ثم بيوتات الأنصار، وسار رضى الله عنه
على هذه السيرة فى جميع أصقاع الدولة الإسلامية إذ أمر
عماله بتقسيم المال فى أهل كل إقليم ومصر.
وبذلك
شمل الإسلام جميع أفراد المجتمع بالعطاء، وفر الإسلام الأرضية الصلبة للأمن
والاستقرار الاجتماعيين، لأن التكافل العام يضمن الحد الأدنى من المعيشة للمواطن،
بينما يضمن بيت المال مستوى أعلى وأرفع أو يكفل سد الحاجات وإشبا
ع الرغبات بصفة أكبر، وبما أنه من واجبات الدولة تحقيق هذه الأهداف كلها فإن عليها
أن تضع المشاريع الكفيلة بإنجاز هذه الأمور، وأول ذلك حمل أفراد المجتمع وإلزامهم
بامتثال مأمورات الشريعة واجتناب منهياتها، فما لم يطبق المسلمون أحكام الإسلام
على أنفسهم فإن شيئا من تلك الأهداف لن يتحقق، ويجب أن نستبعد جدوى الجهود الفردية
أو أنشطة الدعاة والوعاظ الذين لا يعدو دورهم إذا انفرد عن دور الهواة، والالتزام
بالدين يجب أن يكون هو أساس سياسة الدولة وليس هواية أفر اد.
لذا
يجب على الدولة أن تحافظ على وظيفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن تهتم
بوظيفة الوعظ والإرشاد إلى جانب مكتب الحسبة، لإيقاظ الضمير وحث العامة على الصالح
العام، وبذ لك يمكن تحقيق
هذه الأهداف المشار إليها، وهذا أمر يعسر تحقيقه فى ظل
الحكومات الشيوعية أو ا لرأسما لية.
لذا
فإن العودة إلى ظل شريعة الإسلام شرط أساسي ولا بديل له فى
تحقيق حياة التكافل والتضامن والتراحم بين الناس، وعندما يشمل الإسلام أفراد
المجتمع كله بعطائه لا يستثنى المستحقين حتى من غير المسلمين منهم، ونعنى بهم أهل
الذمة.
قصة الديوان فى عهد عمر رضى الله عنه
قال
الإمام الماوردى: وأول من وضع الديوان فى الإسلام عمر بن الخطاب رضى الله
عنه.
واختلف
الناس فى سبب وضعه له، فقال قوم سببه أن أبا هريرة قدم
عليه بمال من البحرين، فقال له عمر ماذا جئت به؟
فقال خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر، فقال له أتدرى ما
تقول؟ قال: نعم مائة ألف خمس مرات، فقال عمر أطيب هو؟
فقال: لا أدرى، فصعد عمر المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد
جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا وإن شئتم عددنا لكم عدا. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قل رأيت الأعاجم يدونون
ديوانا لهم فدون أنت لنا ديوانا.
وقال
آخرون: بل سببه أن عمر بعث بعثا وكان عنده الهرمزان،
فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف منهم رجل وآخر بمكانه فمن أين
يعلم صاحبك به، فأثبت لهم ديوانا. فسأله عن الد يوان حتى فسره لهم. وروى عابد
بن يحيى عن الحارث بن نفيل أن عمر رضى
الله عنه استشار المسلمين فى تدوين الديوان فقال له على
بن أبى طالب رضى الله عنه: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك
من المال، ولا تمسك منه شيئا.
فلما
استقر ترتيب الناس فى الدواوين على قدر النسب المتصل
برسول
الله
صلى الله علية و سلم فضل بينهم فى العطاء على قدر
السابقة فى الإسلام والقربى من رسول الله صلى الله علية
و سلم، وكان أبو بكر رضى الله عنه يرى التسوية بينهم فى العطاء ولا يرى التفضيل بالسابقة، كذلك كان رأى على رضى الله عنه فى خلافته وبه أخذ الشافعى ومالك. وكان رأى
عمر رضى الله عنه التفضيل بالسابقة فى
الإسلام وكذلك كان رأى عثمان رضى الله عنه بعده، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق.
وقد نظر عمر أبا بكر حين سوى بين الناس فقال أتسوى بين من هاجر
الهجرتين وصلى القبلتين وبين من أسلم عام الفتح خوف السيف؟ فقال
له أبو بكر إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ للراكب. فقال له عمر لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله علية و سلم
كمن قاتل معه. فلما وضع الديوان فضل بالسابقة ففرض لكل من شهد بدرا من المهاجرين
الأولين خمسة آلاف درهم فى كل سنة. منهم على بن أبى
طالب وعثمان بن عفان
وطلحة
بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضى
الله عنهم. وفرض لنفسه معهم خمسة آلاف درهم والحق به
العباس بن عبد المطلب والحسن والحسين رضوان الله عليهم لمكانتهم من رسول الله صلى
الله علية و سلم. وقيل بل فضل العباس وفرض له سبعة آلاف درهم، وفرض لكل من شهد بدا
من الأنصار أربعة آلاف درهم، ولم يفضل على أهل بدر أحدا إلا أزواج رسول الله صلى
الله علية و سلم، فإنه فرض لكل واحد ة منهن عشرة آلاف درهم إلا عائشة فإنه فرض لها
اثنى عشر ألف درهم، وألحق بهن
جويرية بنت الحارث وصفية بنت حيى، وقيل بل فرض لكل
واحدة منهن ستة آلاف درهم، وفرض لكل من هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم ولمن أسلم
بعد الفتح ألفى درهم لكل رجل، وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار
كفرائض مسلمى الفتح.
مفتاح السعادة والحياة
الطيبة
إن
الله تبارك وتعالى خلق الإنسان للعبادة بالمعرفة الحقيقية، وسخر له
ما
فى السموات وما فى الأرض
جميعا منه، وكلما تحقق الإيمان والتقوى فى شعب من
الشعوب هيأ الله لذلك الشعب كل أسباب السعادة والرخاء ومتعه بخيرات السموات
والأرض، يقول تعالى: (ولو أن أهل القرى
أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا
يكسبون) (1). فأثبتت هذه الآية مدى بركة الإيمان والتقوى، وأنه بتحققهما تنفتح
بركات السماء والأرض كما هو ظاهر.
وقال
أيضا: ( ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم
تعلمون * ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين
صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون* من
عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (2).
(1)
1 لأعراف: 96.
(2) 1 لنحل:
95-97..
وبالتدقيق
فى هذه الآيات يتضح لنا أن مفتاح الرقى والتقدم لجميع
الشعوب والأمم هو الإيمان والتقوى حين يمتزج نورهما بالروح والجسد ويصبغ القلب
بصبغة الجد والعمل والنشاط والصدق فى المعاملة والإخلاص
لله وللناس وللوطن، وإن ما يصيب الأمم من نضوب فى بعض
الموارد وشح فى بعض الضروريات سببه الكفر وعدم الالتزام
بالمنهج الرباني، والإعراض عن شكر الله.
وهكذا
وضع الإسلام أساس حل مشكلة التزايد السكاني، فالحل يكمن فى
الرجوع إلى الله، والأخذ بأسباب التنمية الحديثة والاعتدال فى
الصرف والتوزيع، فإذا توفرت دعائم العدل والقوة والتنمية الاقتصادية والثقافية
والاجتماعية فى ظل الوحدة الشاملة تحقق لنا الأمن
القومي وانحلت مشكلتنا الكبرى، والله الموفق.
الخاتمة
إن
ازدهار أي أمة أو أية دولة فى العصر الحديث مرهون
بنجاحها فى خططها التنموية التى
تضمن لها أمنا قويا شاملا، خاصة فى ظل النظام العالمي
الجل يد، الذى جعل القوة الاقتصادية هى المحور الذى تدور عليه السياسة
الدولية وتحتكم إليه جميع العلاقات بين الدول. فأصبح من الضروري التركيز على جانب
القوة العسكرية وإزالة جميع أسباب الفرقة بين أبناء الأمة، وبالتالي بين جميع شعوب
البلدان الإسلامية أفرادا وجماعات، ومن أقرب السبل إلى تحقيق هذه الأهداف العمل
الجاد من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية فى كافة
المجالات.
ويجب
على الدول الإسلامية أن تعمل من أجل التأكيد على النجاح فى
عدد
من الأمور التى أشرنا إليها.
أولا: العمل وزيادة الإنتاج من أجل تحقيق برنامج تنموي فى الاقتصاد والثقافة والاجتماع.
ثانيا: تصميم الدولة على نشر مبدأ العدالة فى
جميع بنودها السياسية، وهذا يساعد كثيرا فى تحقيق
الوحدة والترابط بين أفراد الأمة.
ثالثا: الاعتناء التام بتنمية القدرات العسكرية، بإدخال النظم
التكنولوجية الحديثة، والعمل من أجل كسر احتكار القوى العظمى للتفوق العسكري، ورفض
الحصار الذى تفرضه على الأمم والشعوب، لتبقى فى المرتبة ا لثانية،عسكريا واقتصاديا، وحتى ثقافيا.
رابعا: العمل من أجل ربط الشعوب بقياداتها ونظمها، وإلقاء كافة
الأمور التى تبعد الشعوب عن النظام والقيادة الوطنية،
حتى يتحقق انتماء القادة إلى شعوبهم، ويقنعوهم بأنهم يمثلون وحدة متكاملة من
القاعدة إلى القمة، فقد وحدت بينهم المصلحة الوطنية والأهداف المشتركة من أجل
إرساء دعائم أمن قومي راسخ يقوم على أساس تنمية شاملة، وعدالة اجتماعية شاملة،
وقوة عسكرية رادعة، ووحدة قومية منظمة لكافة نشاطات الأفراد والجماعات، لضمان
السعادة والاستقرار، والحرية والازدهار، فى أمة قوية
تفخر بها الأجيال القادمة- جيلا بعد جيل-.