الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الثاني عشر :الإسلام ومتغيرات العصر
 
الفكر الإسلامى

حالة العالم الإسلامى

وجدوى وضع سياسة متكاملة للتنمية التكنولوجية

أ. د. إبراهيم بدران

رئيس أكاديمية البحث العلمى الأسبق- مصر

تقديم:

أولاً.. تعريف:

حلقة العلم والبحث العلمى والتطوير التكنولوجى المنتهى إلى التقدم.. قضية برزت فى القرن العشرين وتأكدت قيمتها بعد الحرب العالمية الثانية.. ونبدأ بتعريفين اعتبرهما بداية للحوار فى حتمية الاندفاع فى هذا المجال فى عالمنا الإسلامى.

أولهما: من المعترف به اليوم أن العلم فى العصر الحديث هو كل نشاط معرفى باحث عن الحقيقة يزود الفرد بطاقة توسع المدارك حتى يعرف بيئته واحتياجاتها ويزود المجتمع بأدوات يعبر بها عن هويته ومصالحه ويستغل كل ذلك بالفكر والبحث والتجربة فيحولها إلى وسيلة وفائدة ونعمة تحقق أهداف الأمة من خلال إنتاج وخدمات مختلفة تحقق له الأمن والرفاهية. من هنا كان تعريف الإنسان الحامل للمعرفة.

ثانيهما: إن الإنسان يُعرف اليوم على أنه القوة الكامنة القادرة على إحداث التطور بالعلم والفعل والثقافة والعمل وهو يعتبر اليوم وحدة اقتصادية منتجة.

ثانيا.. نظرة إلى حالة بعض الدول الإسلامية فى العالم عامة والعربى خاصة:

قضية التفاوتات العالمية:World Discrepancies

تلك قضية حاسمة لمستقبل البشرية، إذ أن 85% من القدرة العالمية فى العلوم والهندسة تقع فى العالم الصناعى المتقدم الذى يمثل أقل من 20% من تعداد سكان العالم، وأن 95% من تمويل التقدم العلمى والتطوير التكنولوجى تقبع فى ذلك العالم، وأن التقدم الذى أُحرز فى العالم نتج عن نشاط ما لا يزيد عن 5% من البحاث على مستوى العالم، وفى نفس الوقت فإن 80% من سكان الأرض اليوم يعيشون فى العالم النامى.. والمسلمون يمثلون ربعهم.. ينتجون من متطلبات التقدم أقل القليل ويعيش الكثير منهم على استهلاك الوسائل والمنتجات النابعة من العقول المتقدمة وقد حسب أن 90% من سكان العالم النامى- ونحن منهم- يتمتعون ب10% من الإنفاق الصحى عالمياً والباقى ( 10%) يتمتعون ب 90% من ذلك الإنفاق.. والخطر هنا أن الكثير منهم يستهلكون ولا ينتجون.. وينبهرون ولا يتنبهون.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثا.. حقائق عربية وإسلامية:

لقد كانت ريادة العالم منذ  مالا يزيد عن قرنين أو ثلاثة فى أيدى المسلمين وكان العالم الغربي مازال فى ظلام الجهل والفقر، ولكن كان تفكك المسلمين والعرب خاصة السبيل الأساسى لتدهور الأحوال وانتقال الريادة إلى الدول الغربية، واستمرت الحالة مع استمرار التفكك والتباعد بين الدول الإسلامية. واليوم فقد حدثت تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية بعد ثورة مصر فى بداية النصف الثانى من القرن العشرين، بعدها استقلت معظم الدول العربية والأفريقية وأضيف أكثر من ثلاثة تريليون دولار إلى التكوين الرأسمالى العربى بعد نصر أكتوبر 1973م.. ولكن الكثير من الأموال استنزف ومازال يستنزف خاصة بعد حرب العراق وإيران وبعد اعتداء العراق على الكويت.. ولقد أضيفت  أخيراً قدرات متقدمة ومصادر شاسعة للعالم الإسلامى فى مجموعة من الدول المتقدمة التى تلاحق التقدم بعد انحسار الاتحاد السوفيتى فى أواخر القرن الماضى وفيها الكثير من القدرات العلمية ومازال الكثير من المصادر فيها قيد الاكتشاف.

إن توزيع الثروة على العالم الإسلامى عامة والعربى خاصة ليس فيه تناسب رغم أنها أمة واحدة..! لغاتها إما متقاربة أو واحدة وإيمانها وماضيها ومستقبلها واحد.. وسكان الأمة الإسلامية فى تزايد مستمر، ويمثلون الآن حوالى خمس سكان العالم حوالى 1200 مليون ويتزايدون، وقد كان سكان العالم العربى عام   1948 م  50 مليوناً وينتظر أن يصل تعدادهم فى أوائل القرن الواحد والعشرين حوالى 300 مليون، وينتظر أن يستقر التعداد عند 700 مليون سنة 2035 (زحلان).

والسمة الحاكمة للنمط الديموغرافى فى عالمنا الإسلامى والعربى يتميز بالزيادة فى نسبة صغار السن تحت 24 سنة (أكثر من 60%) وهم فى غالبيتهم من غير الملتحقين بالقوة المنتجة إضافة إلى نقص الاستفادة من نسبة النساء تلك التى تمثل نصف المجتمع.. من هنا كانت نسبة العمالة متدنية (حيث أن القوى المنتجة لا تزيد عن 20% من مجموع السكان رغم أن الباقى قوة كامنة مهملة يمكن الاستفادة منها ).

أما الحالة السياسية فمحزنة: ففى فلسطين قهر واحتلال، وفى الجزائر والسودان قلاقل وانشقاق، والعراق وليبيا عقوبات وضغوط، والخليج قلق واستنزاف، وباكستان وإندونيسيا ضغوط وتحديات، وتركيا وإيران تذبذب فى الرؤى. أما الدول الأفريقية المسلمة فحالها مخزى، حروب طاحنة وضحايا وضياع للأرواح والأصول، تحت تأثير الجهالة والوقيعة والقبلية التى تمحو شعوباً من جذورها مع أن القرآن يدعو للتكامل حيث قال الله تعالى -

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) سورة آل عمران آية 103 ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومع كل ذلك فإن هناك أملأ يعقد على تطور التعليم الذى يتزايد عددا الآن.. فقد كان فى العالم العربى وحده مثلا سنة  1950م (10 جامعات) واليوم أصبحوا (175 جامعة) منها (45 جامعة) خاصة.. يعمل فيها، وفى مراكز البحوث أكثر من 80 ألف أستاذ وباحث مؤهل وتخرج منها أكثر من مليون مهندس ومثلهم من خريجى العلوم والزراعة والطب.. لكن مستوى تلك الجامعات ومراكز البحوث ... ومستوى الخريج، ومستوى الإفادة منهم قضية تحتاج للتحليل والتمحيص وإعادة النظر فى زمن أصبح البقاء قضية محسومة لصالح جودة التعليم والخريج وإنجازات البحث العلمى.

رابعا.. من هنا فإن الحالة تقتضى وقفة لإحداث نهضة تعليمية تكنولوجية مشتركة وموجهة:

1- أهمية التأكيد على جدوى سرعة العمل على هذا الإنجاز لأننا لا نملك تزف ضياع الفرصة.

2- وأننا لابد من الالتجاء إلى طرق غير تقليدية لإحداث التغيير والوقت أصبح أغلى من أن يفرط فيه.

3- وأن التحدى الحضارى الذى يواجه العالم الإسلامى يجعل الدعوة للتقدم حتمية للحفاظ  على مقدساتنا وهويتنا.

4- إن الالتزام النابع من إحساس القيادات السياسية بجدوى العمل الجموعى المتطور هو السبيل لإحداث طفرة تنموية محسوبة ومبرمجة لمواجهة التحديات فى عالم اليوم. وهى السبيل الوحيد ليكون لنا وللأجيال القادمة الحق فى الحياة فى غابة التقدم التى لا رحمة فيها للضعيف أو المتخلف..

تلك شريعة الغابة التى أكدها "دارون " فى نظريته أن الطبيعة كفيلة بالخلاص من غير القادر والضعيف.

مقدمة :

المتغيرات العالمية المنظورة بعد الحرب العالمية الثانية والحاكمة لمستقبل البشرية تتمثل فى: الصراع الحضارى- النظام الاقتصادى العالمى الجديد، إضافة إلى تحديات العصر الذى نعيشه والتى من أجلها أنجزت أجندة القرن الواحد والعشرين وظهرت قضايا الجات والعولمه ودراسات المستقبل.

نظرة تاريخية فى عجالة سريعة:

عند ما انتهت مرحلة الصراعات العقائدية مع نهاية العصور الوسطى تحول الصراع إلى التنافس بين الأقوياء فى غزو المناطق غزيرة المصادر للتحكم فيها. عندها دخل العالم مرحلة الاستعمار العسكرى للبلاد المتخلفة، قضية أوصلت من يسمون اليوم بالمتقدمين إلى ما هم فيه من يُسر، ذلك باستغلال ثروات المناطق المحتلة. هناك بدأت الحروب بين المتنافسين المعتمدة على التفوق العلمى، وفيها انطلقت الثورات الصناعية المتتالية التى تطورت نتيجة لسرعة تقدم المعارف. واستمرت المتغيرات حتى وصلت إلى الثورة الصناعية الثالثة التى اتخذت أصولها من العلوم المتقدمة من الكهرباء إلى الإلكترونيات التى انتهت إلى ثورة المعلومات، وكذلك علوم الوراثة التى نقلت العالم إلى الهندسية الوراثية وإنتاج الغذاء الوفير، وعلوم الفضاء وثورة الاتصالات المنتهية إلى تحكم الإعلام فى مستقبل الشعوب وثورة الاستهلاك التى تجتاح عالم اليوم. كل ذلك بالإضافة إلى ما استحدث من مواد ومصادر للطاقة واستعمالات الليزر التى انتهت إلى ثورة الوقت من خلال ما يسمى بالفامتو ثانية التى لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى ما سوف تنتهى إليه عند رصد ظواهر انقسام الخلايا وتحركات الذرة واستغلالها.. من هنا فإن الراصد للتطور الحضاري يرى أن البشرية قد مرت بثلاث مراحل متتالية منذ فجر التاريخ:

أولها الثورة الزراعية المتمركزة حول الأنهار والأمطار والتى وصفت بأنها ثورة الزراع واقتصاديها peasant centered economy

ثانيها الثورة المرتبطة بالتطور الصناعى الذى بدأ فى منتصف القرن الثامن عشر ومازال مستمراً حتى اليوم والتى سميت factory based wealth production

ثالثها الثورة التكنولوجية الثالثة التى أحدثت المتغيرات التى نلمسها اليوم والتى تفجرت بعد الثورة الإلكترونية وتأثيرها فى كافة الآفاق ومنها ولد الكثير من العلوم الحديثة

the grey mater revolution

كل ذلك انتهى إلى تصنيف جديد للشعوب إلى ثلاثة مستويات.

1- دول الريادة: صناع التقدم والتطوير التكنولوجى.

2- دول التلاحق التكنولوجى التى نقلت خبرات التفوق بدءاً بالتعليم المجود والبحث المتفوق والتى مازالت تعتريها عقبات وتحديات.

3- دول الغيبوبة والتخلف التكنولوجى: تلك التى توقفت وانبهرت بالتقدم ولم تحاكيه وغرقت فى بحور الاستهلاك.

ولنا أن نحدد موقعنا من هذا التصنيف.

بعد تلك المرحلة ظهر النظام الاقتصادى العالمى الجديد (الذى أعلن عن قيامه فى مايو سنة 1974م) الداعى نظريا إلى تنمية اقتصادية واجتماعية لجميع شعوب العالم، مع تكامل وتعاون وتقارب بينهم لتضييق الفجوة بين  المتقدمين والمتخلفين وتقليل الفوارق بين الدول المختلفة وبين الطبقات فى كل دولة. كان ذلك النظام أملاً فى حسم الصراعات التى تحدت بين الدول والقبائل والفئات، مع آمال دعم الديمقراطية والعدل والسلام فى العالم. لكنه رغم مرور أكثر من 25 سنة على ذلك الإعلان فإنه مازالت هناك مفارقات وفجوات بين الشعوب لم يحسم الصراع حولها.

لقد تأكد اليوم أنه رغم الثورات العلمية والتكنولوجية المتتابعة زادت المخاطر التى تعرض لها العالم، الأمر الذى تأكد فى تقارير رصد المتغيرات العالمية التى تصدرها جامعة هارفارد (world watch report)، والتى تقول إنه منذ يوم الأرض سنة 1970 م فقد العالم 200 مليون هكتار من الغطاء الشجري واتسعت ظاهرة التصحر بنحو 120 مليون هكتار وكذلك فقدت المساحة المزروعة اكثر من 480 مليون طن من التربة السطحية القابلة للزراعة وفى نفس الوقت أضيف حوالى 2000 مليون إنسان لسكان الكرة الأرضية حتى أصبح التعداد 6 مليار اليوم سوف يتزايدون بإذن الله كل 15 سنة معظمهم فى العالم النامى والفقير. وذلك إن لم يحدث مايغير الحسابات البشرية.

تحديات العصر الذى نعيشه وانعكاس ذلك على العالم الإسلامى:

ا- انفجار سكانى (خاصة فى العالم النامى) مع ضغط اقتصادى وتخلف تعليمى وتكنولوجى مع هجرة من الريف إلى الحضر، وزيادة فى البطالة والحياة فى عشوائيات مع تدهور حضارى ينتهى إلى حروب طائفية وقبلية وقلق.

2- تغير النمط السكانى وزيادة نسبة السكان غير المنتجين (أى المعالين) سواء.. بزيادة شريحة المسنين (فوق 60- 65 سنة) فى العالم المتقدم.. أما فى العالم النامى.. فتزداد شريحة صغار السن (غير المنتجة من.- 24 سنة) تلك تمثل أكثر من 60% من مجموع السكان.

3- انفجار معرفى غير مسبوق وتطور علمى وتكنولوجى فى العالم المتقدم غير مستويات الحياة ومجالات العمل وقدرة الإنسان على إحداث التغيير.

4- ظاهرة القرية العالمية أو الكونية تحت تأثير متغيرات محددة:

انكماش المسافات لسرعة المواصلات.

سرعة الاتصالات والتواصل بين الشعوب والمؤسسات.

زيادة حجم التجارة العالمية التى تعدت المليار طن يوميا.

زيادة انتقال الأفراد والسياحة العالمية التى تعدت 2 مليار مسافر فى العام.

5- التطور المذهل فى وسائل الإعلام واجتياح الأجواء والحواجز عبر الفضاء وتأثير ذلك على الثوابت والسلوك وأنماط الحياة والاستهلاك وحتى أثر فى العقيدة.

6- اختلاط الحضارات والثقافات مما تسبب فى شحوب الهوية والتعصب القومى وتذبذب الإحساس بالوطن مما يسّر بل شجع سبل الهجرة والانتقال حيث الرزق مما زاد فى شحوب الهوية.

7- التوجه إلى التكتلات والتجمعات والشراكات الاقتصادية والسياسية فى العالم المتقدم خاصة (حيث أن 80% من الشعوب دخلت فى تجمعات) وظهر تأثير تلك المؤسسات العالمية فى التوجه الاقتصادي للدول النامية الذى صاحب الغزو الاقتصادى والسلعى بقوة المؤسسات عابرة القارات مما تسبب فى الالتجاء إلى زيادة الديون.

8- تطورات علمية تكنولوجية أثرت فى مجالات الإنتاج سواء فى الزراعة أو الصناعة أو الخدمات انتهت إلى ظهور أنواع جديدة من مجالات الإنتاج والاستثمار فى الخدمات.

9- ظهور النظام الاقتصادى الجديد.

10- ظهور اتفاقية التجارة العالمية وقوانينها الحاكمة.

وتلك متغيرات لم تظهر فاعليتها الكاملة بعد، وينتظر أن تتسبب فى زيادة الفقير فقراً والغنى غناً. من هنا كان الحوار فى حتمية الإسراع فى مواجهة التحدى بإحداث نهضة تكنولوجية.. قضية عالمنا الإسلامى اليوم التى أصبحت السبيل الوحيد، الذى احتذته الكثير من الدول التى تكاملت فى صور مختلفة لتكوين كتل قوية جديرة بالبقاء فى المرحلة القائمة على القدرة العلمية والكفاءة التكنولوجية.

قضية الإسلام والالتزام بالتقدم وقيمة البحث والتطور:

قيمة العلم والمعرفة:

لقد حبا الله الإنسان المسلم فى القرآن الكريم بنعم كثيرة لاتحصى، تنتهى إلى الإيمان والحياة السوية ويدعو إلى التقدم والبقاء بالعلم والدراسة- أقتبس هنا قيمتين تحددان متطلبات الحياة ذكرتا فى مقامين: وهما سورة قريش أية 3، 4 ) فليعبدوا رب هذا البيت. الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( .. وسورة العصر) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( .. صدق الله العظيم.

ففى الآية الأولى يحدد المولى وسائل البقاء إذ لا بقاء لمن لا يملك قوته ويكفل أمنه، وفى الثانية يؤكد على قيمة الإيمان والتواصى بالحق والصبر على الجهد المطلوب للبقاء.

كذلك فقد كان أول ما نصح به رسول الله r - المسلمين عند هجرته إلى المدينة المنورة، وفى أول خطبة له فيها حيث قال: "أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم " وفى خطبة أخرى قال عليه الصلاة السلام: " أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم.. ولكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم "..

والمقصود من الآيات الكريمة وأحاديث الرسول أن يكون الناس على مستوى العصر الذى يعيشونه وتوفير متطلبات البقاء.. تلك قضية لا خيار فيها اليوم لعالمنا العربى والإسلامى. إذ أن ذلك يوجب الالتزام بأساليب العصر وطرق سبل التقدم فى عالم يقفر قفزات غير مسبوقة. والواضح هنا أن التقدم قضية لا تتصادم مع الدين والأصول بل تتآلف معه وتؤكده بما يضيف إلى عمق الأمان والرفاهية ويزيد من كفاءة المواطن الصالح وقدرته على إحداث التقدم وبالتالى يقوى المسلمون على مواجهة التيارات الموثرة بالعمل والتجويد فى جو التنافسية العالمية .. ) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم (  سورة التوبة أية105 صدق الله العظيم.

إن العمل المنتج يعتبر فى العصر الحديث جهاداً فى سبيل اللّه. لذلك فإن قبول التحدي يقتضى إعادة ترتيب البيت الإسلامى وتقييم القدرة ورصد المتاح للتقدم من الأساس، أملاً فى تحسين مستوى المعيشة وزيادة الدخل وزيادة الائتمان والمدخرات مما يرفع مستوي الاستثمار فتزداد فرص العمل ومجالات الإنتاج وتنحسر البطالة والهجرة فيرتفع مستوى الخدمات والإنتاج وذلك يقلل من موجات القلق والإرهاب وتستقر الأوضاع وتندفع منشطات التنمية وحلقاتها التى تنتهى إلى الارتقاء بمستويات الحياة وتزداد فرص التشغيل المتنوعة درءًا للبطالة وتوابعها. كل ذلك لا يتم إلا بالتركيز على قيمة الحرية والديمقراطية للفرد والمجموع مع الالتزام بثوابت الإيمان والعقيدة الراسخة والسلوك القويم وإجادة العمل. لكن كل ذلك يحتاج وضع سياسة مرسومة محكمة نسردها بإيجاز فيما يلى:

الملخص التنفيذى:

بعد هذه المقدمة يلزم القول إن العالم يشهد تحولات عالمية علمية وتكنولوجية

- سياسية وتشريعية- واقتصادية وتجارية بشكل متسارع وغير مسبوق، مما آثر فى حركة المجتمعات الإنسانية. من هنا فقد أصبح لزاماً على من يبتغى البقاء أن يعبئ كل طاقاته ليلحق بركب التقدم، لكن ذلك لن يتأتى إلا بإحداث نهضة شاملة فى كافة التوجهات. إن المدخل الأساسى لا يتأتى إلا بنهضة علمية- تعليمية وتكنولوجية- نهضة تعتمد أساساً على سواعد وعقول كل مواطن قادر.. والأمر هنا يستلزم خطوات محددة:

أولاً: التزام القيادات السياسية بحتمية إحداث النهضة على أساس من العلم والقدرة واستغلال كل الإمكانات والموارد المتاحة.

ثانياً: والأمر يتطلب صياغة محددة لسياسة مرسومة للتنمية التكنولوجية، أهدافها الاستراتيجية واضحة وفيها أولويات محددة وموزعة على المشاركين فيها مع التعاون الوثيق والواضح بينهم. وفى نفس الوقت الاهتمام برعاية الموهوبين والأفذاذ خاصة فى مرافق التعليم.

ثالثا: أن تتكامل العناصر والتوصيات المطلوبة لإحداث النهضة من حيث:

(أ) التركيز على التنمية البشرية حتى تزداد نسبة القائمين والمشاركين فى التنمية والمنتجين.

(ب) تطوير مراكز البحث العلمى إلى مستوى العصر.

(ج) أن يتحدد دور الدولة ويوزع بينها وبين القطاع المدنى والقائمين على الاستثمار توصيفا لدورها فى التقييم والرقابة والحماية والإرشاد والوقاية وخلق شبكات الضمان الاجتماعى،  ضماناً للاستقرار وحفظ الحقوق.

(د) التأكيد على جدوى تحقيق الرعاية الاجتماعية جزء أساسى من النهضة التكنولوجية بما فيها: التعليم والصحة ورعاية الطبقة الوسطى.

(هـ) تحقيق أقصى استفادة من التعاون الدولى إضافة إلى التكامل بين الدول الإسلامية.

(و) التقييم المستمر لتأثير التحول التكنولوجى على الاقتصاد والسياسة والثقافة والعقيدة والسلوك.

ملامح خطة السياسة الإسلامية للتنمية التكنولوجية:

عناصر الخطة:

. صياغة السياسة التكنولوجية: المبادئ العامة- عناصر الصياغة.

. رسم خطوات التطبيق المطلوبة لتحقيق السياسة التكنولوجية.

. التأكيد على تكامل القيادة العلمية الإسلامية فى إنجاز السياسة.

المتطلبات:

(أ) بداية.. متابعة التطورات العالمية، ودراستها وتحليل أساليبها و "أين نحن منها ". كذلك تحليل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية والعولمة ودراسة آثارها الاقتصادية دراسة متأنية واستخراجية للقوانين والاتفاقيات الدولية وتحديد إيجابياتها وسلبياتها التى يُعمل فى إطارها بهدف انتقاء المجالات الرائدة المطلوب إحداثها فى الدول الإسلامية.

(ب) كذلك.. تحديد المرتكزات المؤثرة فى التنمية الشاملة من حيث:

أولا: منشطات  التنمية التى تتمثل فى: الصحة والتغذية والتعليم الجيد (العقل السليم فى الجسم السليم).

التشغيل والاستفادة من القدرات والموارد المتاحة (استغلال الطاقة المتاحة)

الاهتمام بالبيئة الحاضنة فى إطار الديمقراطية والحرية والأمل (الوضع السياسى).

ثانيا: تحديد القوى الدافعة لتحقيق الاستدامة:

الحفاظ على المستوى العلمى الثقافى والعقائدى والصحى والسلوكى (بالتنمية البشرية)

رصد تطور المستوى الاقتصادى والمادي (بدعم وتطوير الإنتاج) مع الاهتمام بالتماسك الاجتماعى (بالانتماء الوطنى).

إطار الخطة:

العناصر المطلوبة لوضع السياسة المنشودة لعالمنا الإسلامى:

ا- الالتزام السياسى على أعلى مستوى لصنع القرار فى الدول المعنية.

2- تقييم القدرة بشرياً ومادياً مع توفير قواعد جمع بيانات دقيقة وأمينة عن كل منطقة.

3- تحديد أهداف استراتيجية متوافقة مع الاحتياجات والقدرة فى كل مجال.

4- إيجاد وسائل متخصصة فى التقييم المستمر للأداء والمتابعة والمحاسبة لكل خطوات الإنجاز.

5- بناء/ تكوين شبكة إسلامية للترابط بين المؤسسات البحثية على الصعيد الإقليمى والإسلامى عامة تدعم التكامل بين قطاعات الإنتاج والخدمات المستفيدة من نتائج البحوث التى توجه نحو التنمية التكنولوجية بأسلوب إلكترونى.

6- حفز الإبداع العلمى وتنمية مهارات الابتكار الفردى والجموعى بكل الوسائل .. ذلك مع اكتشاف ورعاية الموهوبين والأفذاذ من خلال مرافق التعليم المتخصصة وأجهزة التدريب والإعلام.

7- ترسيخ مبادئ وأخلاقيات وقيم البحث العلمى والتطبيقات التكنولوجية وتنمية الوعى الجموعى بقيمة البحث والتطوير فى كافة المجالات خاصة فى مجالات الإبداع الإنتاجى وخدمة متطلبات الأمن.

8- خلق الطلب على إنجازات التكنولوجيات المحلية والإقليمية ودعمها ورعايتها وتعظيم الطلب عليها من مؤسسات متكاملة تنشأ فى مختلف أنحاء المناطق

ا لإسلامية.

9- تحقيق أقصى استفادة من التعاون العلمى والتكنولوجى بين أعضاء الشبكة الإسلامية من جانب وبين مراكز التميز والتطوير والمعلومات فى البلاد المتقدمة من جانب آخر.

10- كل ذلك لا يتم إلا من خلال تكامل أو شراكة واندماجات مؤسسية بين الدول ومؤسساتها البحثية والإنتاجية والخدمية فى إطار الشبكة الحاكمة والموجهة والداعمة للدخول بإنجازاتها فى أسواق المنافسة العالمية.

دراسات تحضيرية مطلوبة لبناء القاعدة الإسلامية للتنمية التكنولوجية:

مع اختلاف مراحل النمو فى العالم الإسلامى وتفاوت القدرات والمجالات والإمكانات فإنه:

1- مطلوب تقييم عام لمراحل النمو المحلية.

2- تحديد الأولويات المطلوبة والممكنة.

3- سبل جذب الاستثمارات المحلية والعالمية.

4- إيجاد منظومة محاسبية متخصصة لتقييم الأداء والمراجعة.

5- خطوات مطلوبة على وجه السرعة.. من حيث:

(1) تقييم القاعدة التكنولوجية فى عالمنا الإسلامى:

. حجمها- وقدرتها- وكفاءتها- ومستوي الطلب عليها.

. تحديد المدخلات المتاحة والمطلوبة والمخرجات وتحديد فرصها وموقعها فى السوق العالمى من خلال شبكة معلومات تتوفر فيها متطلبات البحث دعماً للسياسة.

. تقييم وتحفيز الخبرة المتراكمة فى مصادر ومجالات البحوث والتطبيق والإنتاج.

. تحديد وتقوية الروابط بين المراكز البحثية والإنتاجية والخدمية فى شبكة محكمة إلكترونياً.

. تقييم ومتابعة مستمرة لحالة التنمية البشرية فى كافة الدول المشاركة من خلال تقوية التمثيل السياسى والتجارى والعلمى مقارنة بالمتغيرات فى المستويات العالمية.

. تحليل وضبط إيقاع وترابط وفاعلية البحث العلمى والتطوير التكنولوجى مع المستوي السائد فى مؤسسات التعليم من جهة، وقدرة الإنتاج والخدمات من الجهة الأخرى.

(2) تحديد الأولويات بما يتوافق مع الإمكانات المتاحة والمنتظرة فى الصناعات الكيماوية وصناعة وسائل الإنتاج وكذلك التركيز على مجالات محددة خاصة فى الصناعات الواعدة مثل:

. صناعة المعلومات والبرمجيات.

. صناعة المواد الجديدة والأولية المستحدثة.

. تكنولوجيات الطاقة المتجددة.

. التكنولوجيات الحيوية والهندسة الوراثية والغذاء البيولوجى.

. الصناعات الغذائية والنسيجية والخزفية والنحاسية.

. الصناعات الكيماوية والدوائية وخاصة من الأعشاب.. (وتلك ثروة غير مستغلة).

 (3) تشجيع وجذب رأس المال والاستثمار فى التكنولوجيات الواعدة ورأس المال المخاطر فى التكنولوجيات المستحدثة وتشجيع البحث العلمى فيها.

(4) خلق منظومة محاسبية مستمرة فنياً وإدارياً مع تأكيد دورها لتوائم الأهداف المحددة فى إطار متابعة المتغيرات فى الأسواق العالمية.

خطوات مطلوبة على وجه السرعة فى مختلف أقطار العالم الإسلامى:

(1) التطوير السريع لمراكز البحث العلمى المختارة فى مختلف الدول ببرامج متميزة تؤهله للقيام بدورها فى إطار خطة تتكامل فى مجموعها بقدر الإمكانات المتاحة، مع منع تكرار التخصصات خاصة فى المراحل الأولى ضغطا للاستثمارات المطلوبة مع تكاملها فى الإنجاز.

(2) إنشاء مراكز تميز لتعميق التخصص البحثى والتطويري وربطه بمرافق الإنتاج والخدمات والاتساع فى مجالات أنشطتها، وفق أحدث المهارات العلمية فى إطار التشعب والتخصص المتميز، حتى يمكن توفير الكوادر البحثية المطلوبة والمغذية لمرافق الإنتاج والخدمات.

(3) الإسراع فى تطوير الدراسات الجامعية عامة وفى كليات الهندسة والعلوم والحاسبات والمعلومات والإدارة والمحاسبة خاصة، لأنها تمثل عصب البحث العلمى والتطوير التكنولوجى وكذلك الإنتاج.. يتم ذلك من خلال تطوير البرامج ودعم مجالات التدريب فيها مع الاحتكاك الخارجى لكى يتواكب مع المستوى العالمى.

(4) إنشاء كيان إدارى قادر على تيسير التعامل بين مراكز البحوث فى مختلف الدول ومختلف التخصصات من خلال منظومة إدارية ضابطة وفاعلة تشريعياً (تطوير التشريعات بما يتوافق مع الجات): إدارياً وتسويقيا، تكون قادرة على التعاقد والشراكة والحفاظ على حقوق الملكية والابتكارات، مع دراسة الأسواق العالمية واحتياجاتها وتطورها، وكذلك العمل على دعم العلاقات الدولية والترابط مع المؤسسات العالمية والتعاقد على البحوث المشتركة. كل ذلك مع جذب الشركات العملاقة والعاملة فى مجال التكنولوجيات المتقدمة فى إنشاء منتديات علمية تدفع التقدم.

(5) مزيد من الاهتمام والتحفيز للعاملين فى البحث العلمى والتطوير التكنولوجى فى الجامعات ومراكز البحث مع جذب الكفاءات المهاجرة وهى كثيرة ومتنوعة، للعمل فى مجالات البحث العلمى- وتوفيرها مما يدعوهم إلى الاستقرار والعطاء لرفع مستوى الآداء ومحاكاة المستوى العالمى من خلال تدريب وتأهيل مستمر للكوادر الجديدة.

دور الدولة السياسى فى ضبط  إيقاع السياسة:

كان من نتائج تحرير الاقتصاد ونمو القطاع الخاص تقلص دور الدولة فى إطار حرية الأسواق مما قد تسبب فى مزيد من الفقر والبطالة والقلق الاجتماعى، ولكن الواقع يؤكد أن دور الدولة فى مرحلة التحول سيتغير من السيطرة والقبض على زمام الأمور فى الإنتاج والتسويق والتسعير والتجارة (كما كان فى المجتمع الشمولى)  إلى شراكة اجتماعية لها دود جديد نلخصه فيما يلى:

1- دور إرشادى حمائى: يتوفر على دراسة الاتفاقات والقوانين الدولية وحماية القدرة الوطنية من سلبيات تلك النظم الجديدة.

2- دور وقائى: بضبط أنماط الاستهلاك تخفيفا من احتمالات الغزو السلعى المستورد حفاظا على الإنتاج الوطنى وحماية المستهلك وتوازن الأسعار وتوجيه الاستثمارات إلى المجالات الإنتاجية المتفوقة والمطلوبة لتكون قيمة مضافة للاقتصاد القومى.

3- دور رقابى: مما يتلخص فى رقابة الجودة وكذلك الحفاظ على الثروة البشرية والخبرات المتراكمة وتأكيد حق إعادة التأهيل والتحفيز والتطوير لمواجهة المتغيرات العالمية.

4- دور اجتماعى: يتأكد ذلك بخلق شبكات الأمان الاجتماعى بهدف:

(أ) رعاية المتضررين من مخاطر الخصخصة والتطوير التكنولوجى المؤدى إلى زيادة البطالة وذلك بإعادة التأهيل وتوفير التأمينات.

(ب) توعية الجماهير بمخاطر التطور الذى يتطلب الارتقاء بمستوى المعارف ومستوى التدريب فى الحرف المتفوقة.

(ج) دور اجتماعى مع تعصب قومى حميد موجه للحفاظ على الهوية الوطنية والثقافة والاعتزاز القومى والدينى.

5- دور سياسى: بالدعوة لمشاركة المجتمع المدنى وكافة المواطنين للمشاركة فى الفكر والتنفيذ لتحقيق أهداف السياسة الجديدة.. ذلك مع توفير القدوة الصالحة وإحقاق الحقوق وتحاشى سلبيات التحول السياسى والحفاظ  على الحقوق فى إطار من القانون الضابط.

 

خاتمة:

وفى اقترابى من ختام هذا العرض، أرجو أن أخاطب عدة مسائل أراها فى غاية الأهمية والدقة والحساسية، وذلك لأنها تتأثر بكل ما أسلفت الحديث عنه كما أنها تؤثر فى كل المقاصد التى خاطبناها فى كل لقاء فيما يتعلق بالأمانى والآمال المرتجاة لأمتنا وحديثى ليس انغلاقا فى العالم الإسلامى ولكن انفتاحا على كل الحضارات والثقافات العالمية.

أولاها: من المأثورات التى أعتز بها مقولة للمرحوم العالم الدكتور عبد العزيز كامل فى كتاب "مع الرسول والمجتمع ".. وما يؤكد حاجتنا فى العالم الإسلامى إلى المزيد من العلم والترابط حيث قال رحمه الله.. إن النهضة الإسلامية لن تتأتى إلا عن طريقين:

(أ) دعم قوى الترابط والتماسك الداخلى فيما بين أجزاء العالم الإسلامى بعد دراسة وتقييم أمين لقدراته.

(ب) الإفادة من منجزات العلم الحديث والتعاون مع الدول المتقدمة على قدم المساواة بلا تبعية ولا استعلاء.

من هنا كان لابد من التعاون الإسلامى فى المجال التعليمى والبحثى..

1- بخطة لتكوين الشباب.. بالحفاظ عليه جنيناً وطفلاً ويافعاً.. ذكراً كان أو أنثى فى الأسرة والمدرسة والجامعة ومن خلال وسائل الإعلام.

. فى الأسرة بتوفير وسائل الرعاية وإطلاق حرية الحوار والفكر المستنير وإذكاء روح الوطنية.

. وفى التعليم بوضعه فى محضنة تعليمية متفوقة تذكى روح الأمل والتحدي والقيم فيه بدءاً من المدرس " ناعى هم " أمته ودينه.

. ومن الإعلام بتوجيه محتواه لما يحفظ الهوية والقيم والإيمان والتنفير من التيارات الهدامة التى تستهدفه.

2- وخطة لحماية الشباب لمنع الانحراف بالدين أو الانحراف عن الدين وعن الإسلام نفسه..

. الذى يستهدفه العدو الخارجى بحقن شوائب مرفوضة على العقيدة والأصول.

. أو ذلك الذي يتنازعه المحكومون فيما بينهم وبين الحاكم فيما يضر ولا يفيد.

. حركات تلغى من قبلها وتري نفسها بعثاً إسلامياً- بسفر تكوين جديد.

. حركات مشكوك فيها وقصدها ومنبعها لا يعلمه إلا الله- تُحدِث فُرقة قومية.

. وصراعات لا طائل لها وتحركها قوي خفية موجهة لتفريق الأمة وضياع الوقت وأضاعت فى قلقها سنوات وحقب لم يُجن فيها إلا التوقف والتدهور وما صار إليه العالم الإسلامى اليوم.

وأؤكد هنا أن التنازل فى التعليم والبحث العلمى يعتبر وصمة فى جبين الأمة الإسلامية، ذلك الدين الذى يؤكد منذ نزوله على الدعوة للمعرفة والعلم. من هنا كانت التوصية تتلخص فى مشروع موجه لإحداث ثورة تنموية ركائزها: جموعية التطوير فى التعليم والبحث والتطوير، بأسلوب مبرمج لتُجنى ثمارها فى فترة محدودة بين 15- 20 سنة على الأكثر، وتتم فيه من خلال أولويات مدروسة من هيئة متخصصة مختارة من أفزاز الأمة لتجتهد فى إنجاز تلك السياسة على قفزات كبيرة اختزالا للوقت.

ثانيها: وقد أُشير فى حوارنا الذى نحن بسبيله إلى قيمة الثورة التكنولوجية الهائلة التى طورت صورة الحياة والإنتاج حاضراً، لكن أريد أن ألَمِّحَ  تحديداً إلى ذروة الذروة فى هذه الثورة، أولها! الإلكترون الذى جاء بعده ذُرى أخرى فى دراسات الخلية والنواة وتحليل الضوء والليزر وكذلك الطاقة وبدائلها والمواد الجديدة والخروج إلى الفضاء، وما فيه من كوامن وتأثير كل ذلك فى الطفرات وتفجير ثورات معرفية هائلة فيها الكثير

من الخير وكذلك فيها شرور خطيرة، وأوكد هنا بعض وجوه الخير التى تنتجها للعالم والتى علينا أن نتعرف عليها ونستنفر مداركنا للانتفاع بها فى عالمنا الإسلامى، منها  ذلك الإلكترون الذي يحقق أفعالاً فى منتهى الحساسية والخطر يغير بها وجه الحضارة المادية وغير المادية ويكفى أن نشير هنا إلى ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتطور الإدارى وكلها تحكم التقدم اليوم.

إن الأهداف واضحة أمامنا وعلينا التقاط خيوطها وننسج منها موقفاً جديداً يأخذ المسلمين ومن يشاركونهم المصير من مواطنين غير المسلمين، دون تعصب، من الطريق المسدود أمام عالمنا الثالث النامى إلى موقف جديد ومناخ فيه أمل ورجاء وتفاؤل واستقرار.. يتوفر فيه الحجم الهائل من المعارف والمعلومات والخبرات الناتجة عن قفزات غير مسبوقة، والتى بات الحصول عليها ميسوراً بفضل ثورة الإلكترونيات واستعمالها فى تعظيم عوائد النعم التى أنعم اللّه علينا وهى كثيرة ولا تحصى.

ثالثها: من المعلوم أن الإسلام له منهج قائم على كليات أساسية مذكورة فى  القرآن الكريم ( للشيخ محمد عبده)

ا- الالتزام بالعلم واستعمال قدره العقل.

2- حرية الفكر والتفكر والفهم السليم وليس بالحفظ والتلقين.

3- الإقناع والاقتناع بالبرهان العقلى والعملى والحجة والتجربة، ذلك  البرهان الذي لا يقبل التفكير بالظن ) وإن الظن لا يغنى عن الحق شيئا( سورة النجم آية 28.

"صدق الله العظيم "

ومن قبل قال: ابن حزم أن المعرفة يكون أولها بالعقل وليس العقل وحده دون استعمال الحواس.. ولكن ببرهان راجع إلى شهادة الحواس النابع من التجارب والمشاهدة.

إذن فالعقل والحواس بعد الإيمان يدعونا لتقييم موقفنا مدخلاً لعالم جديد بفكر جديد ولنراجع شكوانا التى لم نتعب من ترديدها بأن الغرب والصهاينة يسيطرون على وسائل الإعلام، وهذا قول صحيح، لكن بات من المتاح للمسلمين عامة والعرب خاصة كأمة واحدة أن يقدموا قضاياهم إلكترونيا بأنفسهم إلى الآخرين من خلال مواقع الإنترنت وهى ميسورة، وأن يردوا إلكترونيا على المزاعم والافتراءات والمطاعن. التى توجه إلى العقيدة وأصحابها تلك التى تكاثرت بشكل مفزع فى العشرين سنة الماضية.

كذلك فإن تلك الوسائل المستحدثة تمكن لأمتنا، التى قطع الاستعمار تواصلها بفواصل وعوائق اصطنعها عندما استولى على مقدراتنا، من هنا لقد أتيح للأمة الإسلامية التواصل إلكترونيا بفضل ما وصلت إليه الثورة التكنولوجية.

فهل لى أن أختم كلمتى بأن أدعو المولى العزيز القدير أن ينير بصيرتنا وأن نتكامل (ولا تفرقوا).. لندرك حقائق العصر الذى نعيشه ونخدم بها الكوامن من حقائق وقيم مكتنزة فى عقيدتنا السمحة وأهتف ختاماً "انتبهوا أيها السادة" ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا تقنطوا من رحمة الله.

والحمد لله رب العالمين

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع