كلمة السيد
الرئيس محمد حسني مبارك
رئيس الجمهورية
بسم الله الرحمن الرحيم
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
) (الرعد: 11) صدق الله العظيم
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر الكرام:
السيدات والسادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أود فى البداية أن أحييكم وأرحب
بكم على أرض وطنكم الثانى مصر التى يسعدها أن تتشرف بمشاركتكم السنوية فى هذا
المؤتمر الإسلامى الكبير الذى تعبرون فيه عن اهتمامكم البالغ بقضايا أمتكم العربية
والإسلامية، وتطلعكم جميعا إلى إحداث نهضة حضارية فى هذا الجزء من العالم ذى
التاريخ العريق، والعطاء العلمى والحضارى الذى يعرفه الجميع، حتى تحتل أمتنا
مكانتها اللائقة بها فى عالم اليوم.
الأخوة
الأعزاء:
الموضوع المعروض للمناقشة هذا
العام تحت عنوان "الإسلام ومتغيرات العصر،، إنما هو حلقة من حلقات الموضوع
الأساسى الذى تمت مناقشته فى مؤتمر العام الماضى بعنوان: "نحو مشروع حضارى
لنهضة العالم الإسلامى،.
وقد ركز مؤتمركم هذا العام على
قضية تعد من أهم القضايا التى تواجهها أمتنا فى هذا العصر وهى قضية توطين التكنولوجيا
فى العالم الإسلامى. ويقينى أنكم جميعا تشاركوننى الرأى فى أنه لا يليق بالأمة
الإسلامية فى
الألفية
الجديدة أن تظل تعانى من مشكلة الأمية الأبجدية بينما العالم المتقدم منشغل بمحو
الأمية التكنولوجية.
وللخروج من هذا المأزق الخطير أود
أن أضع أمامكم بعض الأفكار التى قد تساعد فى العثور على الحلول المناسبة لما
تعانيه أمتنا من تخلف علمى و تكنولوجى.
أولا: إن من أوجب الواجبات اليوم
أن يكتمل التعاون والتنسيق والتكامل بين شعوب أمتنا وحكوماتها فى مجالات البحث
العلمى والتكنولوجيا. لأنه من العسير على دولة واحدة أن تحقق إنجازات ذات شأن فى
كل المجالات العلمية والتكنولوجية المتقدمة، ولكن إذا تكاملت الجهود، وتعاونت
العقول، وتم التنسيق. فيمكن حينئذ للعالم الإسلامى أن يشهد إنجازا ملموسا يرتقى
بأمتنا، ويحقق لها ريادة علمية فى القرن الجديد.
لاسيما إذا
أخذنا فى الاعتبار أن المسلمين لا تنقصهم العبقرية، فهناك علماء مسلمون كثيرون
يعملون فى مختلف بلدان العالم المتقدم قد برهنوا على تفوقهم العلمى بما تحقق على
أيديهم من إنجازات وابتكارات علمية اعترف العالم بفضلها وإسهامها فى التقدم العلمى
للبشرية.
وقد حصل بعضهم على جائزة نوبل
تقديرا لاكتشافاته العلمية التى حظيت بتقدير العالم، ومن هؤلاء كان العالم المصرى
أحمد زويل وقبله بسنوات كان العالم الباكستانى محمد عبد السلام ، ومعنى هذا أننا
إذا وفرنا لعلمائنا الإمكانات المطلوبة للبحث بمستواه المتقدم فستكون لهم
إسهاماتهم العظيمة فى مجال البحوث العلمية وخدمة البشرية.
ثانيا: ينبغى ألا ننسى أن ديننا
العظيم قد جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وفضلا عن ذلك فإنه دين لا
يتناقض فى أى من تعاليمه مع حقائق العلم المستقرة. وقد فتح القرآن الباب على
مصراعيه بلا حدود أمام البحث العلمى حين قال: (وسخر لكم ما فى السموات وما فى
الأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
سورة الجاثية: آية 13.
كما دعا فى الكثير من آياته إلى
النظر والتدبر فى آيات الله الكونية
والإنسانية، كما فى قوله سبحانه:
(قل انظروا ماذا فى السموات والأرض) سورة يونس: آية 101، وفى قوله: (وفى أنفسكم
أفلا تبصرون ) سورة الذاريات: آية 31.
ثالثا: يؤكد
الإسلام على ضرورة الحرص على الالتزام التام بالقيم الأخلاقية فى مجال البحث
العلمى، فكل ما يفيد الإنسانية يؤيده الإسلام ويحث عليه، وكل ما يضرها يحرمه ويحذر
منه، ومن هنا فإن الإسلام فى الوقت الذى يحث فيه على البحث العلمى بلا حدود للتعرف
على آيات الله فى الكون وفى الإنسان، فإنه من ناحية أخرى يناشد العلماء والباحثين
أن يراعوا فى ذلك كله القيم الأخلاقية التى تمثل السياج المنيع الذى يحمى البشرية
من الدمار، ويحفظها من الانهيار، ويقيها من أخطار الانفلات الأخلاقى فى مجال البحث
العلمى.
رابعا: إن الإسلام لا يحرص فقط
على مشاركة المسلمين فى كل الإنجازات العلمية والتكنولوجية التى تخدم البشرية، بل
يدعوهم إلى أن يكونوا فى المقدمة فى كل ما يعود على الإنسانية بالخير. كما كانوا
روادا للعلوم وللحضارة التى استفادت منها أوروبا فى عصر النهضة، وقد ساعدها ذلك
على التطوير والابتكار مما عاد على البشرية بالكثير من الخير.
ومن أجل ذلك جعل الإسلام فعل
الخير الذى تستفيد منه الإنسانية هو الميدان الحقيقى للتسابق والتنافس بين البشر،
وفى هذا يقول القرآن الكريم: (فاستبقوا الخيرات ) سورة البقرة ة آية 148.
خامسا: ليس هناك شك فى أن
الإنجازات العلمية التى تفيد البشرية تعد من أهم أفعال الخير التى يبقى أثرها
قائما حتى بعد رحيل أصحابها عن هذه الدنيا، ومن هنا يجعلها الإسلام مصدر ثواب لهم
لا ينقطع ما بقيت الحياة. كما جاء فى الحديث الشريف: "إذا مات ابن آدم انقطع
عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ".
سادسا: وإذا كان الإسلام يدعو
أتباعه إلى التسابق فى كل ما من شأنه أن يعود بالخير على البشرية كلها، فإن ذلك
يعنى من جانب آخر أن المسلمين- من منطلق تعاليم دينهم- ليسوا طلاب استعلاء وهيمنة
على الآخرين، وإنما هم طلاب عدل وسلام.
ولكن العدل
والسلام فى حاجة إلى قوة تحميه وتسنده، والقوة الحقيقية فى عصرنا تتمثل فى العلم
والمعرفة. وتلك قضية مصيرية للمسلمين فى عالم اليوم، فلا يجوز آن يظل المسلمون فى
القرن الجديد فى عداد الدول النامية أو المتخلفة، ولا يليق بهم آن يظلوا فى مؤخرة
ركب التقدم الحضارى، وعليهم اليوم مسئولية مضاعفة تتمثل فى القضاء على أسباب
التخلف القائم فى مجتمعاتنا من ناحية، وإسراع الخطى فى مجال التقدم الحضارى من
ناحية ثانية.
الأخوة الأعزاء:
لقد خطت مصر فى الفترة الأخيرة خطوة رائدة فى
مجال توطين التكنولوجيا
فى مصر من خلال برنامج قومى
للنهضة التكنولوجية، وأنشأت مدينة للأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية على
أحدث المستويات العالمية، كما تهتم ببناء مجتمع المعلومات الذى يشمل تطوير المحتوى
الإلكترونى باللغة العربية. وتطوير البنية الأساسية لشبكة الاتصالات، ونشر
الحاسبات والإنترنت فى جميع أنحاء الجمهورية، وبخاصة لطلاب المدارس والجامعات، من
أجل إعداد جيل من الشباب والباحثين يكون قادرا على التعامل مع كل منجزات العصر فى
مجال المعلومات والاتصالات والبرمجيات والتكنولوجيا بصفة عامة. وليس الهدف هو
القدرة على استخدام التكنولوجيا المعاصرة فحسب، وإنما المشاركة الإيجابية فى
الإنتاج والإبداع فى هذه المجالات، وقوة مصر فى هذا الصدد ستكون بطبيعة الحال دعما
وسندا لأشقائها فى العالم الإسلامى.
الأخوة الأعزاء ضيوف مصر الكرام:
إن العصر الذى نعيش فيه يفرض
علينا تحديات كبيرة فى جميع المجالات،
ولا مفر أمامنا من مواجهتها
والتعامل معها بإيجابية للخروج من المأزق الحضارى الذى تئن الأمة الإسلامية تحت
وطأته. وإنى لعلى يقين من أنكم تدركون تماما مدى الأخطار والتحديات التى تواجهها
الأمة فى عالم اليوم، كما تدركون السبل الكفيلة والملائمة للتعامل مع هذه
التحديات.
وأود أن ألخص بعض الأفكار
والملاحظات التى قدمت لها فى حديثى إليكم
فى النقاط التالية:
أولا: ضرورة العمل الجاد وفق خطة
محكمة للقضاء على الأمية الأبجدية نحز العالم الإسلامى تمهيدا للقضاء على الأمية
التكنولوجية.
ثانيا: دراسة جعل مادة الحاسبات
الآلية مادة أساسية فى مراحل التعليم المختلفة، فالتكنولوجيا هى لغة العصر التى
لابد لمن يريد أن يجد له مكانا فى عالم اليوم أن يجيد هذه اللغة إجادة تامة.
ثالثا: ضرورة البحث عن وسيلة
فعالة للتعاون والتكافل والتنسيق بين مؤسسات البحث العلمى فى العالم الإسلامى بهدف
تبادل الخبرات والأبحاث والمعلومات والنشرات، فمن البديهى أن دولة واحدة من دولنا
لن تحقق التقدم فى جميع مجالات البحث العلمى والتكنولوجى. ومن هنا تأتى الحاجة الملحة إلى التنسيق حتى لا تتكرر الأعمال وتتبدد
الجهود.
وهذا التكامل من شأنه أن يفسح
الطريق فى فترة زمنية قصيرة لإنجازات
علمية
رائعة.
رابعا: لقد آن الأوان لتكوين تجمع
علمى من علماء العالم الإسلامى فى
مجال البحث العلمى والتكنولوجى،
يكون محورا للتعاون والتنسيق والتكامل، وتقديم المشورة فى توجيه الأبحاث ومراعاة
الأولويات الملحة فى هذا الصدد.
وفى ختام كلمتى أسأل الله
لمؤتمركم التوفيق والنجاح، ولضيوف مصر الأعزاء
إقامة طيبة فى القاهرة.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.