الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الثاني عشر :الإسلام ومتغيرات العصر
 
القيم الدافعة

مواجهة الآثار السلبية

للتقدم العلمى والتكنولوجى

أ. د. أحمد السيد الحسيسى

الأستاذ بكلية الآداب- جامعة عين شمس

لم يشهد التاريخ البشرى مرحلة واحدة خلت ممن يتشككون فى أجهزة الحضارة كلما استحدث شىء منها، وإنى لأتصور الإنسان فى العصر الحجرى عندما عرف كيف يقُدّ لنفسه من الحجر سكيناً لم يخل من رجال يعارضون تلك إنساناً السكين بحجة أن الإنسان قد يقتل بها إنسانا مثله، وينسى مثل ذلك الناقد أنها كلما قتلت بالخطأ إنساناً واحداً فإنها تكون قد قتلت بالحق ألفاً من الصيد الحيوانى الذى يقتات الإنسان به.

وهكذا تمضى الحضارة قدماً فى سيرها ومع كل خطوة إلى الأمام يظهر المعارضون الناقمون لكنها تمضى، فانظر إلى صيحات الشعراء فى أوروبا عندما رأوا تباشير الانقلاب الصناعى وهى آخذة فى الظهور والانتشار فكم أخذهم الهلع والجزع عندما بدأت المصانع تعلو فى السماء بمداخنها ولأضرب هنا مثلاً واحداً أسوقه لشاعر إنجليزي  رومانسى النزعة زاهد بطبعه هو "ويليام بليك " الذى أنشد قصيدته المعنونة (ميلتن )  ليقول فيها: ما معناه، حسرة عميقة على حياة مضت كانت وادعة مطمئنة بإيمانها إنها لم تكن تعرف وقتئذ إلا المروج اليانعة والجبال المخضرة بعشبها وهل كانت رسالات الله إلى أنبيائه لتهبط عليهم وهم فى أمثال هذه المدن الجديدة بمداخنها التى تبدو وكأنها قرون الشياطين ثم أعلن الشاعر فى قصيدته تلك عزيمته على الجهاد فى محاربة الصناعة الجديدة وآلاتها فكان يقول: أعطونى قوسى الذهبية الملتهبة أعطونى السهام ورمحى فلن أكف عن الجهاد بفكرى كلا ولن يرقد سيفى خاملا فى يدى حتى أعيد إلى بلادى البهجة الخضراء. لكن قطار الحضارة نفث نفثاته النارية ومضى يطوى الطريق إلى الأمام تلاحقه لعنات اللاعنين.

الآلات الحديثة هى نفسها العلم الحديث فإذا سمعت الناس يقولون إن العلم قد تقدم خطوة فاعلم أن معنى ذلك أن الآلات قد تقدمت تلك الخطوة (1).

 الإسلام كيان متكامل هدفاً ووسيلة لكن الناس إذا أخذهم الإعجاب بذلك نسوا أنهم فى حياتهم الفعلية الآن ومنذ أربعة قرون على الأقل أصبحت أمامهم أهداف الإسلام دون أن يعيشوا وسائلها فإذا كانت حضارة الغرب قد بدت بشكل وسائل بغير أهداف فحياتنا هنا أهداف بلا وسائل وقد كان الأمل أننا إذا ما قويت أعوادنا علماً وصناعة ازددنا اقتراباً من حياة القوة عند المسلمين الأوائل فتتكامل لنا الحياة كما تكاملت لهم وسيلة وهدفاً فقد ساد المسلمون الأوائل العالم بعلمهم لأن المسلمين لم يكونوا مجرد نقلة للعلم اليونانى القديم بل لقد أسهموا فى تقديمه وأضافوا إليه إضافات جديدة من مبتكراتهم ذات أهمية كبيرة فى كثير من الميادين ولاسيما فى ميادين الرياضيات والطب والكيمياء ولم يبرعوا فى هذه المجالات نتيجة للمصادفة أو نتيجة للنقول والتراجم بل لما تميزوا به من مناهج علمية وتنظيم عقلى وإبداع فكرى يقطع بما كان للمسلمين من قدم راسخة فى العلم، وأصالة فى التفكير حتى شهد لهم جمهرة من العلماء والمستشرقين الأجانب المنصفين بأنهم أساتذة العالم خلال العصور الوسطى ولولاهم لتأخرت النهضة العلمية الحديثة التى ينعمون بخيرها، ولكل أمة فى هيكل الحضارة وتاريخها دور معين تمهد به لأدوار أخرى معينة تقوم بها أمم من بعدها ولولا ذلك لما تقدم البناء العلمى.

وقد صاحب ظهور الإسلام تقدم علمى لحض الإسلام على التعلم والتفكر والبحث مما لا شك فيه أن ما ورد فى القرآن الكريم من حث الإنسان على النظر فى ملكوت السموات والأرض كان القوة الدافعة وراء هذه الأبحاث قال تعالى ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) (2) وقال تعالى: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال جل شأنه: ( قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) (3). وكذلك حث الرسول صلى الله عليه وسلم   على طلب العلم من المهد إلى اللحد فطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن الملائكة لتضع أجنحتها تواضعاً لطالب العلم، والعلماء ورثة الأنبياء.

والحضارة الغربية فى واقع الأمر حضارة مادية خاوية من أى محتوى روحى أو معنوى وهى تُفرض على الدول بالقوة العسكرية حيناً والتجارية والاقتصادية حينا آخر أو بالمشاركة الدولية فى إنشاء مؤسسات دولية تُشرع النظم التى تكفل للدول الأوروبية والأمريكية فرض سيطرتها الاقتصادية عليها، ومن أقوى العوامل الآن قوة المعلومات والإنترنت بما تشتمل عليه من قنوات فضائية ضخمة ووكالات إخبارية ترصد دبة النملة وصحف عابرة للقارات وتشمل أيضاً العديد من الاتفاقيات الدولية التى قننت تسهيل مهمة الهيمنة الغربية على بقية شعوب العالم مثل الجات والحد من الأسلحة النووية والبيولوجية وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى للتعمير.

ولا سبيل أمامنا الآن إلا رفض قيم العولمة ومواجهة الجات وعصر المعلومات وهذا لا يتم بكلام أو أمل أو مقالات فى الصحف بل ينبغى أن يكون بإيجاد مخططات اقتصادية وثقافية وسياسية لإعادة بنائنا الذاتى وأن نتعاون على الخير والسلام والبر والتقوى وأن نكون يداً واحدة لنبنى اقتصادنا وندعم قيمنا الإسلامية ونؤدى رسالتنا فى العالم للنهوض بالإنسان الذى خلقه الله ليعرف ربه ويعبده وينشر الخير والسلام (4).

إن التقدم ليس وقفاً على الجوانب المادية فحسب، وإنما هو فى النواحى القيمية والأخلاقية والمعنوية، بالدرجة الأولى وليس هناك ما يدفع بالإنسان نحو الارتقاء فى هذه الجوانب مثل العقيدة، خاصة إذا كانت عقيدة نزل بها جبريل  عليه السلام  على خاتم الأنبياء محمد  صلى الله عليه وسلم  وإذن فهى خلاصة الرسالات السماوية وإذن ففيها كل ما يحتاجون وكل ما يسعدهم.

إننا نتحدث ويتحدث معنا العالم، بانبهار شديد عن الروح اليابانية التى أيقظت شعباً من شعوب آسيا وجعلته يعمل بهمة ونشاط وسبق كثيراً غيره من الشعوب، بحيث أصبح فى قمة الهرم العالمى تقدما ورضاء وازدهاراً بل وبحيث أصبح منافساً خطيراً لأقوى شعوب الأرض قاطبة حيث يغرقها بمنتجاته الصناعة المتقدمة، خاصة فى مجال الإليكترونيات والسيارات.

وحقيقة فإن اليابان قد نهضت نهضة عظيمة منذ تولى حكمها الإمبراطور (ميجى) عام 868 1م ومنذ قال فى خطاب العرش (إن الحكمة والمعرفة سوف يقتفى أثرها فى كل مكان على سطح الكرة الأرضية ). وفى أقل من قرن من الزمان خطت اليابان خطوات جبارة فى مجال العلم والتكنولوجيا، وأصبحت نداً هائلا لشعوب غرب أوروبا وأمريكا وأصبح الجميع يحسبون لها ألف حساب.

ولكن ماذا قدمت اليابان للإنسانية؟ ماذا أضافت الروح اليابانية للتراث الحضارى البشرى خلال هذه الفترة العظيمة من فترات تقدمها؟

قدمت نظماً للإدارة تدرسها المجتمعات الغربية بتمعن حتى تتمكن من أسرارها، وقدمت للعالم أجهزة للكمبيوتر بالغة الحساسية والدقة لدرجة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد طلبت مشاركة اليابان معها فى برامج أبحاث الفضاء المتعلقة بحرب النجوم، وهذه قمة التكنولوجيا فى عالم المتقدمين وقدمت اليابان أيضاً سيارات ممتازة، تفوقت على السيارات الأمريكية على أرضها خاصة فيما يتعلق باستهلاك البنزين، ومن هنا فلقد نافست السيارات الأمريكية، وتغلبت عليها لدى المستهلك الأمريكى ، وقدمت سلسلة طويلة من المخترعات الهائلة تبدأ بأضخم ناقلات البترول العملاقة وسفن صيد السمك المذهلة، مرورا بأجهزة التليفزيون والفيديو وكاميرات التصوير والساعات، والغسالات والثلاجات بل والأقمشة والأطعمة المحفوظة وغيرها. ويبقى السؤال المحورى فى هذا البحث.  

ماذا أضافت (البروج اليابانية) للبشرية..؟ لروح الإنسان..؟

إن كل ما مضى بثقل كفة الميزان.. فى الجوانب المادية الاستهلاكية.. تلك التى تشبع حاجة ماسة عاجلة. يعود الإنسان بعد إشباعها إلى الجوع مرة ثانية .. فيطلب المزيد.. وإذا انقطع المدد.. أو الاستيراد لسبب أو لآخر.. غاب أثرها وانتهى. وحتى لا يخطئ  القارئ.. فأنا لست ضد اليابان.. ولا ضد التقدم العلمى العظيم الذى صنعته، ولازالت تصنعه على العكس من ذلك تماماً فأنا من المتحمسين جداً لدراسة التجربة اليابانية بحيث نرى ما يمكن أن نستفيده منها خاصة فى مجال التربية ولكن ما أردت إثباته هو عمل شىء من المقارنة العلمية الموضوعية.. بين مجتمع امتلك على البشرية عقلها.. أو كاد، وبين مجتمع الجزيرة العربية خلال القرن الأول من هجرة النبى  صلى الله عليه وسلم .

فبجانب التقدم العلمى الذى فرج به المسلمون على العالم وبجانب التطبيقات العلمية- بمعنى الكلمة- التى أبدع فيها المسلمون، تركوا للإنسانية جمعاء.. أموراً لا تخطئها العين، ولا يفتقدها الحس السليم.. وذلك بفضل تطبيقهم لما جاء فى القرآن الكريم، وفى سنة خير الخلق أجمعين (5).

والحقيقة أن التحديات التى يواجهها العالم الإسلامى ليست التحديات العلمية المجردة لأن معاهد التعليم بجميع مستوياته منتشرة فى كل دول العالم الإسلامى،  ولكن التحديات الحقيقية هى التحديات التكنولوجية وتطبيق هذه العلوم كأجهزة وآلات وبرامج ونظم متكاملة لتسيير أمور حياتنا فنحن مثلاً لدينا المعرفة الأولية عن أشعة الليزر واستخداماتها، ونلقى فيها محاضرات ونؤلف الكتب ولكن لا نستطيع تصنيع جهاز واحد لأشعة الليزر أى أن المشكلة والتحدى هى فى التطبيق والتصنيع وبناء القدرة الذاتية القادرة على الابتكار والتطوير والمشاركة مع بقية دول العالم فى الإنجازات الحضارية بدلاً من استيرادها واستهلاكها والعيش على إبداعات الشعوب الأخرى.

ويمكن فيما يلى استعراض أمور ثلاثة غاية فى الأهمية: الأسباب الحقيقية لتأخر العالم الإسلامى تكنولوجياً، تشخيص الوضع الحالى، وطرق مواجهة الواقع والتغلب عليه.

أولا.. أسباب تأخر العالم الإسلامى تكنولوجياً:

1- توقف وانقطاع العالم الإسلامى فترة كبيرة عن إنتاج المعرفة وتطبيقها بسبب الصراع والحروب البينية على السلطة من جهة ومع الأمم الأوروبية من جهة أخرى مما سبب انعزاله عن حركة التنوير والنهضة الأوروبية فانغلق العالم الإسلامى على نفسه.

وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وجدنا أنفسنا أمام تكنولوجيا متقدمة لم نشارك فى صنعها، ولم نطلع على أسرارها، ولا يوجد لدينا من هو قادر على تشغيلها وصيانتها، فانتصر المدفع والبارود والآلة والتكنولوجيا على السيف والحصان والمنجنيق. ومن تلك الأيام ونحن نسير من هزيمة إلى هزيمة بسبب عدم التكافؤ، وضعف الإعداد وخور العزيمة، وتسيب الإدارة. ثم بدأنا نحاول توطين التكنولوجيا ابتداء من تجربة محمد على باشا فى مصر وانتهاء بتجربة الباكستان وتركيا وإيران، وما تجربة العراق عنا ببعيد. ولكن الفجوة التكنولوجية تتسارع وتتسع برصيد خمسة قرون من التخلف، نتيجة الجهل والفقر وسوء إدارة الموارد والصراع والاستعمار وحروب التحرير، ونحن نلهث لفهم  واستيعاب وتشغيل واستخدام التكنولوجيا التى نستوردها دون أن نضع "خطة" أو تكون لنا "رؤيا"كيف يجب أن نسير.

2- استمرار حالة العداء والمحاصرة والفتن  الداخلية والحروب بين دول العالم الإسلامى والأمم الأخرى منذ الحروب الصليبية إلى اليوم مما جعل العالم الإسلامى دائماً فى حالة عدم استقرار مشغولاً ومستهلكاً فى عمليات الهدم، لقد استطاعت جميع الأمم تقريباً اختراق حاجز التخلف التكنولوجى، وحققت إنجازات تكنولوجية وبناءً ذاتياً لها، بإمكانات أقل من إمكانات العالم الإسلامى، كالأمة الهندية والأمة اليابانية والأمة الألمانية بعد حروب كونية مدمرة، ولكن العالم الإسلامى يقف عند الرقم صفر فى إنتاج التكنولوجيا.

3- احتكار الدول الصناعية للتكنولوجيا بشكل عام وخاصة التكنولوجيا العسكرية والاستراتيجية فى مجالات الطيران والصواريخ وعلوم الفضاء والسفن والغواصات ووسائل الاتصال والتكنولوجيا النووية وصناعة السلاح، لأن من يملك أسرار هذه التكنولوجيات يتحكم فى المعادلة السياسية والاقتصادية ويفرض حضوره السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى كل مكان. لم يستطع العالم الإسلامى أن يكسر هذا الاحتكار بشكل يجعله قادراً لوحده على البناء الذاتى والوقوف على قدميه.

4- أدت حركة النهضة الأوروبية إلى قيام الثورة الصناعية وتبلورت فيها نظم ومناهج وأساليب فى السياسة والاقتصاد والاجتماع، فنشأت الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية (العدالة الاجتماعية) والديمقراطية الاقتصادية (حرية الأسواق وحرية رأس المال) مما نتج عنه فرز قيادات النخبة فى جميع المجالات، فى بناء تراكمى من الإنجازات الحضارية، وإذا أردنا أن يكون لنا دور فى ملكية التكنولوجيا لابد من تهيئة البنية الداخلية فى المجتمع سياسياً واقتصادياً، واجتماعياً، وهذا هو الرحم الصالح "لتوليد " المجتمع القوى القادر على صناعة التكنولوجيا وامتلاكها وبناء الصناعات الثقيلة والاستراتيجية.

5- غياب التخطيط الاستراتيجى لمشروع التعليم وعدم ربطه بمشروع التنمية، من حيث الوسائل والإدارة والكم والنوع والكثافة والتناسب والتكامل والتمويل اللازم، لتوفير القوى البشرية اللازمة من الخبراء والباحثين والإداريين والعمال المهرة والمتدربين فى هرم العمالة التكنولوجية.

إن نوعية "مشروع التعليم بجميع مراحله وبرامجه وهياكله " هو مشروع  النهضة وهو "مشروع المستقبل " وهو أساس "مشروع التصنيع والتكنولوجيا " وكل الأمم التى أنجزت بدأت بـ "مشروع التعليم " وأعطته الأولوية الأولى فى التمويل والإدارة والرعاية والتقويم بارتباط وتنسيق ورعاية مباشرة من القيادات السياسية.

ونتيجة للأسباب المذكورة سابقاً نشأ وضع عام أدى إلى وضع متردٍّ اتصف بالعجز والعقم عن الإنجاز التكنولوجى، وهذا  أدى إلى التخلف والضعف، وهكذا فى حلقات متسلسلة مفرغة من السىء إلى الأسوأ، فتجمعت الدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والتكنولوجية، وتقاطعت فى منطقة التخلف أفرزت الواقع الحالى الذى نعيشه.

ثانيا.. تشخيص الوضع الحالى:

1- ضعف الهياكل التنظيمية والنظم الإدارية للبحث العلمى وتطوير التكنولوجيا حيث أصبح البحث العلمى والابتكار التكنولوجى نشاطاً هامشياً وليس أولوية وطنية فى كل دول العالم الإسلامى، بسبب غياب التخطيط وفك الارتباط مع مشروع التنمية، مما نتج عنه غياب مفهوم البحث العلمى الحقيقى لتطوير التكنولوجيا وتوطينها.

2- ضعف التنسيق بين القيادات السياسية والقيادات العلمية والتكنولوجية لوضع سياسة وطنية مدروسة للأولويات فى امتلاك التكنولوجيا، بحيث تأخذ فى الاعتبار الاحتياجات اللازمة من تمويل وإدارة وقوى بشرية وتجهيزات وفترة حضانة وبرامج تدريب وتأهيل، مما نتج عنه سوء أوضاع مؤسسات البحث العلمى إدارياً ومالياً، وهذا أدى إلى عدم قدرتها على توفير ظروف معيشية تجعل العلماء والباحثين يشعرون بـ "الأمن المعيشى"، مما  يحفزهم على العمل ويجعلهم يحملون "الهمّ التكنولوجى" فيخلصون ويتنافسون فى تحقيق وإنجاز الآمال والطموحات الوطنية.

3- ندرة المراكز الوطنية المتخصصة فى البحث العلمى وغياب التخطيط والتنظيم لأعمالها، وضعف الإدارة والمتابعة والرقابة والمساءلة وتقييم نشاطاتها مما نتج عنه غُثاء و" كم " من البحث العلمى الذى لم يؤدّ إلى اختراع واحد له حضور فى التكنولوجيا المعاصرة.

4- ضعف البنية الصناعية وخلوها من مشروعات التصنيع الاستراتيجى الشامل المتكامل حسب خطة طموحة لامتلاك التكنولوجيا وبناء الصناعات الثقيلة، مع نقص شديد فى الخدمات الأساسية وهشاشية البنية التحتية من الصناعات التكميلية، كل ذلك أدى إلى صعوبة تطوير التكنولوجيا فى بلادنا.

5- غياب "المال الخاص " عن دعم نشاطات البحث العلمى وبناء التكنولوجيا، وألقيت المسئولية بكاملها على "المال العام " ولم تقم فى بلادنا الشركات الكبرى أو المؤسسات الخاصة التى ترعى البحث العلمى والتطوير الصناعى لاعتمادها على الشركات الأم فى الدول الصناعية لتوريد التكنولوجيا وخطوط الإنتاج كاملة مع قطع الغيار ودليل الصيانة وحقوق الامتياز.

ونادراً ما توجد فى مصانعنا مراكز للبحث والتطوير الصناعى بمستوى تعديل خطوط الإنتاج وتطوير الآلة وابتكار آلات أخرى، وإذا وجدت فهى لحل المشكلات اليومية ولحل مشكلات التصنيع الطارئة وبمساعدة الشركات الأجنبية المرتبطة بها.

فى ظل هذه الأوضاع بدأت الدول الصناعية المتقدمة فى فرض التنظيمات الدولية الملزمة:

مثل منظمة التجارة العالمية

( world Trade organization (WTO

والمنظمة العالمية للملكية الفكرية

(Intellectual Property Organization (WIpo world

وما يتبعها من اتفاقيات دولية رادعة، مثل:

اتفاقية التجارة المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية

(Trade Related Aspects of Intellectual Property Rights (TRIPS

واتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية

(  Paris Convention For the Protection of Industrial Property)

واتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية

(Perne Convention For the Protection of Literary & Artistic Works)

وغيرها من الاتفاقيات الدولية الملزمة التى تتحكم فى انتقال التكنولوجيا وإنتاجها واستخدامها وتعديلها وتوطينها.

وباعتقادى أن هذا هو التحدى الأكبر الذى يواجه العالم الإسلامى، فإما أن نبقى سوقا استهلاكيا تابعا للآخرين، ومخزنا بشريا يزود الأمم الأخرى بالخدم والأيدى العاملة الرخيصة والمواد الخام وليس له رأى فى مستقبل حياته وأجياله الحاضرة والمستقبلية، أو أن نبدأ بتحليل وفهم الأسباب الرئيسية التى أوصلتنا إلى هذا الوضع، وأن نبدأ الخطوة الأولى فى مسيرة الألف ميل، وهو وضع خطة استراتيجية بعيدة المدى لامتلاك التكنولوجيا، وأن نبنى بناء ذاتيا يضمن لنا وجودنا ويحقق لنا "أمن الجوع " و "أمن الخوف ".

ثالثا.. طرق المعالجة، الاقتراحات والحلول:

أما أهم مكونات هذه الخطة- باعتقادى- فهى كما يلى:

ا- العلم ليس له جنسية ولا يعرف الحدود الجغرافية ولكن التكنولوجيا المتقدمة لها جنسية وجواز سفر، ولا تقطع الحدود إلا بموافقة صاحبها وشروطه، والتكنولوجيا ترتبط بالسياسة بما فيها من هيمنة ونفوذ، وهذا يستدعى بناء علاقات تعاون وصداقة مع الدول المتقدمة بدلا من التوتر والاحتكاك والاتهام والصراع والمواجهة، فلا يمكن أن يتم نقل التكنولوجيا وتوطينها فى ظروف العداء والحروب.

إن فهم ما يدور حولنا فى هذا العالم من تحالفات سياسية وتكتلات اقتصادية، وفهم موازين القوى والمصالح بين الأمم، يفرض علينا أن نبحث عن أسلم الطرق للاستفادة من كل الفرص المتاحة وتقليل المخاطر إلى أدنى درجة ممكنة وأن نستفيد من العلاقات والاتفاقيات الثنائية مع الأطراف الدولية المتقدمة. كذلك يتطلب الأمر قيام المفكرين والعلماء فى بلادنا بتقديم الإسلام كدين إنسانى حضارى عالمى متسامح، يحترم الحضارات والثقافات الأخرى، ويدعو للحوار والإقناع للوصول إلى حقائق الإيمان فى الكون والحياة، مع إبراز البعد العالمى والإنسانى للإسلام، فهو يدعو للعالمية (الحمد لله رب العالمين ) (6)، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )(7) ومعظم خطاباته تنادى (يا أيها الناس ) (8)، (يا أيها الذين آمنوا) (9) ولم يقل فى أى آية "يا أيها الذين أسلموا" آو "يا أيها المسلمون "، وهو يدعو إلى التطوير والتصنيع وتسخير مواد الكون من مياه وبحار وما تحت الثرى لفائدة الإنسان وراحته.

وهذه دعوة فيها طمأنة للدول المتقدمة للتعاون مع العالم الإسلامى عندما تدرك أن كل ما يدعو له الإسلام هو "الإيمان الحقيقى" وأن العضوية فيه عالمية ومفتوحة للجميع، وأنه لا إكراه فى الدين.

وهذا يستدعى أن تأخذ الدول الإسلامية زمام المبادرة فتبدأ بإنشاء المؤسسات ومراكز البحوث والمجمعات الفقهية الجادة لمعالجة جميع القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية، بروح العصر وبرؤيا إسلامية راشدة بدلاً من ترك الأمور للجهل والتطرف والتنظيمات المشبوهة التى استعدت علينا العالم.

 2- بناء المجتمعات الإسلامية بناءً علمياً ديمقراطياً فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا والإدارة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن لا يصل إلى صناعة القرار إلا النخبة القادرة على إحداث التغيير المطلوب، من خلال بناء مؤسسىٍّ يقوم على القانون والنظام والمساواة بعدالة وشفافية. وهذا يتطلبَ قيام العلماء والمصلحين بدورهم فى حركة التنوير والحوار وتقبل الرأى والرأى الآخر والشورى واحترام التنوع، بحيث لا يسيطر اتجاه واحد أو رأى واحد أو شخص واحد على مستقبل أمة.

3- البدء الجاد فى بلورة رؤيا ووضع سياسات وخطط وطنية طموحة لامتلاك التكنولوجيا، ووضع جدول زمنى لنقلها وتوطينها، ودراسة جميع البدائل والاستراتيجيات حسب الأولويات الوطنية فى كل دولة إسلامية.

4- إعادة تخطيط وهيكلة مشروع التعليم فى جميع مراحله ابتداء من رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا النهائية وربطه مع مشروع التنمية من أجل توفير القوى البشرية اللازمة بالكم والكيف والكثافة والتناسب المطلوب فى هرم العمالة المطلوبة، وأن يتم التركيز على النوعية والتخصص، والتوسع العمودى فى الجامعات نحو الدراسات العليا بدلاً من الامتداد الأفقى وتخريج "كمّ " بشرىّ بلا عمل.

5- بناء المراكز الوطنية وهياكل البحث العلمى المتخصصة وتوفير الباحثين والخبراء المتفرغين لها فى مجالات التكنولوجيا المطلوبة، مع توفير التمويل اللازم والظروف الإدارية والمعيشية المحفزة على الابتكار والإبداع. وربط هذه المراكز بالقيادات السياسية، وإعطائها الأولوية فى التمويل والرعاية والمتابعة والتكريم لتحقيق أهدافها.

6- اعتماد مبدأ نقل التكنولوجيا المتقدمة من حيث انتهى الآخرون، دون إهمال بناء القدرة الذاتية فى جميع المستويات الأخرى، وما يلزمها من بنية تحتية متكاملة وصناعات تكميلية مساعدة، وهذا يسمى بالوثوب التكنولوجى ويطلق عليه اصطلاحاً "قفزة الضفدع ".

هنالك تكنولوجيا "مباحة" يمكن نقلها وهى تكنولوجيا الاستهلاك والخدمات، وهذه يسهل نقلها وتوطينها إذا توفرت الإرادة والعزيمة والتمويل الكافى والأيدى العاملة اللازمة والأطر الإدارية السليمة والربط مع مشروع التعليم، وذلك من خلال الشركات العالمية الكبرى الباحثة عن الاستثمار والربح.

أما التكنولوجيا "المحرمة" فهذه يصعب نقلها وهى التكنولوجيا الاستراتيجية، وتشمل تكنولوجيا السلاح والطيران والصواريخ والسفن والغواصات والاتصال والتكنولوجيا النووية، وأفضل طريقة للحصول عليها تتم من خلال البناء الذاتى المحكم بالإضافة إلى علاقات الصداقة مع الكتل السياسية الكبرى والأقطاب العالمية، من خلال الاستفادة من التوازنات السياسية فى العالم حسب مصالحها، كما فعلت الهند والصين والبرازيل وإسرائيل والباكستان فى بعض برامجها.

وبشكل عام، توجد عدة أساليب لنقل التكنولوجيا المتقدمة وأفضلها- فى اعتقادى- هو وجود شريك استراتيجى من الدول المتقدمة يملك أسرار التصنيع والتشغيل، ووجوده مهم جداً فى فترة الحضانة الأولى لأى تكنولوجيا نستوردها، وأن نعطيه جميع الضمانات والتسهيلات التى يطلبها، مهما كانت درجة المساومة والمقايضة ولكن دون التفريط فى الثوابت الوطنية للأمة. ومن المهم أن تشمل شروط النقل التدريب والاطلاع على كامل الأسرار العلمية وحقوق المعرفة والخرائط والمخططات ودليل التشغيل الفنى والمشاركة فى التصميم والتخطيط والإنشاء والتشغيل والتطوير فى جميع المراحل ولجميع خطوط الإنتاج.

7- الاستمرارية والمتابعة فى مؤسسات نقل وتطوير التكنولوجيا مهما كانت درجة الفشل، مع وجود نظم حازمة وعادلة للتقييم والمحاسبة والتحفيز والتكريم، وشحن العاملين بأهمية الإنجاز التكنولوجى والاعتزاز الوطنى.

 8 - بناء الخبرة الاستشارية الهندسية ( التصميمية والتنفيذية) وتوطينها من خلال المشاركة مع الشركات العالمية فى تنفيذ المشروعات الكبرى التى تنفذها داخل بلادنا كالمطارات والسدود والطرق وأعمال التنقيب عن الخامات المعدنية.

 09 التعاون الجاد فيما بين أقطار العالم الإسلامى فى إقامة المشروعات التكنولوجية الاستراتيجية المشتركة، وخاصة فى مجال التكنولوجيا العسكرية وتبادل المعلومات، وتعميم التجارب الناجحة. وهذا يستلزم إنشاء شبكة من خبراء العالم الإسلامى الموثوق بهم فى مجال التكنولوجيا والعلاقات العامة والدبلوماسية هدفها رصد أى تطور تكنولوجى فى العالم، وبذل أقصى الجهد فى متابعته والاطلاع عليه وكسر احتكاره.

10- الهندسة العكسية ( Re-engineering): عن طريق تفكيك التكنولوجيا وتقليدها وتصنيعها وإعادة تجميعها، وتصنيع قطع الغيار والمكونات الدقيقة لها، وهذا يستلزم إنشاء مراكز التصنيع الأولية التجريبيةManufacturing) (centers ،وتصميم الوحدات الريادية ((Pilot Units وتجريبها قبل بناء الوحدات الإنتاجية النهائية على نطاق تجارى (Commercial Unit )، بالإضافة إلى إقامة شركات الصيانة والتدريب للقطاعات التكنولوجية الاستراتيجية، واستئجار الخبراء من شتى أنحاء العالم لهذا الغرض. وهنا يدخل دور الجامعات ومراكز البحوث وطلبة الدراسات العليا من خلال البحث العلمى التطبيقى فى تطوير التكنولوجيا والاتصال المباشر مع أعمال التصميم والتنفيذ، ومعايشة المشكلات التى تنشأ على خطوط الإنتاج والمشاركة فى حلها.

11- تسويق المنتجات من البحوث التجريبية ومراكز التصنيع للاستفادة منها فى تمويل عمليات البحث والتطوير لأجيال متقدمة من التكنولوجيا (10).

وننتقل الآن لمناقشة قضية العولمة التى بدأ الحديث عنها بعد انهيار الاتحاد السوفيتى السابق كنظام عالمى جديد، والمقصود بهذا النظام أن هناك حضارة غربية قائمة لها قيم ولها معايير معينة، وعلى الجميع فى العالم أن يتواءم معها وأن يعتنق مبادئها ونظمها إذا أراد لنفسه مكاناً فى مسيرة العالم. وهذا يعنى أن تسود حضارة واحدة بقيمها ومثلها وأن يترسخ مفهوم العولمة أو القطب الواحد فى الأذهان وبذلك يختفى مفهوم التعددية الحضارية المتعارف عليه منذ فجر التاريخ.

 ومن ثم يصبح الخضوع لنظام العولمة أمر لا مفر منه، ولا فكاك لأى دولة فى العالم من أن تنضوى تحت لوائه، وإلا فإن الزمن والأحداث سوف تتجاوزها.

 ويعد نظام العولمة بالمفهوم المشار إليه من التحديات الكبرى التى تواجه العالم الإسلامى. فهل يمكن إخضاع الإسلام والمسلمين لهذا النظام حيث تختفى الحواجز الحضارية والثقافية فى العالم الجديد؟

إن حقائق الدين الإسلامى وطبيعته ووقائع التاريخ تبين أن الإسلام لا يمكن أن يذوب فى أى نظام آخر، فله ذاتيته المستقلة وكيانه الخاص. ولكن هذا التصور الإسلامى لا يتناقض مع أية كيانات أخرى، لأن التعددية الدينية والحضارية قد كفلها الإسلام منذ قامت للإسلام دولة وترسخت فى دستور المدينة الذى أعلنه محمد  صلى الله عليه وسلم .

وقد كانت الحضارات فى البلاد التى دخلها الإسلام روافد أثرت الحضارة الإسلامية فالإسلام يعتبر الحضارات إنجازاً إنسانياً، وإضافات للتراث الإنسانى الذى هو بطبيعته أخذ وعطاء، ولا توجد أمة عريقة فى التاريخ إلا وقد أعطت كما أخذت من هذا التراث.

وإذا كان الأمر كذلك فإن هدف نظام العولمة يعد مناقضاً لطبيعة الأمور، فلا يمكن أن تذوب السمات الحضارية الأساسية للشعوب وبخاصة الشعوب العريقة التى لها بصمات حضارية لا تمحى فى سجل التاريخ، والإسلام إذ يُقر التعددية الدينية والحضارية فإنه من ناحية أخرى يقر فى الوقت نفسه بأن هناك قواسم مشتركة بين كل الحضارات، وهذه القواسم المشتركة تعد المدخل الحقيقى للتعاون بين الحضارات وليس الصراع فيما بينها.

ومن هنا تأكيد القرآن الكريم على أن الاختلافات بين الشعوب لا يجوز أن تكون عائقاً أمام التعارف والتآلف والتعاون بين الأمم والحضارات. كما سبقت الإشارة إليه فى الآية الكريمة ( وجعلناكم  شعوبا وقبائل لتعارفوا) (11).

 ومن ذلك يتضح أن الإسلام سيقف صامداً أمام كل محاولة لتذويبه فى أية حضارة أخرى أو أى نظام عالمى جديد. ولكنه فى الوقت نفسه سيظل دائماً على استعداد لأن يكون شريكاً لأى نظام عالمى يسعى إلى خير الإنسان وتقدمه وازدهاره (12).

ونلاحظ الآن التكتل وقد بدأ يطفوا على سطح الأرض، فأوروبا أصبحت موحدة اقتصاديأ وأمريكا الشمالية والجنوبية كذلك إلى حد كبير والصين وروسيا وبعض الدول الآسيوية ثم بدأ شرخ فى اقتصاديات النمور الآسيوية وما حدث من انهيار فى اقتصادياتها بمشاركات غربية غير منظورة وساعد على ذلك بعض أخطاء اقتصادية فى النظم المصرفية والمالية والائتمانية.

والسؤال الآن بعد التكتلات التى تسود العالم والاندماجات التى تحدث بين أكبر الشركات والبنوك العالمية والتى أصبح نفوذها يعم العالم عبر القارات والاتصالات والأقمار والتجسس وخلق المشاكل فى الدول الفقيرة والنامية.

       والسؤال هنا ما موقف العالم الإسلامى لمواجهة هذه التيارات الفكرية التى تحكم العالم بالسيطرة؟

الصورة التى نراها أننا نعيش فى الماضى ونحلم بما فعله أجدادنا وما كان عليه الإسلام منذ امتد إشعاعه حتى غمر العالم كله فى أقل من قرن وغزت حضارته وقيمه الدول التى اعتنقت به عن رغبة واقتناع وساد ذلك مئات السنين ثم بدأ ينقشع النور ودب التفتت والصراع والاختلاف فى الرأى. بدلا من التعاون لما فيه صلاح الجماعة. ولا سبيل لمواجهة ما نعيش فيه الآن من تفسخ وانصراف عن الدين وعن التمسك بقيمنا وتراثنا إلا الاتحاد والتركيز على أسس التفاهم فى الأصول الدينية ونبذ الخلافات الفرعية وأن نكون يدا واحدة لمواجهة العولمة التى بشر بها الغرب والتى تسعى إلى تحجيم دور الدولة فى العالم وإبراز دور الشركات والبنوك العالمية والتى تعمل عبر القارات لتفرض هيمنتها مستخدمة الأدوات التى زرعها الغرب فى العالم مثل مؤسسة التجارة العالمية (الجات) والبنك الدولى وصندوق النقد والتوسع فى النشاط المعلوماتى والإنترنت وساعدها على ذلك هيمنتها على مجلس الأمن والصحافة العالمية ووسائل نقل المعلومات لبث أفكارها ونشر قيمها لكى تصبغ العالم بالأسلوب الذى يمكنها من غزو العالم ثقافيا وسياسيا وفرض مقوماتها الاقتصادية وعاداتها المعيشية لتفرض على العالم سلعها وبضائعها وخدماتها.

وقد ثبت أن مدخل تحرير التجارة ليس هو المدخل الأهم لتحقيق استفادة حقيقية من كافة الدول الإسلامية مع بعضها البعض وأن المدخل الأكثر ملاءمة للعالم الإسلامى يتمثل فى التوسع فى الاستثمارات المشتركة لأن معظم واردات الدول الإسلامية غير متاحة حالياً إلا من الدول الغربية، ولزيادة حجم التجارة البينية يجب التوسع فى الاستثمار وزيادة الإنتاج بين الدول الإسلامية، من هنا تبدو أهمية التوسع فى الاستثمارات سواء من جانب الحكومات أو رجال الأعمال والقطاع الخاص وهذا أيضاً يؤدى إلى تخفيف عنصر المخاطرة إلى حد كبيركما يساعد على انسياب مئات البلايين من الدولارات من العالم الغربى إلى الدول الإسلامية النامية ويساعد على التوازن الدولى الاقتصادى.

ومن الضرورة الإسراع فى ذلك حتى نواجه العولمة، والمقصود الحقيقى للعولمة هو "التدخل فى الشئون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والسلوكية بصرف النظر عن الحدود السياسية للدول " وذلك عن طريق ابتداع مؤسسات وشركات وبنوك عابرة للقارات تمكن الغرب من تحقيق ذلك، وفى هذا السبيل شاركت دول الغرب فى إيجاد مؤسسات مختلفة تساعد على تحقيق هذه السياسة هى البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ومنظمة التجارة العالمية (الجات) ونظم المعلومات والإنترنت ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

نتيجة لما تقدم فإن الهدف هو أن تحل المؤسسات عابرة القارات محل الحكومات فمثلا لا نقول على سلعة ما إنها صنعت فى مصر أو فى الإمارات ولكن حتى لو صنعت فى هذين البلدين فكل ما يكتب هو (صنع فورد أو مرسيدس أو IBM ، أو توشيبا أو ماركة الشركة المنتجة) أى استعلاء الشركة على الدولة. يأتى بعد ذلك موضوع له خطورته وهو الانفتاح على العالم طبقا للعولمة من الناحية الثقافية أى ما تلعبه وسائل الإرسال والبث العملاقة فى غسل الأدمغة وتطبيع العقل الإسلامى للتفكير الغربى. ويأتى ذلك عن طريق وسائل الإذاعة والأقمار الصناعية والصحافة والكتب والسينما وأثرها على سلوك وتفكير المواطن فى الوقت الذى سلب فيه حق الدول فى المنع أو الاختيار إلى حد كبير ولعلنا لا ننكر الإباحة والجريمة وعدم احترام قواعد السلوك العائلى والخيال الضار والذى لا يحترم القيم والمبادئ.

ولكن المهم هنا لا أن نحارب العولمة فهذا ما ليس بيدنا ولا بيد غيرنا ولكن علينا أن نحمى أنفسنا منها بالاتفاق والاقتناع بضرورة أن نقف يدا واحدة واتخاذ إجراءات تحمينا منها فبالنسبة للناحية الثقافية علينا أن نحمى شبابنا ونقوى عقيدته وسلوكه وأن نبث فيه الحصانة والمناعة التى تحول دون أن يقع فى براثن هذا الأخطبوط الخطير الذى هو ضد ديننا وأخلاقنا وسلوكنا ولدينا فى ذلك كل الوسائل بدءا من الأسرة والمدرسة والصحافة والتليفزيون وحسن اختيار ما يبثه الراديو والسينما. ومن أهم الأمور التى يجب أن تؤخذ فى الاعتبار لتخفيف أضرار العولمة على الدول النامية ومن بينها الدول العربية أهمية التوسع فى الاتفاقات الخاصة بتسهيل تبادل السلع والخدمات سواء بالنسبة للسوق العربية المشتركة أو السرعة فى خلق مناطق حرة مشتركة تسمح بالتوسع التجارى والتعرف على إنتاج الدول وبعضها وذلك حتى لا نقع فيما يدبر لنا من تهميش الدور الاقتصادى  والسياسى للعرب (13).

ننتقل إلى موضوع أخير لنتعرف على ماهيته وآثاره وكيف نتغلب على آثاره السلبية التى نتجت عن استعمال التكنولوجيا وهو موضوع البيئة، فنحن نسمع من حين لآخر فى أجزاء متفرقة من العالم عن كوارث بيئية أشهرها كارثة تشيرنوبل وما نتج عنها من آثار وصلت إلى أجزاء بعيدة عن مكان الحادث الأصلى،  وهناك أخطار تحيط بالبيئة نتيجة استعمال التكنولجيات المختلفة خصوصا التكنولوجيات النووية، أو نتيجة سوء استخدام التكنولوجيات القائمة أو نتيجة التخلف فى بعض البلاد، وإذا كانت ثورة المعلومات والاتصالات قد هدمت كل الحواجز والسدود فإن أحد آثارها السلبية أن هذا العالم لم يعد فيه مكان  آمن من أى حدث يحدث فى مكان آخر، ولم يعد فى مقدور أحد مهما كان غناه ومهما كانت قوته أن يقابل آثار الفقر المدقع أو المجاعة أو أى كارثة بيئية أو اختلال خطير فى الأمن يبعد عن مكان وطنه بآلاف الأميال. تلك حقيقة مستقرة وبذلك فإن ما يحدث من أخطار تحيط بالبيئة فى أى مكان فى العالم تعنينا فى المقام الأول لأننا معرضون مثل غيرنا لهذه الأخطار، وبعض هذه الأخطار قد لا يكون نتيجة سوء الاستخدام أو نتيجة عدم الدراية فى بعض الأحيان ولكن نتيجة تغيرات بيئية أو نتيجة تغيير نوع أو نمط الحياة.

فالمراقبون لدرجة حرارة الأرض فى القرن الماضى والحالى يجدون أن هناك زيادة مضطردة فى درجات الحرارة. وهناك حسابات علمية تقدر أن هناك ارتفاعا متوقعا فى حرارة الأرض يتراوح بين درجة ونصف إلى أربع درجات فى المستقبل القريب، وهذا كفيل بارتفاع مياه البحر، وإذا ارتفعت مياه البحر مترا واحدا فالآثار التى تترتب على هذا الارتفاع تشمل غرق من 12 - 15% من أرض الدلتا والأراضى الزراعية وتشريد ما يقرب من 10 ملايين مواطن. وهناك عشرات من الأمثلة على التغيرات التى يمكن أن تحدث فى البيئة وعلى آثارها الخطيرة على المجتمع (14).

ويعتبر الإنسان هو المشكلة الرئيسية للبيئة فهو يضع نفسه خارج النظام البيئى ويعتبره ملكيته، ويتصرف فيه حسب هواه فإن أراد الإنسان خشبا أزال غابة وإذا أراد مرعى، سمح للمواشى بالتهامه كاملا وإذا ذهب للاصطياد فى البحر اصطاد عشوائيا وإذا رأى سربا من الطيور المهاجرة تلذذ بإطلاق النار عليها. وقد برزت مع الثورة العلمية والتكنولوجية تقنية تلوت البيئة لأن الانسان فى عصر ما قبل الثورة الصناعية لم يتعرض لمشكلة التلوث لأن كل متخلفات نشاطه كانت مما تستطيع الدورات الطبيعية للأنظمة البيئية أن تستوعبه.

وهنا تقسيم للملوثات حسب السبب: ملوثات طبيعية من مكونات البيئة نفسها كغازات البراكين وملوثات مستحدثة نتيجة ما استحدثه الإنسان من تكنولوجيا وهى النفايات الصناعية.

وهناك تقسيم للملوثات حسب المسبب:

ملوثات بيولوجية: وهى الأحياء التى إذا وجدت فى مكان أو زمان أو كم غير مناسب تسبب أمراضا للإنسان أو الحيوان أو النبات مثل الفيروسات والبكتريا والحشرات والأعشاب.

ملوثات كيماوية مثل المبيدات وغازات الحرائق والمصانع والسيارات وأتربة المصانع والكيماويات السائلة.

ملوثات فيزيائية: مثل الضوضاء والحرارة الشديدة والإشعاع (15).

ويتمتع الإسلام بنظرة أعمق وأوسع للبيئة حيث طالب الإنسان أن يتعامل مع البيئة من منطلق أنها ملكية عامة يجب المحافظة عليها حتى يستمر الوجود. قال تعالى: (ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ) (16).

ويحفل القرآن الكريم بالكثير من الآيات التى تؤكد على أن الله هو وحده خالق البيئة ومنظمها، وهو الذى وضع النواميس التى تكفل حفظ التوازن البيئى.

 إن كل ما خلقه الله فى البيئة قد خلق بمقادير محدودة وصفات معينة بحيث تكفل لها هذه المقادير وتلك الصفات القدرة على توفير سبل الحياة الملائمة للإنسان وغيره من الكائنات الحية الأخرى التى تشاركه الحياة على الأرض، وما أجمل القرآن الكريم حينما يلخص حكمة الاتزان فى البيئة بقوله تعالى: ( إنا كل شىء خلقناه بقدر) (17).

فكل شىء خلق بمقدار بحسب علمه سبحانه وتعالى، وهو وحده الذى يعلم أن هذا القدر هو الذى يكفل لأى مكون أو عنصر من عناصر البيئة أن يؤدى دوره المحدد والمرسوم له فى صنع الحياة فى توافقية انسجامية غاية فى الدقة والاتزان وتجرى الحياة فى هذا الكون بصفة مستمرة خلال سلسلة من عمليات التولد والموت والتحول. فالحيوانات حين تموت، تتحلل أجسادها إلى التراب، وتقوم النباتات باستخلاص المواد الغذائية من التراب لتحولها إلى أوراق وثمار وبذور يعتمد عليها الإنسان والطير والحيوان فى غذائه، تستمر عملية الموت والتحول والحياة وفقا لما قدره الخالق عز وجل.

وترتبط نظافة البيئة فى الإسلام ارتباطا مباشرا بمفهوم الطهارة كما ورد فى القرآن والسنة، حيث يغطى هذا المفهوم الاحتياجات الخاصة بالنظافة، إضافة إلى جملة اشتراطات ومواصفات أخرى تؤهل البيئة وعناصرها لأداء مهام محددة تتعلق بحياة الإنسان الدينية والدنيوية.

وتكتسب الطهارة أهمية خاصة فى الدين الإسلامى لارتباطها بأهم الواجبات الدينية للمسلم المتمثلة فى الصلاة. وقد وردت مادة الطهارة واشتقاقاتها المختلفة فى 31 موضعا بالقرآن الكريم وساد مفهوم التطهر من النجاسات والأقذار ما يقرب من نصف تلك المواضع.

وتلك الطهارة تُعد مبدأ من المبادىء الأساسية فى الإسلام فلقد خلق المولى- عز وجل- العالم وأحاطه بالجمال. وعلى البشر أن يعكسوا ذلك الجمال من خلال النظافة والهيئة الحسنه  (18).

وقد وردت الطهارة فى القرآن الكريم بمعنى الطهارة من عبادة الأوثان وقول الزور وطهارة القلب وطهارة المال فلا يدنس بحرام، والطهارة من الفاحشة والزنا. وتشمل الطهارة نظافة البدن والثوب والمكان والماء.

المراجع

 (1) د. زكى نجيب محمود ، قيم من التراث ، ص 29 1، 130، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة

 999 1م .

(2) سورة المجادلة 11.

(3) سورة الزمر 9.

(4) أ. د. حسن عباس زكى- محاضرة بعنوان العولمة ص 17.

(5)  د. محمد عبدالعليم مرسى- ميسرات البحث العلمى عند المسلمين  ص 15 الرياض ، 1988م .

(6) سورة الفاتحة 2.

(7) سورة الأنبياء107.

(8) سورة الحجرات 13.

(9) سورة الحجرات ا.

(10) د. عبد الرحمن التميمى- نطرة تحليلية على تقرير التحديات العلمية التى تواجه الأمة الإسلامية. ص 12 ، عمان  1999 م .

(11) الحجرات 13.

(12) د. محمود حمدى زقزوق- مفاتيح الحضارة وتحديات العصر- ص 62- 64 القاهرة 998 1م.

(13) أ. د. حسن عباس زكى- محاضرة العولمة- ص 1- 5.

(14) د. حسين كامل بهاء الدين. الجامعات وتحديات العصر- القاهرة ، 995 1م.

(15) د. مجدى علام ، الإعلام البيئى ص 8. 

(16) سورة الأعراف آية 85.

(17) سورة القمر آية 49.

(18) محمد عبدالقادر الفقى- البيئة مشاكلها وقضاياها، حمايتها من التلوث- ص 2 21 القاهرة 1999م.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع