الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الثاني عشر :الإسلام ومتغيرات العصر
 
أهمية التكنولوجيا فى العالم الإسلامى

أهمية التكنولوجيا فى العالم  الإسلامى

وعلاقات التعاون بين مصر والعالم الإسلامى

أ. د. مفيد شهاب

وزير التعليم العالى والدولة للبحث العلمى- مصر

يسعدنى غاية السعادة أن أشهد معكم اليوم هذا اللقاء الهام، الذى يأتى فى افتتاحية المؤتمر العام الثانى عشر الذى يقيمه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف، والذى أحرص كل الحرص على حضوره، ومتابعة أعماله، وتوصياته، شاكراً للقائمين عليه كريم دعوتهم لى، وراجياً أن يحقق الأهداف المأمولة منه. ولاشك أن الموضوع الذى تم اختياره لهذا المؤتمر يُعد فى غاية الأهمية، لأنه يهدف إلى نهضة العالم الإسلامى من خلال بلورة مشروع حضارى متكامل يقوم على أسس راسخة، ويضع فى اعتباره ما طرأ على الساحة الدولية من متغيرات، سياسية واقتصادية وثقافية، كان لها تأثيرها المباشر على القيم الأخلاقية والاجتماعية.

ومن الملاحظ أن العالم الإسلامى يضم  اليوم ما يزيد على المليار نسمة، وهى قوة بشرية هائلة، تمتد من المحيط الهادى فى إندونيسيا حتى المحيط الأطلسى فى المغرب وموريتانيا، محتلاً بذلك الحزام الأوسط من العالم، ومسيطرا على مساحات شاسعة من الأراضى والسواحل والطرق البحرية والمياه الإقليمية وإلى جانب هذه الكتلة البشرية الضخمة توجد أعداد أخرى فى كل من أوروبا، وأمريكا، واسترا ليا.

وإذا كان العالم الإسلامى يضم العديد من البلاد التى تنتمى فى مجملها إلى مجموعة الدول النامية، فإن عددا آخر من تلك البلاد يقع فى منطقة الدول المتقدمة، كذلك فإن عدداً من بلدان العالم الإسلامى قد أصبحت مهيأة تماماً للنهضة التى ترتكز أساسا على التقدم العلمى، والتطور التكنولوجى. وهذا يثبت عملياً فشل الفكرة التى شاعت طوال القرن التاسع عن المسلمين بأنهم شعوب غير مؤهلة للتقدم الحضارى، وهى مثل أفكار أخرى خاطئة روجها البعض عن الإسلام، وكان من بينها أنه دين يعادى العلم والمدنية، مع أنه الدين الذى دعا المسلمين منذ أول آية نزلت فى القرآن الكريم إلى القراءة، والحث على طلب العلم المكتوب بسم الله الرحمن الرحيم : ) اقرأ باسم  ربك الذى خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم (  سورة العلق: الآيات 1: 4.

إن العالم الإسلامى يمتلك من مقومات النهضة ما يمكنه من أن يصبح قوة كبرى لها مكانتها على المستوى الدولى،  وذلك بفضل ما يشتمل عليه من كفاءات بشرية، وإمكانيات اقتصادية، وثروات طبيعية.. لكن هذه المقومات لا تتوافر كلها فى بلد إسلامى واحد، وإنما تتوزع بين بلاد مختلفة. وتبقى خطوة واحدة للتنسيق بينها من أجل إحداث التكامل الذى يؤدى إلى النهضة، ويكفى أن أشير هنا إلى أن العالم الإسلامى ينتج تقريباً نصف ما يحتاجه العالم من البترول، وحوالى 40% من المواد الخام، بينما تحتوى بعض بلدان العالم الإسلامى على كفاءات بشرية، وعقول تستطيع- إذا ما توافرت لها كل من الإمكانيات المادية والأجهزة المعملية والبحثية- أن تحقق طفرات هائلة من التقدم والازدهار.

 واسمحوا لى أن أركز حديثى معكم حول البحث العلمى  والتنمية التكنولوجية كمدخل ضرورى لتقدم العالم الإسلامى.

لاشك أن اجتياز التحديات الحالية والقادمة التى تواجهها مجتمعاتنا الإسلامية يتوقف- فى المقام الأول- على مدى نجاحها فى مواكبة التطور العلمى، واللحاق بركب التكنولوجيا المتقدمة. ومن الثابت تاريخياً أن التقدم العلمى والتكنولوجى كان هو العامل الرئيسى فى حدوث الفجوة الهائلة بين مجموعة الدول المتقدمة وغيرها من سائر الدول الأخرى، كما أنه ما يزال يقف وراء الانطلاقة الكبرى التى حققتها فى الآونة الأخيرة دول النمور الآسيوية بدءاً من اليابان وانتهاء بماليزيا وأندونيسيا وتايلاند.

لقد شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية وهى مرحلة التهيؤ لاستقبال القرن الحادى والعشرين- نشوء نظام عالمى جديد تميز بالمزيد من الانفتاح، وتهاوت فيه الكثير من الأطر القديمة، والحواجز التقليدية، وأصبح العالم يتجه إلى نوع من الطبقية الرهيبة بين الدول، تتفاوت درجاتها من حيث مستوى المعيشة، ونوعية الحياة، والفيصل هنا على وجه القطع هو التقدم العلمى والقدرة التكنولوجية.

إن التحول إلى اقتصاديات السوق، وحرية التجارة، بالإضافة إلى الحفاظ على البيئة، والموارد الطبيعية كأساس ضرورى للتنمية المتواصلة كل ذلك قد فرض مدخلات جديدة لا سبيل إلى اقتحامها إلا بتطويع نتائج العلم، وتطوير التكنولوجيا حتى يتحقق لأى بلد فى ظل المنافسة العالمية القدر الضرورى من مقومات السبق، فضلاً عن عوامل البقاء والاستمرار.

وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن أحد العوامل الرئيسية فى اتساع الفجوة القائمة بين الدول المتقدمة والدول النامية إنما يرجع- فى المقام الأول- إلى أن الدول النامية على الرغم من أنها تضم (80%) من سكان العالم، لا يتجاوز مجمل إنفاقها على البحث العلمى والتطوير التكنولوجى (4%) من مجموع الإنفاق عليهما. كذلك فإن ما يتوافر للدول النامية من العلماء والمهندسين لا تزيد نسبته عن (4 ا%) من المتاح على المستوى العالمى.

ومن الواضح أن هذه النسب المتفاوتة تفرض على الدول الإسلامية تحديات كبرى، تتمثل أولاً: فى ضرورة وسرعة اختزال الهوة الواسعة بينها وبين الدول المتقدمة فى مجالات البحث العلمى والتطور التكنولوجى. وثانيا: فى توجيه الكفاءات والقدرات العلمية والتكنولوجية المتاحة لها إلى حل مشكلات الواقع، والإسهام بفعالية فى دفع عملية التنمية.

 وثالثاً: فى مواصلة الجهود من أجل تقدم البحث العلمى وتطوير وتوليد أنواع جديدة من التكنولوجيا ؛ التى تتلاءم مع ظروف المجتمع الاقتصادية والاجتماعية.

ومن المؤكد أن اجتياز هذه التحديات يتوقف على توافر وعى عميق، تدعمه استراتيجية متكاملة تتحدد فيها الأهداف، وتتدرج الخطط، وترتب المشروعات الكبرى حسب أولوياتها، ولابد أن تصحب ذلك كله طفرة كبرى فى مجال الإدارة، وأساليب التنفيذ، وطرق المتابعة، ومعايير التقييم.

من هنا فإن دعم القاعدة العلمية فى المجتمعات الإسلامية والتوجيه إلى بناء قدرة تكنولوجية متطورة، يعدان من أهم الأهداف الاستراتيجية التى ينبغى أن نلتف جميعا حولها، وأن نجعلها دائما نصب أعيننا، ونحن نتقدم فى مسيرتنا نحو تحقيق التنمية الشاملة لمجتمعاتنا، وإرساء  دعائم  السلام والاستقرار فيها.

إن العلم لم يعد حكراً على أحد. والتكنولوجيا أصبحت فى إمكان كل من سعى بجد للحصول عليها. وفى يقينى أن المجتمعات الإسلامية بقاعدتها الراسخة- مؤهلة تماماً لكى تصبح فى مصاف الدول المتقدمة علمياً، وقادرة على أن تمتلك- لا أن تنقل فقط- التكنولوجيا المتطورة.

ويستند الإطار الاستراتيجى للبحث العلمى والتنمية التكنولوجية على عدة مقومات، أهمها:

1- إن البحث العلمى والتكنولوجيا ضرورة حياة وقاطرة تقدم لمجتمعاتنا فى كل مجالات نشاطها، لذلك ينبغى أن يكون تحت إشراف وتوجيه الدول، وأن تشارك فيه كل الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة.

2- إن البحث العلمى والتكنولوجيا استثمار حقيقى بكل معنى الكلمة، لذلك فإن كل جهد يبذل فيه، أو تمويل يقدم إليه سوف يحقق عائدا مباشرا على أصحابه، وعلى المجتمع كله.

3- إن البحث العلمى والتكنولوجيا لا يتطوران إلا بالتواصل الوثيق مع مراكز البحوث العالمية. لذلك لابد أن تفتح أمامها كل النوافذ حتى يتوفر لها الاحتكاك المباشر الذى يصقل الخبرة، ويؤدى إلى مزيد من المنافسة.

4- إنه فى نفس الوقت الذى نتجه فيه إلى امتلاك التكنولوجيا المتطورة، عالية الكثافة، ينبغى أن نعمل على تطوير تكنولوجيا محلية تتلاءم مع البيئة، وتتمشى مع احتياجاتنا وظروفنا الاقتصادية والاجتماعية.

5- إنه لا ينبغى أن يحدث انفصال بين البحث العلمى والتنمية التكنولوجية لأنهما عنصران متكاملان عضوياً، بل هما فى الحقيقة وجهان لعملة واحدة، والاندماج بينهما ضرورى ولازم.

6- إنه ينبغى أن نتحول من فلسفة جعل البحث العلمى والتكنولوجيا جزءاً من التعليم إلى جعل التعليم رافداً أساسياً لهما، ولذلك ينبغى أن يتطور التعليم الأساسى والتعليم العالى والجامعى لكى يهيئ العقلية التى يتوالد فيها البحث العلمى، وتنمو التكنولوجيا.

لقد أصبح من المقرر أن التحدى الأساسى الذى تواجهه الدول الإسلامية هو امتلاك وسائل العلم الحديث، والقدرة على استخدام التكنولوجيا المتطورة، ومن المؤكد أن كلاً منها يُعد جواز المرور للبقاء والصمود فى عالم القرن الحادى والعشرين، الذى أصبحت المنافسة فيه قائمة على امتلاكهما، وحسن إدارة واستغلال كل منهما، وإذا كنا نسعى اليوم فى التقدم على طريق التعليم، وعلى طريق البحث العلمى، فلسنا فى هذه الميادين غرباء أو وافدين، بل إننا أصحاب حضارة إنسانية أدهشت العالم بروائعها، وأصحاب جامعات من أقدم وأعرق جامعاته، ولدينا العديد من الطاقات والكفاءات البشرية، والإمكانيات العلمية التى تؤهلنا تماماً لتحقيق أهدافنا فى التقدم العلمى والبناء والتنمية.

وليس فى وسع أحد أن ينكر ما حققه العلم للإنسانية من وسائل الراحة، وأنه قد مهّد لها أسباب الرخاء والرفاهية، فمن خلال إنجازاته المتراكمة استطاع الإنسان أن ينعم بالأمان والاستقرار، وأن يوفر الكثير من الوقت والمجهود العضلى،  ولكن العلم فى نفس الوقت وضع فى يد الإنسان من وسائل الفتك وأسلحة الدمار ما أصبح يمكنه من إفساد حياته الآمنة، وتشويه جمال الطبيعة من حوله.

وهذا يجعلنا نستنتج أن العلم سوف يظل مجرد وسيلة فى يد الإنسان، وليس قدرا متسلطا عليه، فالإنسان كان وما يزال هو صانع العلم ومطوّعه فى خدمة أغراضه، سواء كانت خيّرة أو شريرة. من هنا تأتى الأهمية القصوى للشرائع السماوية، والأعراف الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، لكى تنبّه الإنسان إلى ضرورة أن يضبط مسيرة العلم، وأن يرشّد خطاه إلى ما فيه خير الإنسان، وفائدة البشرية.

واسمحوا لى أن أشير إلى مثال واحد، فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة فى مجال العلوم البيولوجية وتقنياتها ثورة لا تقل خطراً إن لم تزد عن القوة النووية. وقد ساعد فى قيام هذه الثورة التطورات المتلاحقة فى التكنولوجيا، والتى كان من نتائجها ظهور فروع وتخصصات حديثه فى ميدان البيولوجيا من أهمها: علم الأجنة، والإخصاب الصناعى، والإخصاب خارج الرحم، وبنوك الأمشاج، وتأجير الأرحام، والإجهاض، وقضايا الهندسة الوراثية مثل التحكم فى جنس الجنين، أو الصفات الوراثية، والتحكم فى الإنجاب، والتحول إلى الجنس الآخر، وزراعة الأعضاء البشرية، وأخيرا.. الاستنساخ البشرى عن طريق الخلية الجسدية. والمتأمل فى حقيقة هذه الثورة البيولوجية وأبعادها لن يخطئه الحكم بأن المسلمين فى أشد الحاجة إلى متابعة نتائجها بكل يقظة، واتخاذ ما يلزم نحوها انطلاقاً من ثوابت الإسلام، وعلى هدى من تعاليمه ومبادئه.

وفى الختام، أود أن أنبه إلى أن المسلمين من حقهم أن يعتزوا بدينهم الحنيف، الذى وضع بين أيديهم دستوراً خالداً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسيرة نبوية عطرة، تمتلىء بالكفاح والعمل من أجل خير الإنسان فى دنياه وآخرته،  وتراثأ إنسانيا يزخر بالروائع فى مختلف مجالات العلوم والآداب والفنون.

السيدات والسادة:

أصدق تمنياتىلأعمال هذا المؤتمر العام بالنجاح، راجياً أن تدور جلساته ومناقشاته فى جو علمى مثمر، وأن يحقق النتائج التى نتوقعها له.

وفقكم الله، وسدد على طريق الحق والخير والعلم خطاكم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..،

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع