كلمة
أ.د.محمود
حمدى زقزوق
وزير
الأوقاف- رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
الأخوة
الأعزاء:
إن المرحلة التى
يعيشها عالمنا الإسلامى المعاصر تعد مرحلة من أخطر
المراحل فى تاريخ المسلمين، نظرا لاختلاف الظروف
والتطورات التى يشهدها العالم اليوم، والتى لا نجد لها نظيرا فى السابق.
فبعد الحروب
الساخنة والباردة التى شهدها العالم فى القرن العشرين طرأت مرحلة جديدة شهدت ثورة هائلة فى عالم المعلومات والاتصالات والإنجازات التكنولوجية. وبدأ
تيار العولمة فى المجالات الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية والثقافية يفرض نفسه فى كل أركان الدنيا.
والعالم الإسلامى
ليس بعيدا عن ذلك كله، فعالم اليوم لم يعد فيه مكان للانعزال أو التقوقع، وما يحدث
اليوم فى أى مكان فى العالم يتردد صداه فى كل أرجاء
المعمورة، والعالم الإسلامى لم يشارك- للأسف الشديد- فى الإنجازات التى تحققت فى عالم المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية، ولكنه- فى أفضل الأحوال وفى الأعم الأغلب- ظل مستهلكا لأفكار العصر
ومنتجاته، وهذا بطبيعة الحال لا يليق بأمة لها رصيدها الحضارى
الذى يعرفه العالم، والتى
قدمت للإنسانية كلها عطاء علميا وحضاريا لا يستطيع أحد إنكاره.
ولكن الظروف قد تغيرت، وأصبح
العالم الإسلامى اليوم يقف فى
مفترق الطرق، وعليه أن يختار لنفسه أى طريق يسلك،
فالعالم يسير بسرعة مذهلة، ولم يعد هناك مكان للمترددين أو الخائفين، فالزمن
سيتجاوزهم، والتاريخ لن يقف طويلا عندهم.
ومن هنا فإن
على المسلمين أن يبذلوا جهودا مضاعفة للحاق بركب العصر، ولا يجوز أن يرتضوا
لأنفسهم أن يظلوا فى مقاعد المتفرجين أو المستهلكين
لمنتجات العصر وأفكاره، بل يجب عليهم أن يتجاوزوا هذه المرحلة إلى المشاركة
الفعلية فى التطورات العلمية والإنجازات التكنولوجية،
والتفوق فى هذه المجالات، لإثبات وجودهم، حتى يضمنوا
لأنفسهم مكانا على خريطة العالم فى القرن الجديد.
إن السباق المحموم الذى يشهده العالم المعاصر يحتم على المسلمين أن يستيقظوا من
غفوتهم، وأن يراجعوا مواقفهم، ويقيموا خطواتهم، ويدركوا تماما ما يحيط بهم من
تطورات ليقرروا لأنفسهم ما هم فاعلون.
ولسنا نريد فى
هذه المناسبة أن نرسم صورة متشائمة لمستقبل عالمنا الإسلامى،
فالتسلح بالإيمان والثقة بالنفس والإصرار على بلوغ الأهداف بعزيمة لا تلين، وإرادة
لا تعرف الضعف أو التردد، كلها أمور من شأنها أن تصنع ا لمعجزات.
واجتماعنا اليوم فى هذا المؤتمر الاسلامى الكبير
ليس إلا تعبيرا عن هذا الإصرار على الخروج من النفق الضيق إلى عالم العلم والمعرفة
الأرحب.
الأخوة
الأعزاء:
لعلكم تلاحظون أننا عند اختيار
الموضوعات التى تطرح للمناقشة فى
المؤتمرات السنوية للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية نضع فى
اعتبارنا أمرين مهمين:
أولا: التركيز على مناقشة
الموضوعات الحية والقضايا المعاصرة التى تعيش معنا
ونعيش معها، وبصفة خاصة تلك الموضوعات التى لها أهمية
كبيرة فى تشكيل مصير ومستقبل الأمة الإسلامية فى العالم المعاصر.
ثانيا: اختيار الموضوعات التى لا خلاف عليها بين مسلم ومسلم على امتداد أمتنا
الإسلامية، والبعد تماما عن القضايا الهامشية التى تثير
خلافات من شأنها تعطيل مسيرة الأمة نحو التقدم والازدهار.
رقد ركزنا فى
مؤتمر هذا العام على قضية مصيرية للامة الإسلامية فى عالم اليوم، وهى قضية توطين التكنولوجيا فى العالم الإسلامى، وما يرتبط
بذلك من تغيرات فى مجال القيم الاجتماعية والأخلاقية،
وذلك كله فى إطار الموضوع العام الذى
تم اختياره لمؤتمر هذا العام وهو "الإسلام ومتغيرات العصر".
وقد حاولنا فى
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن نغطى هذا الموضوع عن طريق محاور أربعة حول:
الفكر الإسلامى ومتغيرات العصر، والإسلام وتوطين
التكنولوجيا، والإسلام والتغيرات فى مجال القيم الأخلاقية
والاجتماعية، والتعاون بين العالم الإسلامى والدول
المتقدمة فى المجال التكنولوجى.
وقد تفضل عدد من خيرة العلماء
المتخصصين فى المجالات العلمية والتكنولوجية فى مصر والعالم الإسلامى بكتابة
بحوث قيمة لهذا المؤتمر. ونتوقع آن تكون هناك مناقشات ثرية، ورؤى صائبة، وأفكار
بناءة تتمخض عن مقررات وتوصيات تأخذ شكل برنامج عمل لا يتجاهل الواقع وإمكاناته من
ناحية، ولا يحلق فى أجواء الخيال دون أساس من ناحية
أخرى.
فلسنا فى
هذه الظروف فى حاجة إلى رؤى نظرية بعيدة عن الواقع،
وإنما نحن فى حاجة إلى خطط واقعية يمكن تحقيقها على
مراحك عاجلة ومتوسطة ومستقبلية. والمسلمون لديهم من الكفاءات العلمية والإمكانات
البشرية والمادية والثروات الطبيعية ما يؤهلهم للانطلاق فى
مجالات العلم والتكنولوجيا بخطى سريعة لتحقيق الأهداف المرجوة.
ولكن تحقيق ذلك على الوجه المطلوب
يتوقف على آمرين مهمين:
أولا: ضرورة التعاون بين المؤسسات
البحثية فى العالم الإسلامي وتوثيق الصلات بين العلماء فى التخصصات المختلفة من أجل دفع عجلة التقدم العلمى والتكنولوجى فى العالم الإسلامى.
ثانيا: توثيق صلات التعاون مع
المؤسسات البحثية الدولية والاستفادة من الخبرات والمعلومات المتاحة، فالحكمة- وهى
جماع المعرفة- ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها- كما جاء فى
الحديث النبوى الشريف.
الأخوة الأعزاء:
إنه على الرغم من كل الضباب
الكثيف والمشكلات المتراكمة فى عالمنا الإسلامى، والتحديات التى تواجهها
أمتنا الإسلامية فى عالم اليوم فإننى
أشعر بالتفاؤل فى غد أكثر إشراقا لهذا الجزء من العالم.
وإن وجودكم فى
هذا المكان واهتمامكم العظيم بالمشاركة الإيجابية لهو أكبر دليل على حيوية الأمة
الإسلامية وإصرارها على الخروج من المأزق الحضارى الذى لا يزال يحاصرها حتى اليوم.
وتنتظر الأمة الإسلامية منكم
الكثير، فأنتم من خيرة روادها الذين يرتادون
لها الطريق إلى المستقبل المشرق
المفعم بالأمل والمملوء بالخير العميم لجميع أفراد
الأمة، حتى تؤدى دورها وتسهم بفاعلية فى خير وأمن
واستقرار وسلام هذا العالم، الذى نحن جزء منه، والذى هو عالمنا جميعا.
وأود قبل أن أختم كلمتى أن أشير إلى سؤال يطرح دائما كل عام- وبخاصة من إخواننا
الإعلاميين- حول مدى فاعلية هذه المؤتمرات، وما الذى تم
تنفيذه من مقرراتها وتوصياتها. والإجابة عن هذا السؤال تتلخص فى
الآتى:
أولا: لا يجوز أن يغيب عن الأذهان
مدى الدور الذى تلعبه هذه المؤتمرات
فى نشر
الوعى الحضارى فى الأمة الإسلامية، فإن ممثلى
العالم الإسلامى الذين يشاركون كل عام فى هذه المؤتمرات يعودون إلى بلادهم وهم يحملون معهم حصيلة ما
دار من مناقشات وما طرح من أفكار، وعليهم تقع مستولية نشر ذلك كله بوسائلهم الخاصة
فى بلادهم.
ثانيا: إن التقاء علماء المسلمين
والمسئولين عن الشئون الإسلامية مرة كل عام أمر لا يجوز التقليل من أهميته لما فيه
من تواصل فكرى وتبادل للأراء والأفكار وإثراء للعمل الإسلامى المستنير.
ثالثا: يحرص المجلس الأعلى للشئون
الإسلامية على نشر وقائع وأبحاث المؤتمرات التى نعقدها
لنشر ما دار فيها على نطاق أوسع، وللتذكير بما قدم فيها من أبحاث، وما تمخض عن كل
مؤتمر من مقررات وتوصيات، حتى لا نكرر
ما سبق أن بحثناه،
الأمر الذى يدفعنا دائما للبحث عن الجديد.
رابعا: لا شك أن مصر بلد الأزهر
الشريف تتحمل مسئولية كبرى إزاء شقيقاتها فى العالم الإسلامى، ومن منطلق هذه المسئولية تتولى مصر عقد هذه المؤتمرات
من أجل جمع المسلمين على كلمة سواء للانطلاق نحو تحقيق الأهداف المرجوة لكل ما
يعود بالخير على الإسلام والمسلمين.
وفى الختام أرجو لكم إقامة طيبة فى القاهرة، وأسأل الله لمؤتمركم التوفيق والسداد، وللأمة
الإسلامية وللعالم أجمع الأمن والاستقرار والسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،