الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
2- قي-

 

الوسطية أساس التشريع الإسلامي

الأستاذ الدكتور/ صوفى أبو طالب

مصر

شهدت البلاد الإسلامية تحولاَ جذرياَ فى نظمها القانونية منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادى فى ظل الاستعمار الأوروبى، أدى إلى حلول النظم القانونية الأوروبية ذات الأصل اللاتينى وذات الأصل الإنجلو سكونى محل الشريعة الإسلامية التى كانت تحكم البلاد بلا منازع ولا منافس. ولم يبق لها سوى الأحوال الشخصية. وبعد حصول هذه البلاد على استقلالها السياسى اتجهت منذ منتصف القرن العشرين إلى العودة إلى نظمها الإسلامية فوضعت الكثرة الغالبة منها فى دساتيرها نصوصا تدل على الاعتماد على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع بدرجات متفاوتة من مصدر احتياطى إلى مصدر وحيد. وعدلت بعض قوانينها إعمالاَ لهذا الاتجاه فى مناخ عالمى جديد يمثل انقلاباً فى تاريخ البشرية: ثورة صناعية أعقبتها ثورة تكنولوجية أعقبتها ثورة فى المعلومات والاتصالات انعكست آثارها على سائر ضروب الحياة ومنها النظم القانونية فكان لزاما على الدول الإسلامية أن تعيد النظر فى تراثها القانونى الإسلامى وتجدده بما يلائم أصول الشريعة الإسلامية ومستجدات العصر.

ومن أجل ذلك انعقد المؤتمر العام الثالث عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية لبحث موضوع " تجديد الفكر الإسلامى". ومن بين موضوعاته "الوسطية أساس التشريع الإسلامى". وسأعرض لهذا الموضوع بالدراسة على الوجه الآتى: بيان مقاصد التشريع الإسلامى ثم أثره فى المجالات الآتية: الجانب الإيمانى للوسطية الإسلامية، النظم السياسية، بعض أمثلة لحقوق العباد فى إطار الوسطية، التوازن الاقتصادى (التضامن الاجتماعى والتكافل  الاجتماعى).

ا- مقاصد التشريع الإسلامى

المقصود بالتشريع:

يستعمل لفظ التشريع فى القوانين الوضعية بمعنيين: معنى عام ويقصد به القواعد القانونية(1) اللازمة لحكم العلاقات الاجتماعية بين الناس بصرف النظر عن مصدرها (عُرف، نص شرعى.. إلخ) أو ما لحقها من تفسيرات واجتهادات فقهية أو قضائية. كما يقصد بالتشريع معنى أخص من ذلك هو تعبير عن إرادة السلطة العامة بقصد إصدار قاعدة قانونية وإلزام الناس باحترامها. والتشريع بهذين المعنيين يعتبر تعبيراً عن إرادة الأمة، فهى وحدها صاحبة السيادة ومصدر كل السلطات فى الدولة.

ويقصد بالتشريع فى الشريعة الإسلامية استنباط الأحكام (القواعد القانونية) من الكتاب والسنة. ويميز الفقهاء المسلمون فى هذا الصدد بين أمرين أولهما: شرع مبتدأ، وهو لا يكون إلا من الله ورسوله متمثلاً فى الكتاب والسنة، والأحكام الواردة فيهما ملزمة للناس، وثانيهما: بيان لحكم تقتضيه شريعة قائمة، وهو ما قام به المجتهدون بعد انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى وهو ما يعرف بالاجتهاد أو الرأى .

وقد مر الاجتهاد بعدة تطورات تبعاً للأدوار المختلفة للفقه الإسلامى. ففى ظل حرية الاجتهاد لم تكن لاجتهادات الفقهاء صفة الإلزام إلا إن كانت محل إجماع منهم، أو صدر بها قرار من ولى الأمر فى حدود اختصاصاته. أما فى عصر التقليد- الذى بدأ بقفل باب الاجتهاد فى أواخر القرن الرابع الهجرى- فقد أصبحت آراء الفقهاء السابقين من مذاهب السُّنة الأربعة ملزمة للفقهاء والقضاة ولا يجوز لهم مخالفتها فتضاءل دور المجتهدين فى تطوير الفقه الإسلامى. ولذلك انتقل عبء تطويره إلى ولى الأمر الذى تصدى بالتنظيم للحالات الجديدة التى ليس لها حكم فى كتب فقهاء مذاهب السُّنة الأربعة بعد استشارة أهل الاختصاص من العلماء، كما أصبح له حق حمل الناس على الأخذ برأى فقهى معين وأطلق العلماء على هذا النشاط التشريعى لولى الأمر- سواء اعتمد فيه على ما ورد فى كتب الفقه أو كان اجتهادا منه- تعبير.. " القوانين "(2) تمييزاً له عن ما ورد فى كتب الفقهاء حيث أطلق عليه تعبير (الشرع الشريف )، وكان يطلق على هذه القوانين فى العصر العثمانى تعبير "إرادة سنية "، خَط شريف.. إلخ، وفى ظل حركة التجديد التى بدأت فى أواخر القرن التاسع عشر اتجهت بعض الدول الإسلامية إلى تقنين بعض أحكام الشريعة ومن أهمها مجلة الأحكام العدلية 1869- 1876م فى الدولة العثمانية وهى تقنين لأحكام المعاملات المدنية وأحكامها مأخوذة من المذهب الحنفى، ومجلة الالتزامات والعقود التونسية 1907م وأحكامها مأخوذة من المذهب المالكى. ومن ناحية أخرى عمدت كثير من الدول الإسلامية إلى تقنين بعض أحكام الشريعة الإسلامية وخاصة فى مجال الأحوال الشخصية، وبعض هذه القوانين اعتمدت على مذهب واحد وبعضها الآخر كان اختياراً للرأى المناسب لظروف العصر من آراء الفقهاء السابقين دون التقيد بمذهب معين.

مقاصد التشريع فى الشرائع المعاصرة:                                     

تعنى كلمة مقصد فى اللغة :الغرض الذى يريده المتكلم من كلامه، أو الفـاعل من فعله. وفى التشريع تعنى الغاية التى يقصد المشرع تحقيقها فيما يضعه من أحكام، وأحياناً يطلق على مقاصد التشريع فى العصر الحديث كلمة "أيديولوجية". والإنسان يعيش فى مجتمع ويرتبط أفراد ه بعدة علاقات يبغى من ورائها تحقيق مصالحه، وقد تتلاقى مصلحته مع مصلحة الجماعة التى يعيش معها وقد تتعارض معها وقد حاول الإنسان منذ القدم تحقيق الانسجام بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ، وقد تباينت المذاهب فى هذا الصدد. ويمكن إجمال هذه المذاهب فى العصر الحديث فى ثلاثة: مذهب فردى: يضع نصب عينيه مصلحة الفرد دونما اهتمام بمصلحة الجماعة فهو يقدس حرية الفرد اجتماعيأ واقتصاديأ وسياسيأ ولا يسمح للدولة بالتدخل فى نشاط الفرد فهى دولة حارسة، بحجة أن مصلحة الجماعة تتحقق من خلال مصلحة الفرد. وهذا المذهب يسود فى أمريكا وأوروبا الغربية، وهو لا يحفل بالدين والأخلاق ويتركهما لضمير الفرد. ومن الواضح أن هذا المذهب يبتغى من التشريع غاية نفعية فردية وهو المذهب الذى تتبناه "العولمة" المعاصرة. وعلى العكس من ذلك يقوم المذهب الجماعى على السعى إلى تحقيق مصلحة الجماعة دونما اهتمام بالفرد اذ لا يتمتع فى ظل هذا المذهب بكيان ذاتى أو مصلحة خاصة فسعادته تتحقق بالتبعية لسعادة الجماعة، ولذلك يسمح للدولة بالتدخل فى كل أوجه النشاط البشرى باعتبارها ممثلة للجماعة، وتقيد إرادة الفرد بعدة قيود وتلغى الملكية الفردية لأدوات الإنتاج، ولا تعترف بحقوق سياسية للفرد وتسعى إلى تحقيق الديمقراطية الاجتماعية على حساب الديمقراطية السياسية. وهذا المذهب فى صورته المتطرفة يعرف بالمذهب الشيوعى الذى ساد الاتحاد السوفيتى قبل سقوطه، ويعرف فى صورته المعتدلة باسم الاشتراكية. والمذاهب الجماعية- مثلها فى ذلك مثل المذهب الفردى- لا تحفل بالأخلاق وتتركها لضمير الجماعة، بل إنها تحارب الدين وهو أهم مصدر للأخلاق الفاضلة، وتصفه بأنه أفيون الشعوب.

 والنوع الثالث من المذاهب هو مـا يسـمى بالمذاهب الوسطية :

 تعترف للفرد بكيان ذاتى مستقل عن الجماعة كما تعترف للجماعة بمصالح مستقلة عن مصالح الأفراد ولذلك تضع الضوابط التى توفق بين مصالـح الفرد ومصالح الجماعة.

بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى. والمذاهب الوسطية تقوم على العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعى، وتجمع بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية فى كيان واحد. ومن أبرز تطبيقاتها فى العصر الحديث الاشتراكية الديمقراطية السائدة فى شمال أوروبا.. والمذهب الذى ظهر حديثأ فى أعقاب العولمة لتلافى مضارها وهو ما يسمى "الطريق الثالث" ولكنها كلها لا تحفل بالأخلاق وتتركها لضمير الفرد والجماعة كما أنها لا تقيم للدين وزنأ فيما تضعه من قواعد قانونية باعتبارها علاقة خاصة بين الفرد وربه. ولذلك كانت غاية التشريع ومقاصده نفعية بحتة لكل من الفرد والجماعة.

الوسطية الإسلامية:

تتميز الشريعة الإسلامية- والحضارة الإسلامية عموما- بأنها وسطية المقاصد والوسطية تعنى العدل والخير والرحمة- حسبما ذهب إليه المفسرون لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية. ومنها قوله تعالى فى سورة البقرة- 143: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) وقوله تعالى فى سورة القلم- 28: (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون) أى قال أعدلهم وأخيرهم. وذات المعنى قرره الحديث النبوى: (خير الأمور أوسطها) وهذه الوسطية ليست وسطية مادية بل إيمانية لقوله تعالى فى سورة يونس -  57 ،58 ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) . وهذا التوجه الإيمانى ينزع الحقد والكراهية من النفوس تاركا مكانه للرحمة والمودة، وتدفع الإنسان إلى فعل الخير  وعدم إيذاء الناس والإضرار بهم. ويتبين هذا جلياً فى كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ومنها قول الرسول- عليه الصلاة والسلام-: " خيركم خيركم لأهله". والإيمان يفجر فى الإنسان ينابيع الخير ويغلق أبواب الشر والضرر ويصبح فعلى الخير والبعد عن الشر عادة أصيلة فى نفسه. ومن كان يفيض خيره على أهله، أى الأقربين- فإن فعل الخير يتجاوزهم إلى غيرهم من الناس. والرسول- عليه الصلاة والسلام- يقول: "لا ضرر ولا ضرار" بمعنى تحريم ارتكاب ضرر بالغير وعدم دفع الضرر بارتكاب مثله. كما أن هذه الوسطية الإيمانية تدعو إلى التيسير والابتعاد عما يشق على الناس، وهذا المعنى عبرت عنه القاعدة الكلية الفقهية " المشقة تجلب التيسير" وقد استنبطها الفقهاء من عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية منها: قوله تعالى: فى سورة البقرة 185 : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله تعالى فى سورة النساء 28 : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) وقوله تعالى فى سورة المائدة 6 : (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) والحديث الشريف يقول: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".

وقد أجمع علماء أصول الفقه وعلى رأسهم الشاطبى فى كتابه الموافقات على أن الآيات الكريمة والأحاديث النبوية سالفة الذكر هى التى حددت مقاصد التشريع الإسلامى وهى جلب النفع ودرء المفسدة وعند التعارض يقدم درء المفاسد على جلب المنافع والشارع الحكيم هو الذى يقدر ما إذا كانت مصلحة ما تحقق منفعة أو تدرأ مفسدة. وهذه المصالح تختلف درجة طلبها قوة وضعفاً تبعاً لمدى أهميتها. فكل فعل يتفق مع مقاصد الشارع يتدرج من الوجوب إلى الندب إلى الإباحة. أما الأفعال التى تنافى مقاصد الشريعة فإنها تعتبر مفسدة ويتدرج حكمها من التحريم إلى الكراهة.

وقسم الأصوليون المصالح إلى ثلاث مراتب على الترتيب الآتى:

1-          مصالح ضرورية: أى تتوقف عليها حياة الناس فى الدنيا أو الآخرة. وتنقسم إلى خمسة أنواع بالترتيب الآتى: الدين، النفس، العقل، النسل، المال .

2-          مصالح حاجية: وهى لا تتوقف عليها حياة الناس ولكن وجودها يرفع عنهم الحرج وييسر أمور حياتهم مثل إباحة بعض صور المعاملات وتحريم بعضها الآخر.

3-                    مصالح تحسينية: وهى لا تستهدف المحافظة على مصلحة ضرورية ولا حاجية ولكن تستهدف الأخذ بمحاسن العادات والأخلاق الفاضلة.

    وكل الشرائع القانونية تنظم المصالح الضرورية والمصالح الحاجية والشريعة الإسلامية تزيد عليها تنظيم المصالح التحسينية لأن مقاصد الشريعة الإسلامية ليست نفعية فقط بل هى مثالية تبتغى تربية إنسان صالح.

وإذا ما تعارضت المصالح أو تنافست سواء فيما بين الأفراد وبعضهم البعض الآخر أو فيما بين الفرد والجماعة يتم الترجيح بينها حسب مرتبتها، فالمصالح الضرورية لها الأولوية، ثم تليها المصالح الحاجية، ثم تأتى المصالح التحسينية فإن اتحدت المصالح فى المرتبة يتم الترجيح على أساس أولوية النوع فتتقدم المصلحة فى الدين على المصلحة فى النفس، وتتقدم هذه على المصلحة فى العقل هكذا، فإن تعارضت المصالح ذات المرتبة الواحدة والنوع الواحد يتم الترجيح حسب مدى عموم وخصوص كل منها فتتقدم المصلحة العامة، أى مصلحة الجماعة، على المصلحة الخاصة أى مصلحة الفرد. فإن تساوت المصلحتان المتعارضتان فى المرتبة وفى النوع وفى درجة العموم أو الخصوص يتم الترجيح بينها على أساس المعيار الذى وضعته القاعدة الشهيرة " الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ".

             2- آثار الوسطية فى التشريع الإسلامى

تبين لنا أن الوسطية الإسلامية لها عدة خصائص تميزها عن المذاهب الفردية والمذاهب الجماعية والمذاهب الوسطية المعاصرة و إن كانت هذه الأخيرة تقترب منها من بعض الوجوه فالوسطية الإسلامية تدعو إلى مجتمع متوازن يراعى كافة النوازع التى ننفعل بها النفس البشرية وسبيلها إلى ذلك "الإيمان". وتوفق بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة وسبيلها إلى ذلك التضامن والتكافل الاجتماعيين.

 أولا: الجانب الإيمـانى للوسطية الإسـلامية

يعتبر الإيمان أهم مقومات الوسطية الإسلامية وهو ما يميزها عن الشرائع المعاصرة. فقد جاء الإسلام بتنظيم شامل لأمور الدين والدنيا معا وجعل رعاية أمور الدين على رأس الواجبات التى يقوم بها ولى الأمر فى الدولة الإسلامية وهو بذلك يختلف عن المسيحية التى فصلت بين الدين، وناطت به الكنيسة، والشئون الدنيوية، وناطت بها الدولة إعمالاً لقول السيد المسيح عليه السلام: "ردوا ما لقيصر لقيصر وما لله" ولذلك فإنه يكاد يكون مستحيلاً أن نفصل بين الجانب الدينى والجانب الدنيوى فى كل النظم التى جاء بها الإسلام لتنظيم المجتمع. ولذلك يوصف الإسلام بأنه دين ودولة.

والواقع أن الإيمان بالله وقدرته والاعتقاد فى البعث والحياة الآخرة يرتقى بالنفس البشرية نحو الكمال الأخلاقى كما أنه يؤلف بين قلوب الناس ويحثهم على السير على هدى المثل العليا فهو ينمى لدى الإنسان الشعور بالعزة والقوة لأن الله هو وحده سيد الكون وهو الذى يقدر أرزاق الناس ومصيرهم. والدين يفيض على نفس الإنسان أبعاد الأبدية طمعاً فى نعيم الجنة وخوفاً من عذاب النار فينتزع من نفسه التشاؤم. وبذلك يتحقق التكامل بين نوازع النفس البشرية كما يتحقق الانسجام الاجتماعى. والدين هو الذى يؤجج الشعور القومى وينمى الإحساس بالانتماء للجماعة لأنه يخاطب وجدان الناس فينتزع من نفسه الانعزال عن الناس ويظهر أثر ذلك فيما يلى :

1- قيام المجتمع على رباط الإسلام: أستحدث الإسـلام نظاماً فريدا فى تحديد الرابطة التى تربط الفرد بالدولة الإسلامية وهى رابطة الدين الإسلامى وأحلها محل العصبية القبلية التى سادت فى العصر الجاهلى ومحل الرابطة السياسية (الجنسية) التى سادت المدن الإغريقية القديمة وروما ومازالت تسود الدول المعاصرة، ومحل رابطة التبعية التى كانت تربط أبناء الإمبراطوريات القديمة (الفارسية والرومانية) والحديثة (الإنجليزية). والقرآن الكريم قاطـع فى هذا الصدد لقوله تعالى فى سورة المؤمنون52 : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) وهو ما استفتحت به الصحيفة التى وضعها الرسول عليه الصلاة والسلام لتحديد نظام الحكم فى يثرب غداة الهجرة إليها: "هذا كتاب من محمد النبى بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس ".

وهذا التصور هو الذى دفع علماء المسلمين إلى تقسيم العالم إلى قسمين كبيرين: دارالإسلام حيث تسود النظم والشعائر الإسلامية، ودار الحرب (الدار الأجنبية) حيث يكون الحكم لغير المسلمين وحيث لا تطبق أحكام الإسلام، ورابطة الإسلام هى التى دفعت العلماء المسلمين إلى النظر إلى المسلم المقيم فى الدار الأجنبية على أنه من أبناء الأمة الإسلامية ومن ثم عليه الالتزام بأحكام الشريعة حيث يقيم، ويتمتع بسائر الحقوق التى يتمتع بها المسلمون ويتحمل بالالتزامات التى يتحملونها إذا حل بدار الإسلام. وإعمالا لمبدأ وحدة الأمة الإسلامية اتفق جمهور الفقهاء على ضرورة وحدة الدولة والحكومة فى بلاد الإسلام دفعا للتنازع والفرقة. ولكن بعضهم أجاز تعدد الحكومات الإسلامية داخل دار الإسلام إذا اقتضت الضرورة ذلك واحتجوا فى ذلك بالسوابق التاريخية (ابن الزبير فى الجزيرة العربية والأمويون فى الشام. الخلافة العباسية فى بغداد وحكم الأمويين للأندلس والفاطميين فى مصر وشمال أفريقية... إلخ) .

وقيام المجتمع على رابطة الإسلام لا يعنى أنها دولة ثيوقراطية (كهنوتية) إذ لا كهنوت فى الإسلام، فالمجتهدون لا يتمتعون بأية سلطة روحية ولا ينحصر الاجتهاد فى طائفة بعينها أو أسرة معينة. كما أنها ليست دولة عنصرية تميز المسلمين على غير المسلمين فالأصل أن غير المسلمين من أهل الكتاب " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " كما أنهم يتمتعون بحرية العقيدة بنص القرآن الكريم "لا إكراه فى الدين" (البقرة: 256) وتطبيقا لذلك يطبقون ما يأمر به دينهم ولو كان مخالفا للشريعة مثل مسائل الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وغيرهما وبعض صور المعاملات المحرمة فى الإسلام مثل شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، إن كان دينهم يبيح لهم ذلك. ولذلك أسهم غير المسلمين فى بناء الحضارة الإسلامية عبر عصور التاريخ المختلفة، ولا غرابة فى كل ذلك لأن الإسلام يعترف بما سبق من ديانات سماوية. وهذا التسامح لم تعرفه أوروبا والغرب عمومأ إلا بعد الثورة الفرنسية حينما سادها الاتجاه العلمانى الذى نحى الدين عن حياة الناس أما قبل ذلك فإن الغرب المسيحى لم يكن يعترف للمسلمين بأية حقوق لأنهم لا يعترفون بالإسلام كدين .

       2- مضمون الخطاب الإسلامى: تقتصر دائرة الخطاب القانونى فى الشرائع الغربية على بعض قواعد السلوك داخل المجتمع وتترك بقيتها لدخيلة النفوس، وللكنيسة إن كانت تتعلق بشئون العقيدة أو العبادة وتترك قواعد المجاملات والأخلاق لضمير الفرد والجماعة التى يعيش معها، وهم يستمدونها من فهمهم لمبادئ العدالة والقانون الطبيعى ولا تضع الدولة جزاء على مخالفة قواعد الدين أو الأخلاق وتترك الجزاء للكنيسة عند مخالفة ما يأمر به الدين، ولضمير الجماعة عند مخالفة ما تعارفت عليه من تقاليد، والفصل بين القانون من ناحية والدين والأخلاق من ناحية ثانية توارثته الأجيال عن الفلسفة الإغريقية والقانون الرومانى فضلأ عن المسيحية. أما الشريعة الإسلامية فإنها تضع الدين على رأس المصالح الضرورية التى لاغنى عنها لأى مجتمع وناطت

بولى الأمر رعايته والمجازاة عن مخالفته ولذلك نظمت علاقة الفرد بربه عن طريق ما وضعته من قواعد فى خصوص العقيدة والعبادة. كما أنها لم تقف عند حد تنظيم المصالح الضرورية والمصالح الحاجية بل نظمت أيضا المصالح التحسينية وأكثرها يدخل فى باب الأخلاق والآداب، وهى جزء لا يتجزأ من الشريعة، فالرسول - صلى الله عليه وسلم-  قد بعث ليتمم مكارم الأخلاق. من هنا اتسعت دائرة الأحكام الشرعية- وهى ما تتشابه مع القواعد القانونية- لتشمل القواعد القانونية بمعناها الفنى عند الغرب فضلا عن قواعد السلوك الأخرى من دين وأخلاق ذلك أن من أهداف الشريعة تهذيب أخلاق الفرد نحو نفسه ونحو ربه حتى يكون مصدر خير لنفسه وللجماعة، والمرجعية فى ذلك لانتركها لضمير الفرد وتقديره ولا لضمير الجماعة وتقديرها بل حددها الشارع فى الكتاب والسُّنة وما استنبطه المجتهدون منهما من أحكام.

هذه الغاية المثالية للشريعة هى التى أدت إلى عدم الفصل بين القواعد القانونية والقواعد الأخلاقية والدينية اعتمد عليها الفقهاء فى بناء كثير من النظريات القانونية فى الفقه الإسلامى على أساس أخلاقى نخص منها بالذكر نظريتين لم يعرفهما القانون الرومانى ومازالتا تتعثران فى الشرائع الحديثة هما نظرية سوء استعمال الحق، ونظرية الضرورة (ومن أهم تطبيقاتها فى الشرائع الحديثة نظرية الظروف الطارئة). فالفقه الإسلامى يقيد استعمال الحق ليس فقط بعدم وجود نية إيذاء الغير أوانتفاء الإهمال والمصلحة بالنسبة لصاحب الحق بل يقيد استعمال الحق أيضاً بالغرض الاجتماعى والاقتصادى الذى تقرر الحق من أجله. ومن أهم تطبيقات نظرية سوء استعمال الحق فى الفقه الإسلامى، حقوق الجوار (المواد 57-71 من مرشد الجيران) والرفق بالمدين عند التنفيذ على أمواله (المواد 164 من مرشد الجيران).

أما نظرية الضرورة فقد صاغها الفقهاء المسلمون على أساس بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى يعبر عنها فى عدة قواعد كلية منها: لا ضــرر

      ولا ضرار المشقة تجلب التيسير الضرورات تبيح المحظورات الضرر يدفع بقدر الإمكان... إلخ، ومن أهم تطبيقات هذه النظرية جواز فسخ عقد الإيجار بالإعذار أو سبب الجوانح. وقد وصف الفقيه الفرنسى " لامبير " هذه النظرية بقوله " تعبر نظرية الضرورة فى الفقه الإسلامى أشد ما تكون جزماً وشمولاً، عن فكرة يوجد أساسها فى القانون الدولى العام فى نظرية الظروف المتغيرة ( شرط بقاء الحال على ما هو عليه) وفى القضاء الإدارى الفرنسى فى نظرية الظروف الطارئة، وفى القضاء الإنجليزى فيما أدخله من المرونة على نظرية استحالة تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التى نشأت بسبب الحرب وفى نظرية الحوادث المفاجئة ومن الواضح أن كل هذه النظريات لم تنشأ فى القوانين الغربية إلا فى عهد حديث جـداً وقد سبقهم إليها الفقهاء المسلمون منذ زمن بعيد جداً.

3- الاعتداد بالنية: نتج عن اتساع مضمون الخطاب الإسلامى لكل من الدين والأخلاق ضرورة الاعتداد بنية الفرد فيما يقوله من كلام وما يقوم به من أفعال. وهو ما عبر عنه الحديث الشريف " إنما الأعمال بالنيات " والحديث الذى يقول: " استفت قلبك. البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن به القلب. والإثم ما حاك فى النفس وتردد فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " ولذلك يجب عدم الوقوف على المظهر الخارجى لأفعال الإنسان وضرورة البحث عن نيته فإن كانت مخالفة لمقاصد الشرع بطل عمله. وهذا المعنى صاغه الفقهاء فى قاعدة كلية تقول: " الأمور بمقاصدها " وتفزع عنها عدة قواعد منها :" العبرة فى العقود بالمقاصد والمعانى "لا بالألفاظ والمبانى، كما استنبط الفقهاء من هذه الأحاديث الشريفة وغيرها دليلاً تبنى عليه الأحكام هو " سد الذرائع " إذ يبطلون التصرف القانونى إن كانت نية الفرد مخالفة لمقاصد الشارع رغم أنه يأخذ شكل التصرف الصحيح فى الظاهر، مثل زواج "المحلل".

   4- توازن بين الجانبين الروحى والمادى :إن الوسطية الإسلامية لا تسلم بالصدارة المطلقة للروح على المادة إذ من المستحيل أن يتخلى الإنسان عن احتياجاته المادية أو حتى قهرها فقد يقنع البعض بحياة الزهد والتقشف واعتزال الناس ولكن أكثر الناس يرفضون ذلك. كما أنه من المستحيل أن يقبل الإنسان أن يكتفى بتحقيق مطالبه المادية ويعيش أشبه بالحيوان. ولذلك توسط الفكر الإسلامى وأقام توازناً بين الروح والبدن.

ويشهد بذلك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التى تدعو إلى الاستمتاع بطيبات الرزق دونما سفه، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى فى سورة القصص:  77 ( وابتـغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسـدين) والآيات العديدة التى تأمر الإنسان بالأكل من طيبات ما رزقه الله.

وبذلك يختلف الفكر الإسلامى عن الفكر الغربى بشقيه الشيوعى والفردى. فالفكر الشيوعى يقوم على التفسير المادى للتاريخ ويعادى الدين منادياً بأن لا إله إلا المادة، والمذاهب الفردية الغربية تقف موقفاً محايداً من الدين. وكلاهما يجعل من الإنسان أسيراً لمفاتن الدنيا وحدها. ولاشك أن طموحه وطبيعته البشرية ستفضى به حتماً إلى مجاوزة نفسه وتحطيم الحواجز التى تغلق دونه أبواب السماء.

 5- التكامل بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة: إن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة صريحة وقاطعة فى أن سلوك الإنسان فى الدنيا هى سبيله إلى نعيم الآخرة أو عذابها. ومن ذلك قوله تعالى فى سورة الإسراء: 72 ( ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا (   وقوله تعالى فى سورة البقرة: 201  ( ربنا أتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة) .

    والإيمان بوجود حياة آخرة من خصائص- مقاصد الشريعة الإسلامية- ويميزها عن غيرها من النظم القانونية الغربية شيوعية كانت أم فردية. ففى الشريعة يكتمل للفعل الإنسانى الواحد جزاءان: أحدهما دنيوى  جنائياً كان أم مدنياً يتولاه ولى الأمر وثانيهما أخروى يتمثل فى نعيم الجنة أوعذاب النار.. وقد يجتمع الجزاءان للفعل الواحد وقد يقتصر على أحدهما، وإذا استطاع الإنسان أن يتفلت من الجزاء الدنيوى فإنه يستحيل عليه ذلك بالنسبة للجزاء الأخروى ، وهو ما يدفع الإنسان إلى عدم المجازفة بارتكاب المخالفة وهذا الجزاء- كما سبق القول- يلحق جميع أقواله وأفعاله سواء ما تعلق منها بعلاقة الفرد بغيره من الناس أم فى واجبه نحو نفسه أم فى واجبه نحو ربه. وبعبارة أخرى كل أفعال الإنسان التى تدخل فى نطاق القانون بمعناه الفنى الغربى أم الأخلاق أم الدين ومن هنا فإن الحكم الشرعى، أى الأثر الذى يقتضيه خطاب الشارع فى فعل المكلف من وجوب أو ندب أو حرمة أو كراهة أو إباحة ينصب على المعاملات والعبادات والعقيدة والأخلاق (الآداب).

والواقع أن الجزاء الأخروى من ثواب وعقاب يلحق كل الأفعال سواء اتصلت بشئون العبادات أم المعاملات أم الأخلاق أما الجزاء الدنيوى مدنيا كان أم جنائياً أم يدور بين العقوبة والضمان (التعويض) فيقتصر كأصل عام على المخالفات التى تصلح محلا للإثبات لاستنادها إلى وقائع يمكن إقامة الدليل عليها كالجرائم، أما عدم تنفيذ عقد أو بطلانه.. إلخ هذه الأفعال وما شاكلها يكون لها جزاء دنيوى يطبقه القاضى وينفذه الحاكم، فإن كانت أفعالا لا يجرى عليها الإثبات لكونها خفية لا يمكن ضبطها بمظاهر مادية محددة، كالغيبة والنميمة والكذب والحقد.. إلخ فهذه يكون الجزاء عليها أخرويا فحسب. وعلى هذا الأساس فرق الفقهاء بين ما هو واجب قضاء وما هو واجب ديانة. ويثور الجدل بين الفقهاء عما إذا كان الجزاء الدنيوى يعتبر كفارة تجزى عن الجزاء الأخروى فى الأفعال التى يلحق مرتكبيها الجزاءان.

     6- التكامل بين العلم والإيمان: تقوم الوسطية الإسلامية على الجمع بين العـلم  والإيمان وبين الدين والعقل (3)  فى وحدة متناسقة شاملة وإذا كانت أوروبا فى العصور الوسطى- بعد تسلط الكنيسة على أمور المجتمع الدينية والدنيوية على خلاف أصول المسيحية- قد جعلت من العلم خادما مطيعا للإيمان فإن الفكر الشيوعى بدوره قد اعتبر الدين عدوا مبينا للعلم. وقد انتهى الأمر بأوروبا إلى القول بأن الدين أخلى مكانه فى غير رجـعة للعلم والتكنولوجيا. وهـذا المفهوم بعيد كل البعد عن الفكر الإسلامى ففيه يتكامل العلم والإيمان فى تناسق وانسجام تام. فأول ما نزل من آيات القرآن الكريم سورة العلق: 1- ه (اقرأ باسم ربك 00) إلخ الآيات تحض على العلم، وبعض الأحاديث المشهورة تجعل من العلم دعامة للدين مثل: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وبعضها الآخر يلح فى طلبه مثل: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". وتأكيدا لهذا المعنى تدعو كثير من الآيات الإنسان إلى اكتشاف أسرار الكون بالدرس والملاحظة والتفكير. ومن هنا كان الاجتهاد والتجديد أصلأ من أصول الشريعة الإسلامية بغية الوصول  إلى التوافق مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية. وقد عبر الحديث الشريف عن هذا المعنى بقوله: إن الله يبعث من هذه الأمة على رأس كل مائة سـنة من  يجدد لها أمر دينها". وليس المقصود بطبيعة الحال المعنى الحرفى للنص، ولكن المقصود ضرورة الاجتهاد فى الأحكام التى تقبل الاجتهاد فى ضـوء متـغيرات الزمان والمكان. وكل هذه المعانى أدركها العرب وأقاموا حضارتهم وطوروها، ولا ينكر أحد أن الحضارة الأوروبية فى عصر النـهضة قامت على أكتـاف حضارة العرب وعلومهم.

وفى مجال التشريع ظهر الجدل والمناظرة حول مدى إعمال العقل فى فهم مقاصد التشريع بعدما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية ودخول شـعوب ذات حضارات عالية فى دين الإسلام وما يوجد لديها من أوضاع اجتماعية واقتصادية لم يكن لعرب الجزيرة العربية عهد بها واشتد الجدل حول هذا الموضوع إبان العصر العباسى فى أعقاب حركة الترجمة واطلاع العلماء المسلمين على التراث الفكرى  الفلسفى وغيره من صنوف المعرفة لهذه الشعوب وبصفة خاصة الفلسفة الإغريقية. فذهب فريق منهم ( أهل الظاهر) إلى أن الأحكام الشرعية لا ترتبط بعلل وأوصاف معينة بل بإرادة الشارع وحده العارية من حكمة أو مصلحة ملحوظة فى التشريع فهى أحكام تعبدية محضة ومن ثم لا يجوز إعمال العقل فى الكشف عن علل الأحكام أو المصالح التى صدرت لتحقيقها. وحجتهم فى ذلك أن الشارع فرق فى الحكم بين المتماثلين فى بعض الحالات (أباح الشارع قطع أداة المعصية فى السرقة وهى اليد ولم يأمر بقطع اللسان فى قذف المحصنات، أباح للرجل الزواج من أربع وحرم ذلك على المرأة). وعلى العكس من ذلك سوى فى الحكم بين أمور مختلفة (أمر بالقتل فى حالة الردة، وطبق ذات الحكم فى زنا المحصن).

وذهب فريق ثان (المعتزلة) إلى نقيض الرأى الأول، وقال بأن الأحكام الشرعية شرعت لتحقيق مقاصد وأغراض معينة ومن ثم ارتبطت بأوصاف وعلل تقتضيها طردا وعكسا. ومن هنا فإن كل الأحكام الشرعية معقولة المعنى ويتعين أعمال العقل للكشف عن عللها وأوصافها ولا فرق فى ذلك بين أحكام العقيدة والعبادة والمعاملات. أما جمهور الفقهاء من مذاهب أهل السنة الأربعة فقد توسطوا بين الرأيين السابقين ففندوا هذه الآراء وردوا  عليها(منهم ابن القيم فى كتابه أعلام الموقعين، ج 2). وانتهوا إلى ضرورة التفرقة بين العبادات، وأحكامها تعبدية محضة لا مجال فيها للنظر وإعمال العقل، وما سواها من أمور المعاملات ونحوها فهى شرعت لتحقيق مصالح الناس ولكل حكم منها علة يدور معهما وجوداً وعدماً: وعبر عن ذلك الإمام الشاطبى فى كتابه الموافقات جـ 3 ص 307 بقوله: " إن الأحكام الشرعية قسمان: الأول: ما يتعلق بشئون الآخرة، وهو العبادات، والثانى: ما يتعلق بتنظيم شئون ما سوى العبادات من الأمور العادية والتعاملية ونحوها. فالقسم الأول لايسوغ  البحث فيه عن العلل والمصالح لربطه بها وإنما الأمر فيه مبنى على الاتباع التعبدي. وأما القسم الثانى، وهو الذى يتكون منه تشريع النظم التعاملية، فإنه معلل بمصالح العباد ومرتبط بالمعانى المصلحية فى هذه الحياة، كما تفيده نصوص الشريعة نفسها".

والقول بجواز إعمال العقل فى المعاملات أدى إلى ظهور الرأى أو الاجتهاد، وهو دليل عقلى تبنى عليه الأحكام عند خلو الكتاب أو السنة أو الإجماع من حكم وتعددت صوره من قياس واستحسان ومصالح مرسلة وعرف... إلخ، وهى كلها فى مرتبة أدنى من الأدلة النقلية ( كتاب وسُنة وإجماع ) ولذلك كانت تابعة لها فلا يجوز لها مخالفتها.

ولكن الأدلة الاجتهادية كلها فى مرتبة واحدة، ولذلك يجوز لأى منها أن ينسخ الآخر . وكل ذلك إعمالاً لقاعدة أصولية تقضى بأن " الدليل لا ينسخه إلا دليل من مرتبته أو أعلى منه" ومن ناحية أخرى ميز الفقهاء بين الأحكام القطعية والأحكام الظنية والقطعية هى ما كانت ثابتة على وجه اليقين (مثل الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة) وكانت دلالتها قطعية وتطبق هنا قاعدة لا اجتهاد. مع النص. أما الأحكام الظنية فقد تكون- قطعية الثبوت ولكنها ظنية الدلالة  وهنا يجوز الاجتهاد فى النص. وقد تكون ظنية الثبوت (أحاديث الآحاد) وبها يسوغ الاجتهاد للتأكد من صحة نسبة الحديث للرسول عليه الصلاة والسلام. ويقسمون الأحكام الواردة فى النصوص إلى نوعين: حكم خاص وهو دائماً يكون قطعياً، وحكم عام: وهو دائماً ظنى الدلالة. والحكم الخاص لا يجوز تركه أو تغييره إلا لضرورة ملجئة، أو كان مبنياً على عرف وتبدل العرف. أما الحكم العام فإنه يجوز تخصيصه- أى الاستثناء منه- بالمصلحة عند المالكية وبالاستحسان عند الحنفية، كما يجوز للعرف المقارن للنص أن يفسره ويخصصه كما يجوز للعرف الطارئ أن يخصص حكماً عاماً فى حالتين استثنائيتين هما: أولاهما: إن كان الحكم الوارد فى النص مبنياً على عرف قائم وتبدل العرف... وثانيتهما: إن كان الحكم معللا بعلة ينفيها عرف طارئ.

ونتيجة لكل ما تقدم قسم الفقهاء الأحكام الشرعية فى الأمور الدنيوية إلى قسمين: أحكام قطعية لا تتغير ولا تتبدل وهى قليلة العدد مثل أنصبة الورثة فى التركة. وأحكام اجتهادية وهى تشمل أكثر أحكام المعاملات وتحكمها قاعدة أصولية تقول بجواز تغير الأحكام بتغير الزمان بما يحقق مصالح العباد ذلك أن الشارع الحكيم حدد أهدافاً عامة للتشريع تجلب لهم النفع وتدرأ عنهم الضرر صاغها فى صورة مبادىء عامة، مثل ضرورة الوفاء بالعهد، أو فى صورة أحكام عامة تتسع لما يجد فى المستقبل من أحداث وهو ما عبر عنه الشهر ستانى بعبارة" تناهى النصوص وعدم تناهى الوقائع " فالشارع الحكيم حدد المقاصد العامة للتشريع بما يكفل حماية مصالح الناس الضرورية، والحاجية، والتحسينية. وفهم هذه المقاصد من الأمور اللازمة لفهم النصوص الشرعية وتطبيقها على الوقائع المتجددة واستنباط الحكم فيما لا نص فيه. غير أن الوسائل التى اعتمد عليها المجتهدون  للوصول إلى تحقيق هذه المقاصد قد تفى بذلك فى زمن معين أو مكان معين وقد تقصر عن بلوغ هذه الغاية فى زمن آخر ومكان آخر. ولذلك يجب تغيير هذه الوسائل بما يحقق تلك المقاصد فتتعدل الأحكام. وأهم عوامل تغير الزمان فساد الأخلاق أو ضعف الوازع الدينى وهو ما عبر عنه الفقهاء بتعبير فساد الزمان. وقد يكون التغيير راجعاً إلى تطور وتغير ظروف المجتمع الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وما يتضمنه من تغير أعرافهم وعاداتهم، وقد عبر الفقهاء عن هذا التغيير بتغير الزمان. وهذا التغير فى الحالتين يقتضى تعديل الأحكام الاجتهادية الفقهية لتتلاءم مع الأوضاع الجديدة.

ومبدأ تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان أو فساده من المبادئ المسلمة فى

الفقه الإسلامى طيلة عصور تطوره وإن كان دوره تضاءل فى عصر التقليد بعد قفل باب الاجتهاد. ففى صدر الإسلام ظهرت أدلة جديدة وتعدلت بعض الأحكام، وفى عصر الأئمة أصحاب المذاهب ظهرت أدلة جديدة وتعدلت بعض الأحكام بل إن الإمام نفسه لا يتردد فى تغيير رأيه تحت تأثير تغير ظروف البيئة. فالإمام الشافعى غير بعض آرائه بعدما انتقل إلى مصر حيث تختلف ظروف البيئة عن بيئة العراق. وهذا التغيير كان كبيراً لدرجة وصف معها مذهبه بالعراق بمذهبه القديم ووصف مذهبه فى مصر بالمذهب الجديد. كما اختلف رأى المتأخرين عن رأى من سبقوهم فى بعض الأمور. وقد أفاض الفقهاء فى ذكر الأمثلة لتغير الأحكام بتغير الزمان أو فساده.

ثانياً: النظـم السياسية :

تنص كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الحق تبارك وتعالى

كرم بنى آدم وخلقه فى أحسن تقويم وسخر له ما فى الأرض وما فى السماوات. وهذا التكريم يظهر فى أن الوسطية الإسلامية تحفظ للإنسان ذاته وتحافظ على كرامته وتكفل له حقوقه السياسية ويظهر ذلك فى الاتجاه العالمى والإنسانى للشريعة الإسلامية وفى حقه فى المشاركة فى أمور الحكم.

1-                                       مقاصد الشريعة عالمية وإنسانية:ـ

إن الإسلام هو خاتم الرسالات السماوية، ومن هنا خاطب البشر أجمعين بصرف النظر عن جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم، فسبحانه وتعالى يقول فى سورة سبأ: 28  ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ). فهو لا يخاطب شعباً بعينه على خلاف الشريعة اليهودية فهى تخص بنى إسرائيل وحدهم ولا تطبق على غيرهم، ولذلك فهى تميز فى المعاملة بين بنى إسرائيل وغيرهم من الشعوب الأخرى. ولذلك ساد الشريعة الإسلامية مبدأ التسامح مع غير المسلمين فهى لا تميز بين المسلم وغير المسلم ولفظت التمييز العنصرى والدينى بكافة صورهما إعمالاً لقوله تعالى فى سورة الحجرات: 13 ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وهو ما يعبرعنه بالقول الشهير" لهم ما لنا وعليهم ما علينا" .

 والشريعة من ناحية أخرى جاءت لتكملة ما سبقها من رسالات سماوية لأنها كلها من مشكاة واحدة فاعترفت بما سبقها من رسالات سماوية، ونجد مصداق ذلك فى قوله تعالى فى سورة البقرة:256  ( لا إكراه فى الدين) وهو ما يعبر عنه فى العصر الحديث بمبدأ حرية العقيدة، وقسيمتها حق إقامة الشعائر الدينية. فضلا عن اعتراف الشريعة لغير المسلمين من أهل الكتاب بتطبيق الأحكام التى أمر بها دينهم حتى ولو كانت مخالفة لأحكام الشريعة مثل مسائل الأحوال الشخصية وبعض صور المعاملات. والحال كان على خلاف ذلك فى المجتمعات الغربية المسيحية حتى قيام الثورة الفرنسية. فغير المسيحى لا يتمتع بأية حماية قانونية إذا أراد أن يحافظ على دينه الإسلامى أو اليهودى أو على وثنيته. فهو بالخيار بين التنصير أو ترك البلاد فإن أصر على البقاء مكانه كان دمه وماله وعرضه مهدورا. وأحداث التاريخ تشهد بذلك، وعلى رأسها ما جرى فى أسبانيا- بعد إخراج المسلمين منها بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين بها عام 898 هـ ـ 1452 م .

وإعمالا لمبدأ التسامح الإسلامى فإن الدعوة إلى الإسلام يجب أن تتم- بنص القرآن الكريم فى سورة النحل:   125  ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ( بالحكمة والموعظة الحسنة ولا يجوز الالتجاء إلى الحروب لحمل الإنسان على الإسلام، بل إن الحرب ذاتها لا تكون مشروعة إلا إذا كانت دفاعية حينما يحدث اعتداء على المسلمين أو على أرض دار الإسلام.

2- نظام الحكم:

لم يضع الكتاب ولا السنة قواعد تفصيلية لنظام الحكم. واكتفيا بوضع بعض مبادئ عامة منها الشورى والعدل. واستنبط منها الفقهاء القواعد التفصيلية التى تنظم الحكم، وهو ما يعرف بنظام الخلافة. ولذلك فإن نظام الحكم فى الإسلام من الأمور الاجتهادية- عند جمهور الفقهاء من أهل السنة ومن ثم يمكن أن يتغير تبعا لظروف المجتمع. وقد أوجب القرآن الكريم الشورى فى آيتين كريمتين، إحداهما فى سورة آل عمران: 159( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر ). وقد نزلت هذه الآية عقب ما ابتلى به المسلمون فى غزوة أحد، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم- قد تشاور مع أصحابه واستجاب لمشورة أكثرهم فى الخروج من المدينة لملاقاة العدو. ونصت الآية الثانية فى سورة الشورى: 38 ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).

  ونزلت هذه الآية فى امتداح خصال الأنصار. ومن المسلم فى أصول الفقــه الإسلامى أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ".

وأكدت السنة النبوية سواء القولية منها أو الفعلية، هذا المعنى. من ذلك قوله  - صلى الله عليه وسلم-: "ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وقوله - صلى الله عليه وسلم-: "استعينوا على أموركم بالمشاورة"، "ما استغنى مستبد برأيه، وما هلك أحد عن مشورة".

وأحداث التاريخ تقطع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم- كان كثير المشورة سواء فى الأحكام الشرعية (مثل أسرى غزوة بدر) أو الأمور الدنيوية (مثل اختيار المكان الذى ينزل فيه المسلمون فى غزوة بدر). وجرى الخلفاء الراشدون على ذات النهج فى المشاورة.

ومن المسلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- لم يكن فى حاجة إلى مشاورة أصحابه لأن العناية الإلهية تهديه سواء السبيل، ولكنه- كما قال العلماء- كان يشاورهم تطييبا لقلوبهم من ناحية ولكى يقتدوا به فى المشاورة. وقد اختلف رأى العلماء حول حكم الشورى فذهب فريق منهم إلى أنها واجبة وذهب فريق آخر إلى أنها مندوبة. وأنصار الوجوب اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من يلزم ولى الأمر بالأخذ بالرأى الذى انتهت إليه المشاورة ويجعل من مخالفته سببا من أسباب عزله، ومنهم من يرى غير ذلك.

ومقتضى نظام الشورى- حسبما جرى عليه التطبيق العملى فى صدر الإسلام- أن شغل منصب الخلافة يكون بالاختيار وأن يكون الخليفة مسئولا عن أعماله أمام الأمة التى يحق لها عزله وأشراك ذوى الرأى مع ولى الأمر فى اتخاذ القرارات الهامة مما يحول دوق الاستبداد بالرأى وكفالة الحريات السياسية للمواطنين، ومنها حرية الرأى وتقرير مبدأ المساواة بين الناس دونما تمييز لأحد أو طائفة أو طبقة.

ولم يرد فى القرآن الكريم ولا فى السنة النبوية أحكام تحدد من هم أهل الشورى ولا كيفية حدوثها، وكذلك لم يفعل الفقهاء. ولذلك اختلف أسلوب التشاور من عهد إلى عهد. ففى العهد النبوى كان أهل الشورى هم وجوه المهاجرين والأنصار. وفى عهد الخلفاء الراشدين كان وجوه الصحابة يجتمعون فى المسجد بالمدينة للتشاور، الأمر الذى كان يتيح لأى شخص الحضور والاشتراك فى الرأى. وبعد تفرق الصحابة فى الأمصار- بعد الخليفة عمر- تعذر جمعهم فاكتفى بمن يوجد منهم فى المدينة وفى العهد الأموى كان الأعضاء البارزون من الأسرة الأموية يكونون مجلساً للخليفة يشير عليه فيما يعرضه عليهم من أمور. وفى العصر العباسى نظمت الشورى، فقد أنشأ الخليفة المأمون مجلساً للشورى، يضم ممثلين عن طوائف المجتمع لإبداء الرأى فيما يعرضه عليهم من أمور. وحذا الخلفاء العباسيون حذو المأمون، كما أ حاط أمراء الولايات الذين استقلوا بها أنفسهم بمجالس شورى على غرار مجلس الخليفة، وفى العصر العثمانى أنشئ الديوان الهمايونى الذى يضم كبار رجال الدولة من مدنيين وعسكريين وبعض العلماء وبعض الأعيان، وكان بمثابة مجلس استشارى للسلطان. وعلى غراره أنشئ ديوان الوالى فى الولايات المختلفة.

ومن الواضح أن نظام الشورى الإسلامى- حسبما جرى عليه التطبيق العملى- يختلف عن المجالس النيابية (البرلمان) السائد فى النظم الديمقراطية المعاصرة. فهذه مجالس منتخبة تختص بالتشريع ورقابة السلطة التنفيذية، أما الشورى- حتى بعد تنظيم مجالس لها- لم يكن أهلها كلهم منتخبين بل كانوا مختارين من جانب ولى الأمر، ولم يكن لهم اختصاص محدد بل كانوا يبدون الرأى فى أمور الدولة الهامة التى يعرضها عليهم ولى الأمر. ومعنى ذلك أن العمل جرى على الرأى الذى يقول بأن الشورى مندوبة، وحتى لو قلنا بأنها واجبة فإن رأى أهل الشورى لم يكن ملزماً. ولعل ظروف المجتمع كانت تسمح بذلك، أما الآن وفى ضوء انتشار المبدأ الديمقراطى وتعقد ظروف الحياة فإن الرأى الفقهى الذى يقول بوجوب الشورى، وبأن قرارات أهل الشورى ملزمة لولى الأمر أولى بالاتباع وذلك إعمالاً لقاعدة أصولية تقضى بأن "ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب ". ولعل هذا الفكر هو الذى سهل على الدول الإسلامية فى العصر الحاضر اقتباس النظم البرلمانية من الغرب. فجوهر الشورى- فى مفهوم هذا الرأى- لا يختلف عن جوهر الديمقراطية، والفارق الجوهرى بينهما ينحصر فى الغايات والأهداف. فالديمقراطية الغربية تستهدف مصلحة الفرد فى الحياة الدنيا فحسب، أما الشورى فهى تدخل فى فروض الكفاية التى يتولاها الخليفة نيابة عن الأمة وتتضمن التزامه بحماية أمور الدين والأخلاق بجانب الأمور الدنيوية.

وهكذا يبين أن نظام الحكم فى الإسلام من الأمور الاجتهادية عند جمهور الفقهاء ومن ثم يمكن أن يتغير تبعاً لتغير الظروف ويتسع لكل صور الديمقراطية المعاصرة.

3- العدل: جرى الفقهاء على استعمال تعبير العدل للدلالة على المساواة اشتقاقاً من المعنى اللغوى لهذه الكلمة التى تدل على التسوية فى المعاملة والعدل بهذا المعنى هو ما يعبر عنه فى المصطلحات الحديثة بتعبير المساواة أمام القانون. والأمر بالعدل- نقيض الظلم- موجه إلى الحاكم والمحكوم. فبالنسبة للحاكم وردت به عدة نصوص فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية منها: قوله تعالى فى سورة النساء: 58  )إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل(  والحديث الشريف "أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر إمام جائر". وبالنسبة للمحكوم يقرر الحديث الشريف "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وسار الخلفاء الراشدون على هذا النهج وطبقه الخلفاء اللاحقون بدرجات متفاوتة.

والحكم بالعدل واجب حتى بالنسبة للخصوم والأعداء، لقوله تعالى فى سورة المائدة: 8 (  يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون).

ومن تطبيقات العدل تقرير مبدأ المساواة بين المسلمين وغير المسلمين.

فاعترف لهم الإسلام بحرية العقيدة لقوله تعالى: ( لا إكراه فى الدين ) (البقرة: 256) وسمح لهم بتطبيق ما ورد فى كتبهم من أحكام ولو كانت مخالفة لأحكام الشريعة ومن ناحية أخرى ساد مبدأ " لهم ما لنا وعليهم ما علينا" ويشهد التاريخ أنه لم يغلق دونهم باب العمل فى جميع المجالات وباب التوظف لدى الدولة ولدى الأفراد باستثناء الوظائف ذات الطابع الدينى وعلى رأسها منصب الخلافة. ولهذا الاستثناء ما يبرره إذ أن المسلمين هم الكثرة الساحقة من سكان البلاد الإسلامية. وهو ما تسير عليه كثير من البلاد المسيحية المعاصرة بل أن بعضها نص عليه صراحة فى دساتيرها. كما أن الإسلام كمبدأ عام لا يحملهم بواجبات تزيد عما يفرضه على المسلمين باستثناء الجزية وهم يدفعونها مقابل الاحتفاظ بدينهم وحمايتهم لأنهم لا يلتزمون بدخول الجيش الإسلامى، ولذلك تسقط عن من دخل منهم الجيش ودافع عن البلاد الإسلامية ولذلك فهم لا يلتزمون بها فى العصر الحديث بعدما أصبحت الخدمة العسكرية إجبارية بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين.

ثالثا: تقييد حـقوق العباد لصالح الجمـاعة

 1- حقوق الله وحقوق العبـاد: يقسم الفقهاء الحقوق إلى نوعين:

 حقوق الله وحقوق العباد. والأولى تطلق على ما تعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد ؛ أى يتعلق النفع بها بالجماعة كلها، ولذلك نسبوه إلى الله تعالى، وهى أشبه بالقواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام فى القوانين الوضعية. ومن أمثلتها: الإسلام والكفر. الحدود، العتق، النسب، الطلاق، الزكاة، الوقف، الحريات العامة.. إلخ. أما حقوق العباد فهى ما يتعلق به النفع الخاص بالأفراد مثل: حق الملكية، حق العمل إلخ. وتتميز حقوق الله بأن استيفاؤها متروك للإمام ويجوز استيفاؤها بطريق الحسبة. أما حقوق المباد فاستيفاؤها متروك للفرد.

ومن المسلم فى الفقه الإسلامى أنه لا طـاعة لمخلوق فى معصية الخالق ومجال ذلك محدود بشئون العقيدة والعبادة والأحكام القطعية فى المعاملات. أما ما عدا ذلك مما يدخل فى الأحكام الاجتهادية فى خصوص المعاملات فإن جمهور الفقهاء يعطى لولى الأمر الحق فى حمل الناس على رأى فقهى معين  وإلزام القاضى به أو التصدى بالتنظيم لأمر لم تعرض له النصوص مثل التنظيم الإدارى وفرض الضرائب.. إلخ. وكل ذلك تأسيساً على مبدأ السياسة الشرعية وتبدل المصالح بتغير الزمان. وسندهم فى ذلك قوله تعالى فى سورة النساء آية 59: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول). وقد صاغ الحنفية حق ولى الأمر فيما سبق بقولهم: "من حق ولى الأمر أن يأمر بالمندوب أو المباح إن كانت فيه مصلحة شرعية للناس فيصبح عندئذ واجبا وأن يمنع المباح الذى تنتج عنه مفسدة طالما وجدت المفسدة بسببه والمصلحة فى خلافه وإعمالا  لهذا المبدأ قرر ابن نجيم "أن طاعة الإمام فى غير معصية هى واجبة حتى لو أمر بصوم يوم وجب صومه شرعا".

وتطبيقا لما تقدم يجوز لولى الأمر أن يقيد حقوق العباد لصالح الجماعة وإلزامهم بواجبات لصالحها سواء فى ذلك الحقوق السياسية أو الحقوق المدنية، وذلك فضلا عما ورد فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية من تحريم أو تقييد حقوق العباد فى  مجالات معينة. وسنكتفى بذكر أمثلة لذلك فيما يلى:

2- تحريم العلاقات التى تولد الحقد أو تثير المنازعات :

حرم القرآن الكريم والسنة النبوية المسكرات والزنا والميسر والغش والغرر، كما حرم  ما يكون سببا لاستغلال الإنسان لغيره مثل الربا والاحتكار.. إلخ. ووصل الأمر بابن القيم فى كتابه" الطرق الحكمية" إلى القول بأن للمحتسب فى سبيل منع الاحتكار فى الخدمات أو السلع الاستهلاكية الضرورية للجماعة أن يمنع اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم كالمعلمين والأطباء لأن مثل هذه الشركة  لا فائدة منها وتؤدى إلى ارتفاع الأجرة، خلافا لشركة أهل الحرف والصناع. كما يمنع البائعين والمشترين إذا كان هدف الاشتراك احتكار سلعة وبيعها أو شرائها بسعرمعين.

3- لكل حق وظيفة اجتماعية: اعترفت الشريعة الإسلامية للأفــراد بحقوق ولكنها قيدتها وحددت لها وظيفة فى المجتمع وبذلك يختلف الإسلام عن النظام الفردى الرأسمالى الذى يعترف للفرد بحقوق بصورة مطلقة دون قيود. كما يختلف عن الشيوعية التى لا تعترف للفرد بحقوق فى مواجهة الجماعة، فما يسمى حقوقا يسمونه وظائف. وتظل الحقوق جديرة بالاحترام والحماية طالما تؤدى هذه الوظيفة، فإن خرجت عن حدودها تجردت من الحماية المقررة. ومن ناحية أخرى دعت الشريعة إلى العمل والكسب، من ذلك قوله تعالى: (هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه ) (الملك: 15).

فمن حق الفرد أن يعمل أو لا يعمل، كما أن له الحق فى اختيار نوع العمل الشريف الذى يرضاه ما دام لا يتعارض ذلك مع مصلحة الجماعة، فإن وقع التعارض كانت المصلحة العامة أولى بالرعاية. ولذلك أباح الفقهاء ومنهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم للحاكم أن يجبر أصحاب الحرف والمهن على أدائها إذا أبوا وامتنعوا وكان الناس بحاجة إليها بشرط دفع أجر المثل لهم، وهو ما نسميه فى العصر الحديث بأوامر التكليف.

وإذا غالوا فى أجورهم أجبرهم ولى الأمر على أدائها بالأجر المناسب. وبالمثل لو امتنع أصحاب السلع الضرورية عن بيعها للناس إلا بزيادة عن القيمة المعتادة أجبرهم ولى الأمر على بيعها بقيمتها المعتادة. وإذا انحصر البيع فى طائفة واحدة تحتكر بيع سلعة فإن التسعير واجب دائما. وهذا الرأى هو ما انتهى إليه كل من ابن تيمية وابن القيم فى تفسيرهما للحديث الشريف عندما طلب بعض   الناس تسعير السـلع بسبب غلائها فقال لهم" إن الله هو المسعر القابض الباسـط الرازق، وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم قبلى مظلمة فى "دم أو مال " فقد انتهيا إلى أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن التسعير لعدم وجود ما يقتضيه، فإن تبدل الحال وظهر مقتضى للتسعير جاز التسعير(4).

وللملكية الخاصة حرمة طالما أنها اكتسبت بطريق مشروع كالإرث أو العمل الشريف، ومن ثم لا يجوز نزعها من يد صاحبها ولا مصادرتها إلا لمنفعة عامة ومقابل تعويض. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التى تؤكد هذا المعنى كثيرة منها:( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) (النساء: 20). ومنها: ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) (البقرة: 188) وهو ما أكده الرسول عليه الصلاة والسلام فى تحريمه الاعتداء على الأموال والأعراض فى حجة الوداع.

أما الملكية التى يكون سبب كسبها خبيثا أو مشكوكا فيه فهى ملكية غير مشروعة تجوز مصادرتها ونزعها من يد صاحبها بدون تعويض، مثل الملكية التى تكتسب عن طريق الظلم والجور والاستغلال، كالربا والاحتكار والقمار والنصب والسرقة والرشوة" إلخ، أو عن طريق الغش والخديعة أو عن طريق ما يضر الأفراد والمجتمع كالاتجار بالحرمات والعرض أو الاتجار مع العدو. وانطلاقا من الوظيفة الاجتماعية للحق قيد الفقهاء حق استعمال، الملكية بعدة قيود حماية للمصلحة العامة منها: الالتزام باحسان الانتفاع بالمال أو التصرف فيه بعيدا عن الإسراف والتقتير، ضرورة استثمار المال وعدم تعطيله، ومصداق ذلك فى قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذب أليم) (التوبة: 34). كما قيدها بعدم جواز ممارسة حقوق الملكية بما يضر بالغير، مثل حقوق الجوار.

 

رابعا: التوازن الاقتصادى

وفى سبيل تحقيق التوازن الاقتصادى فى المجتمع وضعت الشريعة القواعد التى تحقق التكافل الاجتماعى والتضامن الاجتماعى على الوجه الأتى:

1- عدم حصرالرخاء المادى فى أيدى أقلية من أفراد المجتمع :

ذلك أن حصره فى أيدى القلـه يحول دون الآخرين وتملك المال واستثمار جهودهم، ويشيع الحقد والكراهية فى النفوس ويؤدى إلى التفاوت الكبير فى الدخول. ومن تطبيقات ذلك مبدأ عدالة الثروة بين الناس وعدم حصرها فى فئة منهم، وقد تقرر هذا المبدأ بصدد بيان مصارف الفىء ( كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم )           ( الحشر: 7). وجرى التطبيق العملى على ذلك برعاية أصحاب الدخول الصغيرة ومنع أصحاب الجاه من استغلال نفوذهم فى حيازة الثروة. ولذلك منع الحمى الذى تعوده الناس فى الجاهلية حيث كانوا يحمون بعض المراعى لترعى فيها أغنامهم ويمنعون غيرهم من الاستفادة منها بينما هم يشاركون غيرهم فى المراعى الأخرى. ومنع احتباس الأموال فى أيدى فئة قليلة منهم. ووضع الوسائل الكفيلة بتوزيع الثروة، ومن هذه الوسائل: تقرير الميراث الشرعى، فرض الزكاة، اعتبار الصدقة واجبا مكملا للدين ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (التوبة: 103) وحض الإسلام على إنفاق الأموال فى سبيل الله وخدمة المجتمع، وحذر من طغيان المال واستكبار صاحبه وتوعده بالبوار والهلاك فى الدنيا وفى الآخرة، وذكر القرآن مصير هؤلاء فى قصة قارون وغيرها. وفرض زكاة المال على رأس المال ذاته وليس  على الربح الناتج من استثماره، ويذلك يضطر صاحبه إلى استثماره حتى لا تأكله ضريبة زكاة المال .

2- التزام الدولة بضمان الحاجات الأساسية للأفراد:

إن الوسيلة الثانية من وسائل تحقيق التوازن الاجتماعى والاقتصادى تظهر فى التزام الدولة بضمان الحاجات الأساسية للأفراد من مأكل وملبس ومسكن ولذلك تلتزم الدولة بإجراء الرزق على المحتاجين وتوفير العمل المناسب لهم، وهو نظام شبية بنظام التأمينات الاجتماعية فى العصر الحديث، وما يعرف الآن بدعم السلع والخدمات الضرورية للناس. ويعتبر الفقهاء هذا الالتزام من فروض الكفاية ويسمونه" دفع ضررالمسلمين" ومن القواعد المقررة فى هذا الصدد أن نفقة العاجز عن الكسب تجب على أقاربة المقتدرين، وعند عدم وجودهم أو فقرهم  تجب على بيت المال، وذلك إعمالا للحديث الشريف " من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلأ فإلينا وعلينا" فإذا ما قامت ظروف استثنائية حالت دون قيام الدولة بواجباتها فى ضمان الحاجات الضرورية للإنسان العاجز الفقير، كأن وقعت الدولة فى ضائقة مالية فإن نفقة الفقراء تجب فى أموال الأغنياء بالقدر الذى يراه الحاكم تطبيقا لقوله تعالى: ( وفى أموالهم حق للسائل والمحروم ) (الذاريات: 19). وقول الرسول عليه الصلاة والسلام "إن الله فرض على الأغنياء فى أموالهم ما يسع فقراءهم" وهو واجب إضافى بحانب الزكاة لقوله عليه الصلاة والسلام "إن فى المال حقا سوى الزكاة"              

 3- تدخل الدولة لتنظيم النشاط الاقتصادى والوسيلة الثالثة من وسائل تحقيق التوازن تتمثل فى تدخل الدولة لتنظيم النشاط الاقتصادى وتوجيهه نحو خير الفرد وصالح الجماعة، ومن ذلك اعترافه بثلاثة أنواع من الملكية: ملكية الدولة، ملكية عامة، ملكية خاصة، وحدد الشارع نطاق النوعين الأولين وترك الباقى للملكية الخاصة، وهو نظام قريب الشبه بنظم بعض الدول التى يقوم نظامها الاقتصادى على قطاعين: قطاع عام وقطاع خاص.

ويدخل فى دائرة الملكية العامة فى الشريعة الإسلامية الأشياء التى تتعلق بها حاجة الناس عامة والأشياء الضرورية لجميع الناس، وليس لليد البشرية سبب فى وجودها مثل: الثروات الطبيعية كالبترول والمعادن... إلخ  وذلك إعمالا للحديث الشريف: "المسلمون شركاء فى ثلاث: الماء والكلأ والنار" والرأى السائد بين العلماء يفسرهذا الحديث على أنه يعنى الأشياء التى لا يدخل فيها الجهد البشرى  وذهب قلة منهم إلى أن معناه ينصرف إلى كل ما هو ضرورى للحياة. ويقرر العلماء أن للإمام حق تنظيم هذه الأمور طالما لم يدخل الجهد الفردى  فيها. ومن تطبيقات ذلك أيضا أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- حمى أرضا بالمدينة هى المعروفة بالبقيع فجعلها مشاعا لرعى خيول المسلمين ومنع تملكها ملكية خاصة. وهكذا نرى أن الملكية العامة تقوم بحانب الملكية الخاصـة، ونطاق الملكية العامة محدد بالأموال التى تتعلق بها حاجات مجموع الأمة وليس للجهد البشرى فيها مدخل، فهذه الأموال تخرج من دائرة الأموال التى يجوز تملكها ملكية خاصة.

ومن وسائل التدخل لتوجيه النشاط الاقتصادى حق الدولة فى فرض ضرائب جديدة بغية الفوارق بين الثروات وسد حاجات الدولة  فالفقهاء يقررون أن سد نفقات الدولة يكون "على بيت المال ثم على القادرين ولو تعذر استيعابهم  خص به الوالى من شاء منهم "

ومن وسائل تدخل الدولة نذكر أيضا التسعير العادل فى الأموال والأعمال إذا احتاج الناس إلى ذلك. والقاعدة العامة عدم جواز التدخل فى الأحوال العادية التى تسير فيها الأسعار سيرها الطبيعى : أما إذا دعت حاجة عامة الناس إلى التدخل لتسعير بعض السلع أو الزام بعض ذوى الحرف والمهن على القيام بأعمالهم وجب على الحاكم ذلك.

والقاعدة العامة فى حق الدولة فى التدخل لتوجيه النشاط الاقتصادى استخلصها المؤتمر الثانى لمجمع البحوث الإسلامية عام 1962م من النصوص الشرعية على الوجه الآتى: " أن استثمار المال الخاص وما يتبع فيه من الطرق حق خالص لصاحب المال، على أنه إذا سلك فى هذا مسلكا يؤدى إلى ضياع المصلحة العامة وجب على ولى الأمر أن يتدخل ليمنع الضرر العام وليصون المصلحة العامة بطريق لا عدوان فيه على الحق المشروع لصاحب المال ".

ونخلص من كل ما تقدم إلى أن الأصول والمبادئ المقررة فى الشريعة الإسلامية تكشف عن فكر متكامل يختلف عن الأسس التى يقوم عليها كل من المذهبين الرأسمالى والشيوعى. كما أن دور الدولة الإسلامية يختلف عن دورها فيهما، فهى ليست مجرد دولة حارسة ولا هى دولة متدخلة فى كل شىء بل هى تدخل بقدر لتحقيق التوازن بين صالح الفرد وصالح الجماعة ويمكن أن نسميها دولة راشدة.

3: نظـرة مستقــبلية

1- المشاكل القانونية التى تواجـه العالم الإســلامى المعـاصر:ــ

إن المجتمعات الإسلامية تواجه اليوم عدة مشاكل اجتماعية وسياسية   واقتصادية تزداد حدتها على مر الأيام وتتسع الفجوة بينها وبين العالم المتقدم المعاصر. وفى ظل العولمة أصبحت البلاد الإسلامية أسيرة لما يحدث فى العالم المتقدم من أحداث وما يطبقه من نظم وما حققه من تقدم علمى وتكنولوجى تبهر العقول والأبصار. وعلينا أن نوازن بين خيارين: محاكاة العالم المتقدم والنقل عنه فى جميع الميادين تعلقا بأمل اللحاق به، ولكن الثمن سيكون  باهظا إذ سنضطر لفقد هويتنا الحضارية ونذوب كلية فى حضارة العالم المتقدم. والخيار الثانى هو تجديد حضارتنا باستعارة بعض أساليب التقدم التى تتفق مع أصولنا الحضارية ونطور الأصول القابلة للنمو والتطور ـ وهى كثيرة ـ وننقض عنها ما علاها من صدأ وبذلك نحافظ على هويتنا الحضارية ونستطيع أن نجارى الشعوب المتقدمة. واستعارة النظم الأجنبية لا خطر منها فى خصوص الجانب المادى للحضارة من مخترعات وعلوم بحتة مثل الكيمياء والفيزياء وعلوم تطبيقية مثل الطب والهندسة. أما الجانب الثقافى فاستعارته أواقتباسة محفوف بالمخاطر لأنة يقضى على الهوية الثقافة على المدى البعيد ولذلك يتعين علينا تجديده فى إطار ما يحكمه من أصول إسلامية. وفى مجال التشريع علينا تجديد الفقه الإسلامى فى إطار "الوسطية" التى تقوم عليها الشريعة الإسلامية، كما سبق أن أو ضحنا .

فقد أصاب الفقه الإسلامى قدر من الجمود وفقد بعض عناصر حيويتة لعدة أسباب أهمها: أدى قفل باب الاجتهاد منذ أواخر القرن الرابع الهجرى إلى ركون الفقه والقضاء إلى ما كتبه السابقون من أئمة مذاهب السنة الأربعة. ولم تظهر خطورة ذلك إلا بعد اتصال العالم الإسلامى بالغرب وما حققه من تقدم صناعى وتكنولوجى ترتب عليه ظهور مشاكل لا نجد لها حكما فى كتب السابقين. كما أن الاستعمار الغربى فرض قوانينه ونظمه على البلاد الإسلامية منذ القرن التاسع عشر ولم يبق بعيدا عن ذلك سوى الأحوال الشخصية. وقد مضى على ذلك أكثر من قرن ونصف من الزمان ضربت خلاله تلك النظم ومنها القوانين بجذورها فى التربة الإسلامية تحت رعاية الدول الاستعمارية ومفكريها فبدأت تنقطع صلة الأجيال المتاعقبه بالتراث الفقهى الإسلامى. ودعم هذا الانقطاع ما حل باللغة العربية- لغة الفقه- من تشوهات بسبب تزايد انتشار اللغات الأجنبية من ناحية واختلاطها بالعامية فى وسائل الإعلام المعاصر من ناحية ثانية. فأصبح الرجوع إلى كتب الفقه الإسلامى واستيعاب ما بها من كنوز من الأمور التى يعجز عنها كثيرون من المشتغلين بالقانون. بل إن أكثر المتخصصين فى الفقه الإسلامى دأبوا على ترديد ما ورد فى كتب السابقين وبأسلوبهم اللغوى دون تجديده بما فيها الأمثلة التى استقاها القدامى من بيئتهم ودون التعرض للمشكلات المعاصرة التى نجمت عن. ثورتى المعلومات والاتصالات. ولعل كل هذه الأوضاع من الأسباب التى دفعت- كثيراً من البلاد الإسلامية إلى التأنى فى تعديل قوانينها- المأخوذة عن الغرب- إعمالا للنصوص القانونية والدستورية التى تقضى بالاعتماد على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع.

2- كيفية مواجهة المشاكل القانونية : إننا نستطيع أن نواجه المشاكل سالفة الذكر بصورة مرضية إذا تضافرت الجهود من جانب العلماء ورجال السياسة فى الاعتماد على الوسطية الإسلامية فيما نصدره من تشريعات. ونستطيع تحقيق ذلك باتباع الخطوات الآتية:

 (أ) السياسة التشريعية: يتعين علينا أن نبدأ بتقنين أحكام الشريعة الإسلامية فى مدونات على غرار المدونات التى صدرت فى البلاد الغربية ابتداء من عهد قوانين نابليون. ولا نقتصر فى هذه المدونات على مذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامى، بل علينا أن نختار الرأى المناسب لظروف العصر من المذاهب الإسلامية الثمانية (السنة والشيعة والإباضية) ونلتزم فى صياغة هذه الأحكام بالصياغة الإسلامية فلكل فقه صنعته وأسلوبه. وسنجد فيما خلفه السابقون من تراث فقهى ما يكفى لسد حاجة المجتمع المعاصر، فإن لم نجد نستطيع استعارة نظم أجنبية فى المشكلات المعاصرة إذا كانت لا تتعارض مع الأصول الإسلامية على أن نخرج هذه الأحكام على أحد الأدلة الشرعية. وهذا الأسلوب هو ما تتبعه الدول الإسلامية المعاصرة فيما صدر من قوانين تتعلق بموضوعات الأحوال الشخصية أما فى غير الأحوال الشخصية فقد قطعت كثير من البلاد الإسلامية شوطا كبيرا فى وضع مشروعات ومدونات فى سائر فروع القانون طبق بعضها فى بعض البلاد الإسلامية. ومن المسلم فى الفقه الإسلامى أن من حق ولى الأمر أن يحمل الناس على رأى فقهى معين، كما سبق أن أوضحنا فى هذا البحث.

وللوصول إلى تحقيق الغرض سالف الذكر يتعين أن تضم الجهات المختصة بوضع التشريع عددا مناسبا من المتخصصين فى الفقه الإسلامى بجانب التخصصات الأخرى لأن لكل تشريع جوانبه الاجتماعية والاقتصادية  والسياسية. وهذا يقتضى وجود مرجعية يلجأ إليها واضعو التشريع يسترشدون   بها. وتوجد الآن فى أكثر البلاد الإسلامية جهات وهيئات تختص بإبداء الرأى فيما يعرض عليها من أمور تفتضى بيان حكم الشرع الإسلامى فيها. وتباين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى الدول الإسلامية يحول  دون توحيد هذه الجهات المرجعية  ولكنه لا يحول دون التنسيق بينها وتبادل الرأى. وهو ما يجرى عليه العمل الآن فى كثير من البلاد الإسلامية ولكن الأمر يقتضى زيادة فاعليتها وتوثيق عرى التعاون بينها.

والإسراع بوضع هذه التقنيات أمر تمليه ضرورة احترام النصوص الدستورية التى تجعل من الشريعة الإسلامية مصدرا  للتشريع.

( ب) تجديد الفقه: إن أسباب قفل باب الاجتهاد لم يعد لها وجود الآن، والعكس هو الصحيح. فظروف المجتمعات الإسلامية المعاصرة ومستجدات العصر تقتضى ضرورة فتح باب الاجتهاد. وقد سبق أن واجه المجتمع الإسلامى بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول شعوب ذات حضارات راقية فى حظيرة الإسلام، فلم يتردد الفقهاء فى استنباط مصادر جديدة، هى الأدلة الاجتهادية، تبنى عليها الأحكام فنشأت المذاهب الإسلامية المتعددة تميزت كل منها بمنهاجها فى البحث والأدلة الاجتهادية التى تعتمد عليها إذ أن الوسطية الإسلامية- كما سبق أن أوضحنا فى هذا البحث- تجمع فى انسجام تام بين العقل والنقل، بين العلم والإيمان ومن ثم تفسح المجال للرأى 

وقلة عدد المجتهدين فى العصر الحالى واستحالة الاعتماد على الإجماع كدليل تبنى عليه الأحكام لأنه يفترض فى المجتهد عدة شروط يصعب تحقيقها فى كل مجتهد على حدة فى العصر الحالى، فكل ذلك لا يحول دون الإفادة من رأى المجتهدين فى صورة الاجتهاد الجماعى ثم يصدر بعد ذلك تشريع من ولى الأمر يتضمن ما توصلوا إليه من اجتهاد. وهذا الاجتهاد الجماعى يستند إلى الحديث الشريف عن على بن أبى طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه: " قلت  يا رسول الله إن عرض لى أمر لم ينزل فيه قضاء فى أمره ولا سنة كيف تأمرنى قال - صلى الله عليه وسلم-: " تجعلونه شورى من أهل الحق والعابدين من المؤمنين ولا تقض فيه برأيك خاصة".

والتجديد المقصود فى عصرنا الحاضر يشمل الاجتهاد فيما لم يرد فيه حكم فى كتب الفقهاء السابقين من مستجدات العصر، كما يشمل تصحيح الفهم الخاطئ  وتنقية الأحكام مما لحقها من بدع وعادات دخيلة على الإسلام مثل الإسرائيليات وعادات الشعوب غير العربية- إسلامية كانت أم غير إسلامية- التى حكمت العالم الإسلامى وأثرت فيه فكرياً.

وهذا التجديد يمتد إلى أصول الفقه من أدلة ومناهج بحث وطرق استنباط فهو درة تاج الفقه الإسلامى، وهو ما انفردت به الشريعة الإسلامية ولم يصل إليه غيرهم فى الشرائع الأخرى وضعية كانت أم سماوية. فالمذاهب الإسلامية كلها اعتمدت على المنهج التحليلى فى الأمور التى ورد فيها نصوص فى الكتاب والسنة بهدف استخراج المعانى والأحكام والفروع وقسموا دلالة النص إلى دلالة بمنطوقه ودلالة بمفهومه، فإن لم يجدوا نص لحكم الحالة المعروضة لجأوا إلى المنهج الاستقرائى للتعرف على علل الأحكام ومقاصدها لاستخراج الحكم بما ينفع الناس ويدرا عنهم الضرر، فظهر القياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف كأدلة اجتهادية جديدة تبنى عليها الأحكام. ومن حق ولى الأمر الترجيح بين الأحكام المتولدة عن هذه الأدلة الاجتهادية كما أن له التشريع فيما لم يرد فيه حكم. وتوج الفقهاء منهجهم بوضع قاعدة أصولية فى المعاملات تقضى بأن: " الأصل فى المنافع الإباحة وفى المضار التحريم " وقد استنبطوا هذه القاعدة من الآية الكريمة:( وهو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ).

والفقهاء المسلمون بجميع مذاهبهم يقفون عند حد وضع الحلول للمشاكل الفردية حقيقية أو افتراضية وتورعوا عن بناء نظريات عامة مخافة الوقوع فى الاصطدام بنص قطعى. غير أن هذا الاتجاه تغير بصورة جزئية منذ القرن الرابع الهجرى حيث عمد بعض الفقهاء إلى محاولة تجميع الحلول الفردية وصياغتها فى قواعد كلية، ولكنهم نصحوا بعدم الاستناد إليها لبيان حكم واقعة جديدة ما لم تكن القواعد المستند إليها مستمدة من نص فى الكتاب أو السنة أو مؤيدة بما جاء فى كتب الأئمة الأوائل أو صدر بها قرار من ولى الأمر. وقد أخذ عدد هذه القواعد الكلية يزداد مع الزمن، وجمعها واضعو مجلة الأحكام العدلية فى 99 قاعدة وأكدوا التحفظ فى الاعتماد عليها الذى سبق أن ذكرناه. والقواعد الكلية تتشابه من بعض الوجوه مع المبادئ العامة التى تسود القوانين الوضعية مثل مبدأ المساواة مع فارق أساسى هو أن القواعد الكلية الشرعية مستمدة من الكتاب والسنة والأصول الشرعية أما المبادئ العامة فى القوانين الوضعية فهى مستمدة من ضمير الجماعة حسب فهمها لمبادئ العدالة والقانون الطبيعى المتوارثة عن الفلسفة الإغريقية والقانون الرومانى. ومن هذه المبادئ يستمد القانون الوضعى بعض أحكامه فتصبح ملزمة للناس. وقد توصل فقهاء القانون الوضعى إلى استنباط هذه القواعد بعد ما اتبعوا فى بحوثهم المنهج الجدلى الذى توارثوه عن الإغريق والرومان، ومازال هذا المنهج هو عماد دراسة القوانين الوضعية المعاصرة.

وتستطيع الاسترشاد فى تطوير الفقه الإسلامى وتجديده بالقواعد الكلية بالشروط التى وضعها الفقهاء التى ذكرناها من قبل والاعتماد عليها فيما يستجد فى المجتمع من حالات. وبذلك نجمع بين المنهج التحليلى والاستقرائى وبين المنهج الجدلى. كما يتعين عدم الاكتفاء بالرجوع إلى كتب الفقه المعتمدة لاستخراج الأحكام اللازمة للمستجدات بل يجب الرجوع إلى الأدلة الفقهية الاجتهادية من مصالح مرسلة وعرف وغيرهما. مع الاستعانة بالمنهج التاريخى للوقوف على التطورات الاجتماعية والاقتصادية التى تقتضى تغيير الأحكام.

 (جـ ) تكوين جيل جديد من المتخصصين فى الشريعة:

إن المتخصصين فى القانون ودارسيه يعتمدون فى الوقت الحالى اعتماداً كلياً على القوانين الغربية ومنهج بحثها، وكتب الفقه الغربى وأحكام القضاء فى بلاد الغرب. وهذه الثقافة الغربية سواء فى ذلك اللاتينية الأصل أم الأنجلوسكسونية تأصلت فى نفوسهم وتشربوها فانقطعت صلتهم بالتراث الفقهى الإسلامى. وبعد توحيد جهة التقاضى فى أكثر البلاد الإسلامية بعد إلغاء المحاكم الشرعية ونقل اختصاصها إلى المحاكم المدنية، وبعد صدور القوانين والدساتير التى تجعل من الشريعة الإسلامية أصلا للتشريع ومصدراً لها يجب على البلاد الإسلامية أن تعيد النظر فى برامج الدراسة الحالية فى كليات الحقوق بما يحقق التوسع فى دراسة الشريعة وعدم الاقتصار على دراسة الأحوال الشخصية. على أن تكون الدراسة قائمة على الدراسة المقارنة بين المذاهب الإسلامية الثمانية واستخراج الأحكام المناسبة لظروف العصر مع مقارنتها بالقوانين الوضعية قدر المستطاع وقد كان هذا الهدف هو الذى توخته كثير من البلاد الإسلامية فى الجمع بين الدراسة الشرعية والقوانين الوضعية فى كليات الشريعة والقانون غير أن النتائج الفعلية لهذه الدراسة لم تحقق الأهداف المرجوة سواء من حيث القائمين بالتدريس أم من حيث الخريجين الأمر الذى يقتضى مراجعة هذا القصور.

ويرتبط بذلك ضرورة تدريب القضاة على تحصيل واستيعاب أكبر قدر ممكن

من الدراسات الشرعية. وتستطيع أن تقوم بهذه المهمة الآن مراكز تدريب القضاة المنتشرة فى البلاد الإسلامية.

ويتصل بهذا الموضوع ضرورة الاهتمام باللغة العربية التى أوشكت أن تكون غريبة فى بلادها أمام الغزو الثقافى الخارجى. فاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص وتفسيرها يتطلب إجادة تامة للغة العربية. وسبيل النهوض باللغة العربية يبدأ منذ الصغر فى المدارس .

(1) يتشابه تعبير القاعدة القانونية مع ما يسميه الشرعيون " الحكم الشرعى"

(2) كلمة قانون كلمة يونانية الأصل kanun  ومعناها العصا المستقيمة . تستخدم مجازاً بمعنى القاعدة أو المبدأ. وقد كثر استعمال الكلمة من جانب فقهاء القرن الثامن الهجرى ومنهم ابن القيم فى كتابه " أعلام الموقعين " وابن خلدون فى مقدمته واستعملها من قبلهم ابن مماتى فى كتابه " قوانين الدواوين " ( توفى عام 606 هـ ) كما استعملها من قبل الماوردى فى كتابه الأحكام السلطانية ..

(3) استعمل ابن رشد الأندلسى ( توفى عام 595) فى بحثه بعنوان " فصل المقال فيما بين الحكمة ( المقصود بالحكمة الفلسفة ) والشريعة من اتصال   تعبير الجمع بين المعقول والمنقول " وهو يقر ر 15 ص " فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدى النظر البرهانى ( ويقصد به استنباط المجهول من المعلوم ) إلى مخالفة ما ورد به الشرع ، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له " ثم يستطرد فيقول " فإن أدى النظر البرهانى إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه فى الشرع أو عرف به . فإن كان مما سكت عنه فلا تعارض هناك ؛وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشريعة وإن كانت الشرعية قد نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفاً . فإن كان موافقاً فلا قول هناك وأن كان مخالفاً طلب هناك تأويله ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب فى التجوز من تسمية الشىء بشبهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التى عودت فى تعريف أصناف الكلام المجازى" . واختتم هذه الأقوال بقوله : " فإن قال قائل إن فى الشرع أشياء قد أجمع المسلمون على حملها على ظواهرها وأشياء على تأويلها وأشياء اختلفوا فيها . فهل يجوز أن يؤدى البرهان إلى تأويل ما أجمعوا على ظاهره أو ظاهر ما أجمعوا على تأويله ؟ قلنا : أما لو ثبت بالإجماع بطريق يقينى لم يصح وإن كان الإجماع فيها طنيا فقد يصح ".

(4)  وشيبه بذلك ما تقرره بعض القوانين الحديثة مثل قانون العقوبات المصرى  المادى 345 التى تقضى بمعاقبة " الأشخاص الذين تسببوا فى غلو أو انخفاض أسعار غلال أو بضائع أو بونات أو سندات مالية معدة للتداول عن القيمة المقررة  لها فى المعاملات التجارية .. بتواطئهم مع مشاهير التجار الحائزين لصنف واحد من بضاعة أو غلال على عدم بيعه أصلا أو على منع بيعه بثمن أقل من الثمن المتفق عليه بينهم .

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع