الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
المقدمة:

ضرورة التجديد وضوابطه

فى الفكر الإسلامى

الدكتور/ خالد عبد الله الشعيب

الكويت

المقدمة:

الحمد لله  رب العالمين والصلاة والسلام على  أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين..

وبعد،

فقد ميز الله سبحانه تعالى الإنسان عن غيره من المخلوقات بالعقل، وجعله مناطا للتكليف، والعقل هو آلة التمييز يعرف الإنسان من خلالها الخير والشر، وهذه  المعرفة هى التى تقود إلى السعادة فى الدنيا والفوز فى الآخرة .

وقد أستثمر علماء المسلمين فى مختلف العصور العقل خير استثمار، فمن خلاله قدموا للإنسانية فكرا رائدا، وتشريعا فريدا، مما كان له أكبر الأثر فى تقدم الأمة الإسلامية ونهضتها، وأصبحت لعدة قرون حاملة مشعل الحضارة فى العالم كله تضىء  به لنفسها  ولغيرها من الأمم الطريق.

وفى العصر الحديث تأخرت أمتنا الإسلامية وسبقتها أمم أخرى فى الفكر والحضارة فنادى الغيورون من المسلمين باستثمار العقل مرة أخرى وتجديد الفكر للنهوض بالأمة الإسلامية لتعود إلى سابق عهدها.

والدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامى دعوة جديرة بالأخذ والاعتبار إذا وضعت فى إطارها الصحيح وكان الهدف منها حل المشكلات وإزاحة العقبات التى تقف حائلا أمام تقدم الأمة ونهضتها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه قد ورد فى الحديث الشريف قول النبى- صلى الله عليه وسلم- : "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها(1) .

قال المناوى مفسرا قوله صلى الله عليه وسلم "يجدد لها دينها" : أى يبين السُنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم (2). والتجديد بهذا المعنى الشرعى ليس مقصود بحثنا. وإنما المقصود بهذا البحث التجديد بالاصطلاح الحديث حيث سنبين من خلاله تعريف التجديد وخصائص الفكر الإسلامى ومدى الحاجة إلى التجديد والأساس الإسلامى للتجديد وضوابطه.

فالفكر عمل بشرى محض  يهدف الإنسان من خلاله إلى معرفة أمور جديدة لم تكن معروفة له من قبل ليسخرها فى تلبية حاجاته أو حاجة المجتمع.

وإذا كان الفكر من عمل البشر فنستطيع أن نقول جازمين بأنه ليس كل ما جاء به الإسلام يعتبر فكرا،  وإنما يختص الفكر الإسلامى بالآراء الاجتهادية التى قدمها علماؤنا فى مختلف العصور الإسلامية ابتداء من عصر الصحابة إلى يومنا هذا.

 ومن ثم فإن ما أخبرنا الله تعالى به أو رسوله- صلى الله عليه وسلم- من أمور غيبية ليست من الفكر فى شىء، وإنما هى تصور إسلامى حول هذه الغيبيات.

 وكذلك ما أخبرنا الله تعالى به أو رسوله- صلى الله عليه وسلم- من أحكام شرعية بنصوص صحيحة صريحة ليست من الفكر، إذ لا عمل للبشر فيها، وإنما هى تعليمات إلهية لتنظيم شئون الحياة.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أن بّين للناس من خلال شريعته الخاتمة أصول الأحكام والتشريعات الأساسية التى تنظم حياة الناس بدءا بأصول المعاملات المالية التى تحفظ الفرد من الغش والخداع والاستغلال وأكل ماله بالباطل، ومرورا بتشريعات الأحوال الشخصية  التى تحدد علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة الفرد بالأسرة، وانتهاء ببيان أصول الحدود الشرعية والقصاص حفاظا على المجتمع من الفوضى والجريمة.

إن الله تعالى قد تكفل ببيان هذه الأصول والأحكام لعلمه بقصور الفكر البشرى عن الوصول إليها، ولا أدل على ذلك من أنه بالرغم من التقدم الكبير الذى أحرزه الغرب فى جميع المجالات إلا أن تشريعاته مازالت قاصرة لا تدانى التشريع الإسلامى  فى سموه وعدله.

تعريف التجديد والاجتهاد والإبداع

يطلق الجديد فى اللغة على معان عدة نذكر منها ما يلى:

1- ضد القديم البالى، يقال جد يجد فهو جديد، وتجدَّد الشيء: صار جديدا، وأجدّه وجدّده واستجده: صيره جديداً.

وسمى الليل والنهار الجديدان: لأنهما لا يبليان أبدأ، ويقال: لا أفعل ذلك ما اختلف الجديدان أى الليل والنهار (3).

2- الجديد: ما لاعهد لك به، ولذلك وصف الموت بالجديد، قال أبو ذؤيب:

فقلت لقلبى يالك الخير إنما يدلِّيك للموت الجديد حبابها  (4).

3- الجديد: وجه الأرض، والجمع أجدّه وجُدُد وجُدَد (5).

والتجديد فى الاصطلاح الحديث: نزعة تأخذ بأساليب جديدة فى نواحى الحياة الفكرية والعملية (6).

ولما كان التجديد مضافا إلى الفكر كان لابد من بيان معنى الفكر أيضا ، فنقول بأنه لا يختلف علماء اللغة وعلماء الشريعة بأن الفكر هو: إعمال العقل فى المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول(7).

ولا يخلو الفكر من جهد مبذول، لأن الفكر هو إعمال العقل، وإعماله يحتاج إلى جهد وطاقة، فإذا بلغ الجهد المبذول غايته بأن استفرغ الإنسان ما فى وسعه للوصول إلى فكر معين اقترن بالفكر الاجتهاد، وأمسى الاجتهاد من مقومات الفكر وأركانه الأساسية.

وقد خص علماء أصول الفقه الاجتهاد بالفكر الموصل إلى الأحكام الشرعية حيث عرفوه بأنه: استفراغ الجهد فى درك الأحكام الشرعية.

والاستفراغ هو غاية البذل بحيث يحس المستفرغ من النفس العجز عن المزيد عليه.

فاجتهاد المقصر لا يُعد فى اصطلاحهم اجتهادا معتبرا، لأنه لم يستفرغ جهده(8).

وإذا اقترن الاجتهاد بالصورة التى  ذكرها الأصوليون بالفكر فإنه لا تخلو نتيجة هذا الفكر من الإتيان بأمور جديدة قد تشكل إبداعا فى عالم المعرفة.

 ومفهوم الإبداع يباين مفهوم التجديد، لأن الإبداع هو إنشاء الشئ على غير مثال(9) فهو إحداث لأمور جديدة لم تكن معروفة من  قبل.

خصائص الفكر الإسلامى وغاياته

يختلف الفكر الإسلامى عن غيره من الأفكار الإنسانية وسبب هذا الاختلاف هو ما يمتاز به الفكر الإسلامى من خصائص ذاتية تميزه عن غيره، كما أن له غايات يرمى إليها، فهو ليس فكرا نظريا هدفه إشباع غريزة البحث فقط بل هو يلامس الواقع ويؤثر فيه ويطبعه بطابعه.

وأهم الخصائص الذاتية للفكر الإسلامى تتمثل فيما يلى:

1- شرعى المنطلق:

يتميز الفكر الإسلامى أنه ينطلق من مصدرى الشريعة الإسلامية وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

وترتب على هذه الخاصية ما يلى:

(أ) إن الفكر الإسلامى أصبح فى منأى عن المصالح الإنسانية الخاصة، فالفكر الإسلامى بجميع آرائه الاجتهادية يحقق مصلحة الجماعة وليس مصلحة  مجموعة معينة، فهو فكر إنسانى قبل أن يكون إسلاميا (10).

(ب) ضبط العقل: ذلك أن العقل إذا أرخى له العنان ولم يكن له مصدر متين يرجع إليه فإنه تميل به الأهواء، ويُغلب مصلحة ينتفع هو بها على مصلحة لا نفع له بها، فخير ما يضبط عمل العقل هو مصدره الشرعى الذى ينير له الطريق ويبلغه طريق الرشاد.

(جـ) سهولة القبول: ذلك أن الإنسان متدين بطبعه يألف الدين ويركن إليه، ومن ثم فإن الآراء والأفكار المبنية على أساس دينى تجد طريقها إلى نفسه من غير عناء أو عناد بخلاف الآراء التى لا تكون مبنية على أساس دينى فإنه ينازع فيها وقد يرفضها إن لم تحقق له مصلحة.

2- الثبات والاستمرار :

من خصائص الفكر الإسلامى أن له أصولا عامة ثابتة، وثبات هذه الأصول لم يمنع من استمرار العطاء الفكرى من كل جيل، فالجميع يستلهم أفكاره من تلك الأصول الثابتة، فهناك تواصل وتكامل بين الأجيال المتلاحقة.

وقد ضربت هذه الأجيال مثلا رائعا فى سمو الحوار الفكرى بينها فلم يسفه جيل ما قدمه الجيل الذى قبله بل كان كل جيل مؤتمنا على منجزات ما قبله مضيفا إلى ما قدمه رؤيته المتجددة(11).

3-  العقلانية:

من خصائص الفكر الإسلامى أنه عقلانى فى آرائه وأفكاره، فلا يصطدم مع المسلمات والثوابت العقلية كما فى بعض الأفكار الدينية فى الديانات الأخرى.

إن التصادم بين الفكر الدينى والعقل يجعل النفس ننفر من فكرها الدينى لأنه يجعلها تعيش فى تناقض بين ما يمليه عليها فكرها الدينى وبين ما يمليه عليها عقلها.

ويتفرع عن عقلانية الفكر الإسلامى كونه أخلاقيا يمقت كل خلق سئ ورذيلة. ذلك أن الإنسان مفطور على الفضيلة والأخلاق الكريمة مغروس فى وجدانه وعقله حب الخير وكره الشر، فالعقل الصحيح السليم لا يُعارض خلُقاً حميداً ولا يتوافق مع خلق سئ.

ولا أدل على أخلاقية فكرنا الإسلامى الممتد قروناً من دعا إلى خلق سئ أو رذيلة..

-                           أما أهم الغايات التى يرمى الفكر الإسلامى إلى تحقيقها فهى:

1- تحقيق السعادة للفرد:

تحقيق الطمأنينة والسعادة للفرد أسمى غايات الفكر الإسلامى ذلك أن الفكر الإسلامى يسعى إلى السمو بالنفس البشرية  وذلك من خلال تخليصها من أسقامها وترويضها لقبول منهج ربها، ولا ريب أن العيش وفق المنهج الربانى يحقق للنفس طمأنينة وسعادة للتوافق الكامل بين ما فطرت عليه النفس البشرية وبين المنهج الرباني الذى تحيا فى كنفه.

2- تنظيم المجتمع ورقيه(12)

من غايات الفكر الإسلامى تنظيم المجتمع والرقى بهذا التنظيم إلى أعلى مستوى مادام ذلك متوافقا مع أصوله العامة، ويتضح هذا جليا من خلال الآراء الاجتهادية الدقيقة التى وضعها علماؤنا فى تنظيم الشئون الإدارية والقضائية للدولة ووضع الضوابط التى تحدد سلطة الحاكم وعلاقته بالمحكومين.

ضرورة التجديد

لا نختلف مع أحد فى حاجتنا إلى التجديد، لأن التجديد من مقتضيات تطور الحياة والمجتمعات، وكلنا ينشد التطور والرقى.

ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن التجديد والابتكار هما ركنا التطور، إذ التطور لا يأتى من فراغ وإنما هو نتيجة لدراسة الآراء والأفكار وأخذ الصالح المفيد منها مع إضافة رؤى أخرى عليها فيتولد من ذلك فكر نير تسترشد به الأمة فى مسيرتها.

إن التجديد كما هو مطلب اجتماعي هو كذلك مطلب عقلى، إذ ليس من العدل والإنصاف أن نطلب من أحد أن يأخذ بفكر من سبقه من غير مناقشة أو إبداء رأى خاصة إذا كان أهلا لذلك. وما ذلك إلا تعطيل لوظيفة العقل. ومازال علماؤنا يناقشون آراء من تقدمهم فتارة يؤيدونها وتارة يردونها وتارة ثالثة يضيفون إليها، ولم يعب أحد عليهم هذا الصنيع وكل ذلك يتم بحثاً عن الحق والحقيقة.

ولعل من أهم الأسباب التى تظهر حاجتنا إلى التجديد ما يلى:

 

1- التطور المستمر فى الحياة:

إن الإنسان منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا يعيش فى تطور مستمر فى جميع أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.. وهذا أمر محسوس ملموس لا يحتاج إلى دليل لإثباته.

إن هذا التطور فى الحياة يجب أن يواكبه فكر متجدد ينبع عن رؤية لقضايا الإنسان واهتمامه.

إن الإنسان مهما بلغ مقدار التطور فى حياته فإنه يحتاج إلى جنب ذلك التطور فكرا يُشبع عقله وروحه، وكلما كان الفكر متجددا متوافقا مع النهضة التى يعيشها المجتمع كلما كان الإشباع أكمل مما يعكس أثرا إيجابياً على حيوية المجتمع ونشاطه.

والفكر الإسلامى يواكب تطور الحياة فمن القواعد الفقهية المقررة أن الأحكام الشرعية التى وضعها المجتهد بناء على ما كان فى عرفه وزمانه فإنها تتغير بتغير الزمن والعرف.

ومن ذلك افتاء متأخرى الحنفية فى مسائل خالفوا فيها الإمام أبا حنيفة بسبب تغير الزمان والعرف ومنها:

(1) تحقق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان فى عصره من أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره فقال محمد باعتباره وأفتى به المتأخرون.

(ب) تضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف وعدم إجارته أكثر من سنة فى الدور وأكثر من ثلاث سنين فى الأراضى مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة.

قال ابن عابدين: إن جمود المفتى أو القاضى على ظاهر المنقول مع ترك العرف والقرائن الواضحة والجهل بأحوال الناس يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين(13).

2- -  تلبية حاجات الإنسان:

إن الإنسان كائن حى له حاجات متعددة، وهذه الحاجات تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ومهمة الفكر الأساسية هى تلبية حاجة الإنسان، وهى مقياس نجاحه، فكلما كان الفكر ملبيا لحاجة الإنسان المشروعة كلما كان فكرا ناجحا، والعكس بالعكس.

فالفكر الناجح هو الفكر الذى يلبى حاجات الإنسان المشروعة المتجددة مهما اختلفت العصور أو الأمكنة بقابليته للتجديد.

ويمثل فقه الضرورة فى الفكر الإسلامى تطبيقا عمليا لتلبية ضرورات الإنسان وحاجاته، وقد استعمله فقهاؤنا فى كثير من المسائل نذكر منها ما يلى:

(أ) الإفتاء بجواز أخذ الأجرة على الطاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن لحاجة الناس إلى من يقوم بأداء هذه الشعائر وإن كان الأصل أن كل طاعة تجب على المسلم لا يجوز الاستئجار عليها(14).

(ب) أفتى متأخرو الحنفية وبعض الشافعية بجواز بيع الوفاء، وبيع الوفاء هو: البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشترى المبيع إليه، وأجيز هذا البيع لحاجة الناس إليه وإن كان مخالفا للقواعد (15).

3- حل المشكلات وإيجاد البدائل:

ما من مجتمع على وجه الأرض إلا وله مشكلاته المختلفة، والفكر النافع هو الفكر الذى يقدم حلولآ لمشكلات مجتمعه، ولاشك أن المشكلات تتجدد بتطور المجتمع، فتظهر مشكلات لم تكن موجودة من قبل فيستلزم ذلك فكرا جديدا أو متجددا لحل هذه المشكلات.

كما أن حاجتنا إلى التجديد تظهر جلية فى إيجاد البدائل للأفكار التى يطرحها الفكر الغربى والتى تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وقد خطا الفكر الإسلامى فى مجال الاقتصاد خطوات عديدة إذ قدم بديلا للبنوك الربوية يقوم على أساس إسلامى، وقد طبق فى كثير من البلاد الإسلامية وأثبت نجاحه وفاعليته

الأساس الإسلامى للتجديد وضوابطه

أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب لهداية البشر لعلمه تعالى أن العقل بمجرده لا يوصل إلى الهداية الكاملة.

وقد اقتضت حكمته تعالى أن جعل نبينا محمدا- صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين وشريعته خاتمة الشرائع فلا نبى بعده صلى الله عليه وسلم، ولا شريعة بعد شريعة الإسلام، وإذا كانت شريعة الإسلام خاتمة الشرائع السماوية كان لابد أن تتوافر فيها عناصر البقاء إلى قيام الساعة تؤدى مهمة الهداية للبشر، إذ لن يوحى الله تعالى بشريعة بعدها، كما لابد أن تكون صالحة للتداول والتطبيق فى مختلف العصور والبلاد.

وقد وفر الله تعالى فى شريعة الإسلام عناصر بقائها كما أودع فيها أسباب صلاحها، وأصبح من المسلمات العقلية لدى المسلمين صلاح الشريعة الإسلامية، ومعنى صلاحها هو ملاءمة أحكامها للنفس البشرية مهما اختلف الزمان أو المكان.

والسبب الرئيسى لصلاح الشريعة أنها ثابتة فى أصولها، قابلة للتجديد فى فروعها، قادرة على استيعاب المتغيرات لا تضيق بتعدد الآراء والخلافات، بل تطوع هذه الخلافات لمصلحة الفرد والمجتمع.

وإذا كان الفكر الإسلامى يقبل التجديد من حيث الجملة لكن قبوله له ليس مطلقا، فمنه ما يقبل التجديد ومنه ما لا يقبله، وما يقبل منه التجديد له شروط وضوابط. وبيان ذلك فيما يلى:

أولا: دائرة التجديد فى الفكر الإسلامى:

إن تحديد ما يقبل التجديد فى الفكر الإسلامى فى دائرة محددة أمر فى غاية الأهمية حفاظا على ديننا من عبث العابثين، والمتربصين به الساعين إلى نقض عراه بمعاول فكرهم، والجاهلين الذين يفسدون ويحسبون أنهم مصلحون.

 إن أول خطوة فى تحديد دائرة ما يقبل التجديد فى الفكر الإسلامى هو بيان المقصود بالفكر الإسلامى، وقد سبق أن أوضحنا أنه ليس كل ما جاء به الإسلام من تصورات وأحكام يعتبر فكرا، لأن الفكر هو عمل عقلى محض يختص بالإنسان، وهذه التصورات والأحكام لا دخل للإنسان فيها، وإنما جاءت من الله العليم الحكيم، وواجب المسلم تجاهها التسليم والإذعان. قال الله تعالى  ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )(16).

وبناء على ذلك فلا يعتبر من الفكر الأمور التالية:

1- ما أخبرنا الله تعالى به أو رسوله- صلى الله عليه وسلم-  من الأمور الغيبية بنصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأول ولا مجال للاجتهاد فيها، كالإخبارات المتعلقة بذاته العلية، وأصل خلق الإنسان والجن والملائكة والبعث والحساب والجزاء ووجود الجنة والنار وصفتهما.

ومن الأمور الغيبية الأمور المشاهدة التى غابت عنا بسبب تقدمها فى الزمن كالإخبارات عن الأنبياء والرسل وقصصهم مع أقوامهم.

2- ما أخبرنا الله تعالى به أو رسوله- صلى الله عليه وسلم- من أحكام شرعية بنصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل ولا مجال للاجتهاد فيها (17)، كالأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات وأصول المعاملات والنكاح والطلاق وقسمة التركات.

فالمقصود إذن بالفكر الإسلامى هو: الآراء الاجتهادية التى قدمها علماء الإسلام فى مختلف العلوم منذ عصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إلى يومنا هذا.

وبعد أن خطونا الخطوة الأولى وبينا المقصود بالفكر الإسلامى، فخطوتتا الثانية فى تحديد دائرة ما يقبل التجديد فى الفكر الإسلامى هى النظر فى القواعد العامة التى تحدد طبيعة الفكر من حيث قابليته للتجديد أو عدم قابليته له.

وهناك قاعده واحدة قد تضيق قليلا من دائرة ما يقبل التجديد فى الفكر الإسلامى هى قاعدة الإجماع، فالآراء الاجتهادية التى اتفق العلماء عليها وأصبحت محل إجماع عندهم لا يجوز مخالفتها أو تغييرها أو تجديدها، لأن الإجماع حجة شرعية يجب الأخذ بها.

قال الزركشى: والحق أن  ما أتفق عليه المعتبرون فحجة قطعيه(18).

ثانيا: ضوابط التجديد فى الفكر الإسلامى:

إن أشد ما نحتاج إليه اليوم هو وضع ضوابط للتجديد فى الفكر الإسلامى ذلك أن الآراء والأفكار ترد على الأمة الإسلامية من جميع الحضارات وخاصة الحضارة الغربية الحديثة التى هى محل إعجاب الغالبية العظمى من المسلمين، وقد سهل سرعة وصول أفكار الحضارات الأخرى وانتشارها فى المجتمعات الإسلامية ثورة الاتصالات والمعلومات التى يعيشها العالم الحديث من خلال القنوات الفضائية والإنترنت وطرق الاتصال اللاسلكى.

وهذه الأفكار الواردة تختلف عن الفكر الإسلامى من حيث منطلقاتها وأهدافها، فهى تنطلق من مبدأ علمانى يعزل الدين عن الحياة، وتهدف إلى توفير الرفاهية والحرية المطلقة للفرد. فكان لابد من وضع ضوابط تغربل هذه الأفكار التى يتبناها بعض المسلمين لتجديد فكرنا الإسلامى.

وأيضا فإن هذه الضوابط تميز لنا ما يقدمه لنا مفكرونا من آراء تجديدية من خالص فكرهم، فنعرف من خلالها ما يتفق ومبادىء شريعتنا وما يخالفها، إذ أن العقل لا حدود له فهو يتصور المستحيلات ويجمع بين المتناقضات.

إن هذه الضوابط هى التى تحفظ فكرنا التجديدى من الفوضى الفكرية التى قد تكون سببا لنشوء النزاعات وهدم المجتمعات.

ولعل أهم ضوابط التجديد فى الفكر الإسلامى ما يلى:

1- ألا يؤدى الفكر التجديدى إلى التصادم مع النصوص الشرعية أو الإخلال بها، لأن الأصل هو التمسك بالنصوص الشرعية لقوله تعالى:( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) (19). وغير ذلك من الآيات والأحاديث الداعية إلى طاعة الله تعالى ورسوله.

فأى فكر يتعارض مع النصوص الشرعية القطعية لا اعتبار له، كالفكر الذى يبيح الربا ويرفض الحجاب الشرعى للمرأة وإقامة الحدود الشرعية.

2- ألا يكون الفكر التجديدى فكرا صرح العلماء برده وعدم اعتباره، فلا اعتبار لفكر تجديدى يتبنى آراء المعتزلة مثلا فيقول إن العقل هو الذى يحسن ويقبح ويوجب ويحرم حيث رد علماء أهل السنة هذا الرأى واعتبروا أن الذى يحسن ويقبح ويوجب ويحرم هو الشرع لا العقل(20).

3- أن يراعى الفكر التجديدى القواعد العامة فى الإفتاء:

(أ) فلا يجوز أن يتتبع الفكر التجديدى رخص المذاهب وزلل العلماء قال الأوزاعى: من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام(21).

ونقصد برخص المذاهب: هو الأخذ بالأهون والأسهل من كل مذهب وإن كان دليله ضعيفا.

 (ب) ألا يكون الفكر التجديدى ملفقا بين المذاهب، والمراد بالتلفيق بين المذاهب أخذ صحة الفعل من مذهبين معا بعد الحكم ببطلانه على كل واحد منهما بمفرده فى المسألة الواحدة، كالنكاح بلا ولى ولا شهود، فإن النكاح بلا ولى صحيح عند الحنفية، والنكاح بلا شهود صحيح عند المالكية، فإن صحة النكاح حينئذ ملفقة من المذهبين معا لكنه باطل عند كل مذهب على حدة ( 22).

(ج) ألا يكون الفكر التجديدى مستمدا من الآراء الشاذة فى المذاهب والمقصود بالشاذ هنا ما كان مقابل المشهور أو الراجح أو الصحيح فى المذهب ، لأن العلماء متفقون على عدم جواز الإفتاء بالشاذ إلا أن يكون المفتى (المجدد) مجتهدا فى المذهب فيعمل حينئذ بما يراه أرجح أو أصح فى نظره لقوة دليله ولو كان هذا الرأى شاذا(23).

المراجع

(1) أخرجه أبو داود (4 /  0 48) والحاكم (4/ 522 ط دائرة المعارف العثمانية).

قال الزين العراقى وغيره: سنده صحيح (فيض القدير للمناوى  2/282 المكتبة التجارية).

(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير 2/ 281-282.

 (3) القاموس المحيط 1/ 281 ، ولسان العرب 3/ 111.

(4) لسان العرب 3/ 112.

(5) المعجم الوسيط 1/110، والقاموس المحيط 1/ 281.

(6) المصطلحات العلمية والفنية للمجامع والجامعات العربية لنديم مرعشلى وأسامة مرعشلى  ص 136 مطبوع مع الصحاح  للجوهرى .

(7) المعجم الوسيط 2/  698، والتعريفات للجرجانى  ص 147.

(8) المنهاج مع شرحيه للأسنوى والبدخشى 3/ 191.

(9) المعجم الوسيط 1/  43.

(10) منهج التجديد فى الفكر الإسلامى للدكتور فاروق النبهان ص 50، مطبوع ضمن أعمال ندوة تجديد الفكر الإسلامى المنظمة من قبل مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية.

(11) المرجع السابق.

(12) المرجع السابق.

(13) مجموعة رسائل ابن عابدين 1/47 رسالة عقود رسم المفتى.

(14) الموسوعة الفقهية 1/291، مجموعة رسائل ابن عابدين 1/13-14 .

(15) الموسوعة الفقهية 9/ 260

(16) سورة الأحزاب 36

(17) عرف علماء الأصول المجتهد فيه بأنه: كل حكم شرعى ليس فيه دليل قطعى فما وجد فيه دليل قطعى من الأحكام ليس محلا للاجتها د. كوجوب الصلوات الخمس والزكاة.

(18) البحر المحيط 4/443

(19) سورة التغابن/ 12.

(20) شرح المحلى على جمع الجوامع 1/57- 59، والبحر المحيط1/143.

(21) البحر المحيط6 /325-326،والموافقات للشاطبى 4/147.

(22) الموسوعة الفقهية 13/293.

(23) الموسوعة الفقهية25/357-361.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع