الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الثالث عشر: التجديد فى الفكر الإسلامى مايو 2001م
 
الاستاذ الدكقور/ عبد الرحمن عباد

مفهوم التنوير فى التصور الإسلامى

بين الأصالة والمعاصرة

 الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن عباد

دار الفتوى والبحوث الإسلامية

القدس- فلسطين

قبل الحديث عن التنوير فى المفهوم الإسلامى أود أن أشير إلى أن الهدف الغربى من التنوير هو السيطرة والتحكم والسيادة والتفرد فى قيادة العالم، وفرض التخلف على الآخرين وجعله يتحول إلى تخليف ، أى ( تخلف مؤبد ) وتحول الفساد إلى إفساد أى (فساد أبدى)، وتحويل الحراك السياسى الأول من النسبى إلى الاستفراد السياسى، ومن التسامح إلى التكفير ومن التنوير إلى الظلامية، ومن الوطن إلى الطوائف والمذاهب والاثنيات، ومن ثم إلى الأقطار المتعارضة أو المتصارعة، ومن التطبيع العربى إلى التطبيع العربى الإسرائيلى... وتحويل المشروع الصهيونى إلى (مابعد الصهيونية، التى تسعى إلى استبدال البندقية بالسوق، والاستراتيجية الجغرافية بالاستراتيجية الكونية السوقية...

وهناك تهمة يروجها الفكر التنويرى عن الفكر العربى، إذ أن الفكر العربى الإسلامى ينتمى إلى( الصحراء) حيث تتلاقى ذرات الرمل دون أن تندمج فيما بينها، وإلى كون الفكر الغربى ينتمى إلى (البحر) حيث تتلاقى نقاط الماء متداخلة مندمجة، وإذا أدركنا أن (الصحراء) هنا تشير إلى الانقطاع والقطيعة وأن( البحر) يشير إلى الاتصال والاستمرارية، لاحظنا أن ذلك يراد منه المماهاة بين الصحراء والركود التاريخى، وبين البحر والتدفق التاريخى.

إن التلفيق بين( أعرابى) ينتج أيديولوجيا فى صحرائه متوحدا وبين معرفة ينتجها (مواطن حر) فى مدينة تضع يدنا على نزعة تغريبية مضمخة بشحنة (مركزية  أوروبية) ترى التاريخ تاريخين: واحدا يتمثل بكونه مفتوحا، وآخر بكونه مغلقا، وهذا بدوره من شأنه أن يعنى أن ص الأول هو تاريخ الركود والاجترار والحضور فى المكان، وأن الثانى هو تاريخ التدفق والتغيير والحضور فى الزمان كما فى المكان، مما يفضى إلى أن الكلام على (تاريخ) فى الحالة الأولى، إنما هو من باب المفارقة المنطقية، وأن إشكالية نهضوية عربية ما تغدو تلفيقا زائفا، أو بتعبير أحد ممثالى وجهة نظرهم، فإن الزمن العربى يغدو زمنا ميتا أو قابلا لأن يعامل كزمن ميت، فإنه يمكن النظر إلى قضاياه، لا بوصفها قضايا ذات تاريخ بل بوصفها عناصر فى بنية فكرية كما هى بدء اليقظة الحديثة إلى اليوم(*).

 التنوير لغة: وقت إسفار الصبح، يقال قد نور الصبح تنويرا، الإنارة، والتنوير الإسفار( 1).

التنوير فى القرأن الكريم: لم ترد هذه الكلمة فى القرآن الكريم بهذا اللفظ تحديدا، لكن مادتها الأصلية تتكرر خمسين مرة تقريبا (2). وهى مشتقة من النور. يقول الله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)  (المائدة 15) والنور هو ما يهدى إليه الشرع، أو يهدى به، ولهذا كان النور والهدى جزءا من رسالات السماء جميعها، قال الله تعالى  )إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور  ) ، (المائدة 44) وقال أيضا ( وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ) (المائدة 46)، والنور بعض من التنزيل فى القرآن الكريم أيضا، يقول الله تعالى: ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون ) (الأعراف 157) والله سبحانه وتعالى يقول ( الله نور السموات والأرض ) ، (النور 35)، والنور بعض من هديه، ( يهدى الله لنوره من يشاء) (النور 35) والله مصدر الأنوار كلها وهو خالقها و مافيها ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) (النور 40) وغاية المؤمنين أن يتم الله لهم نورهم: ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ) (التحريم 8) وغاية الكافرين أن يطفئون نور الله ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم  والله متم  نوره ولو كره الكافرون ) (الصف 8) والنور هو المكافأة التى ينالها أكرم الخلق من الشهداء ( والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) ، (الحديد 19) والنور حجة على الناس أولهم ( ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) ( لقمان 20).

نتبين من هذه الآيات أن التنوير يرتبط باسم الله الأعلى، فهو النور، ولهذا كان استخدامه فى كل خير يعود على الناس بالمنفعة سواء كان علما أو سواه، ولهذا ارتبط بالفضائل كلها، وكان أساس رسالات السماء جميعها وغايتها.

التنوير فى المصطلح: ظهر هذا المصطلح فى أوروبا فى القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين (RENAISSANCE) تعبيرا عن الفكر الليبرالى البورجوازى ذى النزعة الإنسانية العقلية والعلمية والتجريبية، وهو يتضمن نزعة مادية واضحة بعد إقصاء اللاهوت، وذلك بإحلال الطبيعة والعقل محل، الفكر الغيبى الثيولوجى والخرافى فى تفسير ظواهر العالم ووضع قوانينه.

وقد سمى هذا العصر بعصر النهضة، لأنه ابتعد عن سيطرة القوى الطاغية من الملوك والأمراء، وتخلص من سيطرة الكنيسة والعادات والتقاليد. أما فى الوطن العربى فقد شاع هذا المصطلح فى القرن التاسع عشر تحت مفهوم 

الحداثة ويعنى التخلص من عصر الانحطاط وتجديد الفكر العربى الإسلامى لمواجه الفكر الغربى. مع نزعة واضحة إلى الاستفادة من المنهج الغربى ويعث إحياء الجوانب العقلية والعلمية والتجريبية للحضارة العربية الإسلامية، فالتنوير ليس التحاقا بالغرب ولا انسلاخا من التراث، إذ لا تعارض بين تعاليم الإسلام من جهة واستخدام العقل من الجهة الأخرى، فالإسلام يحث على استخدام العقل، ويرفض التعصب بأشكال شتى، وهذا ما نادى به إخوان الصفا رواد الفكر التنويري فى الإسلام كما نادى به ابن خلدون وابن النفيس وسواهم (3).

التنوير فى التصور الإسلامى:

1- التنوير هو فقه الحرية: وهو مفهوم اجتهادى ابتكارى إبداعى فى آن معا، وهو فكر يتسلح بالإيمان أولا ويشترط الشجاعة فى إبداء الرأى دون خوف أو لجاجة، ولهذا حث الإسلام على الاجتهاد وأثاب عليه ( من اجتهد فأصاب فله أجران أجر الاجتهاد وأجرا لإصابة، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد).

2- التنوير يحمل معنى التعليم: تعليم الناس بأمور دينهم ودنياهم بإظهار ما لا يرون وتعريفهم بما يجهلون أو يسألون عنه، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش عمره معلما لأصحابه يبصرهم بما لا يعلمون ويجيب عما يسألون، وهو نهج الصحابة والتابعين والدعاة من بعدهم إلى يومنا هذا.

3- التنوير يعنى ازدهار المعارف الإنسانية على اختلاف مشاربها: شريطة أن تكون خادمة لرفاه الإنسان، عاملة على إسعاده فى الدارين، وليست تلك العاملة على شقائه واستعباده وتحويله إلى آلة صماء أو مسمار فى آلة، ولكن للإنسان أن يتعلم ما شاء مما فيه خيره، فإذا تعلم الشعوذة أو السرقة أو الاحتيال والسطو على الآخرين فذلك فى نطاق ما يسمى بالعلم على رذالته وهبوطه وسقوطه ولكنه يضر بالآخرين، فيشل وجودهم أو يعطل عقولهم أو يسرق منهم استقرارهم وأمنهم، فيمنع من هذا العلم لأن ضرره سيعود على سواه من الناس (4). ونذكر فى هذا الصدد أن الغرب قد استخدم علومه لمصادرة حريات الآخرين واستعبادهم وحرمانهم من مقومات الحياة، ووصلت بالغربيين الأمور إلى حد إبادة بعض الجماعات البشرية إبادة شبه كاملة، كما حصل لهنود أمريكا الحمر وما حدث لسكان استراليا الأصليين الذين تعرضوا لأبشع عملية إبادة فى التاريخ حيث راح ضحية تلك العمليات ما يزيد على ثمانية عشر مليون إنسان فيما سمى بعمليات الشفق الأحمر.

4- التنوير يسند إلى العقيدة الإسلامية: التى ترى العلم والمعارف الإنسانية كلها هدفا لإسعاد الإنسان ونفع البشرية جمعاء ولابد من توظيف هذه المعارف توظيفا محمودا حتى تكون علما نافعا يشمل الجميع ولايتم احتكاره(5)، ولهذا كان العلم والإقبال على التعلم عبادة، وقد تم ربط العلم بالعقل، لأنه منبع العلوم كما أنه أساسها.

5- التنوير مفهوم يشير إلى المستقبل، وإلى ضرورة العمل من أجل هذا المستقبل: وهو يتسلح بأدوات منها البحث والتقصى والتحليل والتركيب والتفسير والكشف عن أسرار الكون المخبأة فى بحره وبره وجوه، من هنا كان التزود بعلوم العصر وتطويرها وتفعيلها وحسن استخدامها جزءا عضويا من مفهوم التنوير فى التصور الإسلامى.

والتنوير صيغة على وزن (تفعيل) أى ديمومة النظر والتدبر والتفكر والتقرير والبحث دون إبطاء أو تقاعس، والتفعيل فى اللغة العربية تحمل معنى الاستمرار، وهى صيغة مسهمة وموجهة نحو المستقبل، نحو الغد، وهى صيغة تتوجه إلى الآخرين ولا تكتفى بالذات وحدها وذلك حتى تكتمل المنفعة وتعم الجميع.

6- التنوير هو فقه المسئولية: فالإنسان مرتبط بغيره من البشر بوشائج متعددة ومصالح متشابكة ومتداخلة، بحيث أن ضررا يصيب فريقا بجهالة، قد يلحق ضررا بفريق آخر، وبهذا يتحمل الفريق العارف مسئولية تبصير الآخر بعواقب أفعاله ومنعه من القيام بها عند الضرورة وفى هذا يقول التوجيه النبوى: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء فروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا فى تصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا" (6)

7- التنوير يقين لا تخمين: فقد دعا الإسلام إلى استقراء المعارف الموصلة إلى العلم اليقينى وقسمها إلى قسمين: أولهما غيبى بمختلف مستوياته من الوحى والإلهام، والثانى عقلى بمختلف مراحله من بصر ونظر وتفكر. وقد ميز القرآن الكريم بين الوحى الصادق الذى أنزله الله سبحانه وتعالى و على  الأنبياء، وذلك الذى توحى به الشياطين أو بعض البشر، كما بين أن الكهانة ليست وحيا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كاهنا، كما أوضح أن الإلهام لم يذكر إلا فى آية واحدة وأن السحر والشعر ليسا من ضروب المعرفة الموصلة إلى اليقين، ولهذا شجبهما. وقد عد مفكرو الإسلام الكفر عاهة ومرضا من أمراض وعاهات الفكر البشرى، لأن الكفر يحمل طاقة تدميرية مخربة ولهذا كان التنوير مفهوما إسلاميا داعيا إلى التفكير والتفكر والتعليم والتعلم لتشييد العمران ونشأة المصانع والصنائع وتقسيم العمل وفق الكفايات والاستعدادات الموجودة فى كل إنسان (7).

 لقد فهم سلفنا الصالح التنوير قولا وعملا، ولهذا عمدوا إلى ترجمة علوم الآخرين وفنونهم وفلسفاتهم إلى اللغة العربية ثم بنوا عليها علومهم منقحين ومحللين ومفسرين ومبتكرين بعد ذلك، فكانوا دعاة تصالح حضارى لاتصادم بين  الحضارات كما هى حال الحضارة الغربية ذات الأنياب والمخالب اليوم، وقد عرف التاريخ الإسلامى أفرادا مستنيرين ومنيرين ومتنورين، فى كل مجالات الحياة التى يبدعها العقل وتخصب شئون البشر. من فلك وطب وجغرافيا وزراعة وصناعة وفلسفة وفنون على اتساع هذه المعارف، ومن هذه الجماعات جماعة إخوان الصفا والمعتزلة، التى نحاول تسليط الضوء عليها فى هذه العجالة كنموذج أو مثال للفكر المستنير.

المعتزلة: هم أولى الفرق الإسلامية التى نهجت نهجا عقليا فى البحث وتقديم براهين العقل على ظواهر النصوص والمأثورات، بل وتطلب عرض النصوص والمأثورات على براهين العقل. وقد نهجوا هذا النهج قبل أن تترجم إلى العربية علوم اليونان وفلسفاتهم... وقد عرفت هذه الفرقة باسم ( القدرية )  ثم باسم (أهل العدل والتوحيد) لأنهم بتقريرهم حرية الإنسان واختياره ومسئوليته عن أفعاله يجعلون حسابه ومجازاته عن هذه الأفعال أمرا منطقيا، وينفون عن الله شبهة (الجور) إن هو أثاب أو عاقب الناس على أفعال هو فاعلها الحقيقى والمجبر عليها.

أهم الأصول الفكرية للمعتزلة:

1- العدل: ويعنى القول بحرية الإنسان واختياره وقدرته على خلق الأفعال الصادرة منه، بحسب قصده إليها وإرادته لها واختراعه لهذه الأفعال.

2- التوحيد: ويعنى نتزيه الذات الإلهية عن المشابهة والمماثلة مع المخلوقات

والمحدثات.

3- الوعد والوعيد: ويعنى صدق وعد الله لأهل الطاعة، ووعيده لأهل المعاصى ، والإيمان (الفكر) شديد الارتباط بالعمل (التطبيق) ومن ثم فلا يغنى عن المرء إيمانه إذا لم يصدق العمل الطيب هذا الإيمان، كما أنه لايغنى عن العصاة يوم الحساب شفاعة الشافعين.

4- المنزلة بين المنزلتين: ويعنى الحكم على مرتكبى الذنوب العظيمة (الكبائر) الذين يموتون دون توبة نصوح، الحكم عليهم بالخلود فى النار وتسميتهم (فسقة) وجعلهم فى مرتبة أدنى من المؤمنين وأعلى من الكافرين.

5- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: ويعنى المشاركة الإيجابية من كل مسلم مؤمن فى تقويم المعوج من أمور الحياة العامة ونظم المجتمع الذى يعيش فيه المؤمنون (8).

وهذه الأصول التى وضعها المعتزلة لا تختلف عما وضعه دعاة التنويرفى العصر إذ رأوا أن هذه الأصول  تتحقق بالاتى:

1- العقل: هو أساس النقل، وكل الأدلة النقلية مهما تضافرت لإثبات شىء أنه صحيح تحتاج إلى العقل.

2- الطبيعة: هى الفطرة التى فطر الله الناس عليها، إذ أن نظام العقل ونظام الطبيعة ونظام الوحى شىء واحد، والطبيعة خيرة والإنسان قادر على إكمالها.

3- الحرية: فالإرادة حرة فى الاختيار، والحرية مسئولية عن الأفعال، والحرية لا تعنى غياب النسق والقانون، بل تعنى فهم الضرورة، وهى حرية للفرد وللجماعة معا بحيث تلغى معها صنوف الاستبداد بكل مستوياتها.

4- روح التكافل: بين المجتمع والتضامن بين الأفراد، إذ ارتبط التنوير بالإخاء والمساواة.. والتضامن هو الذى يحمى المجتمع من الاستغلال. والمبادى التى يقوم عليها التوحيد هى الحرية والمساواة والتكافل كما يقول سيد قطب.

5- التاريخ أى التقدم: وهو ارتقاء البشرية عبر الزمان من مرحلة إلى أخرى، والتنوير لايأتى بجهد فرد بل بعمل جماعى مؤسسى يربط القديم بالجديد والماضى بالمستقبل ويضع منطقا عمليا تستنير به المجتمعات وهى فى حركة التاريخ( 9).

فالإسلام المستنير هو الإسلام الإصلاحى الذى يحاول إحياء الإصلاح القديم، ودفعه خطوة نحو الأمام فى خطاب ثالث يجمع بين الخطاب السلفى  التقليدى والخطاب العلمانى الغربى ويقبل الحوار مع الطرفين.. والتنوير جزء في حركة التحرر العربى، والدولة الحديثة في نظر التنويريين الإسلاميين ينبغى أن تقوم على حرية الفكر، والنظام البرلمانى، والتعددية الحزبية، والدستور، والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين على سائر مللهم، وتعليم البنين والبنات، والتخطيط والعمران الحديث الذى يشمل الزراعة والصناعة.. ولا يختلف التنوير فى مفهوم العرب عنه عند الغربيين، فما سماه الغرب العقل معروف عند المعتزلة قبلا فى الحسن والقبيح العقليين وفى الشرع أيضا، ولافرق بين ما قاله مونتسكيو فى (روح القوانين) وما قاله ابن خلدون (فى العمران ) (10).

والتنوير مرتبط باكتشافات العلمية الكثيرة التى خدمت التقدم البشرى، ورفعت من مستوى معيشة الفرد والجماعة فى معظم شئون الحياة ويضمنها سنوات العمر... ومفهوم التطوير غير ثابت في الفكر الغربي، فقد طالب مفكر التطوير الإنجليز في فترة الاستقرار السياسى والاجتماعى الذى عرفته بلادهم بعد الحروب الدينية والنزاعات أعلى السلطة بإعمال العقل في تأسيس شرعية السلطة، والبحث عن جذورها والمطالبة بالاعتراف بحقوق الأفراد، كما تجلى ذلك في نظرية (العقد الاجتماعى) فالمفهوم متغير، يهادن السلطة في حال قوتها ويهاجمها عند ضعفها مستفيدا من حركة التاريخ وقوانينه، على العكس من مفهوم التطوير في الإسلام الذى لا يقبل مهادنة السلطة في الخطأ..

ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن فلاسفة فرنسا الجدد منذ السبعينات،

قد أرجعوا مآسى البشرية والرعب الذى تم في الدول الأوروبية إلى جذور غذتها أعمال مفكرى الغرب التنويرية أمثال ( أيما نويل كنت) و(يوهان غوتليت فختة) و (هيغل) ويحمل هؤلاء الفلاسفة بؤس البشرية من فظائع الثورة الفرنسية مرورا بالثورة البلشفية (1917) وحتى الحربين العالميتين (914 أو 1939) بل كل ما ارتكب من جرائم بحق البشرية، فإنهم يحملون مفكرى التطوير المسئولية

عنه، ويرون أن فلسفة التنوير والعقل الأوروبيين قد استعمرا العالم وأقاما مطبخا فكريا يبنى الثورات على دماء الآخرين.. إن أساس الفكر التنويرى هو القول بأن لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه (11).. وأن استثناء العقيدة من هذا الفكر وإبعاد الوحى عنها أغرقها فى بحرطام من الدماء وهو ما نجت منه فلسفة التنوير ا الإسلامى قديما وحديثا.

شروط التنوير: للتنوير شروطه التى يجب أن تتوفر فى العالم والباحث والمجتمع والسلطان، إذ يجب أن تسود علاقات المجتمع منظومة من قيم التسامح التى تصنعها العقيدة، هذه العقيدة التى تحث على العلم وتشجع التفكير وتمنح الحرية المطلقة فى طلب العلم ومعالجة الآراء، وإلى توفر المال للعلماء والباحثين كى يتفرغوا لبحوثهم ويكونوا مبدعين فى تخصصاتهم، وقد كان هذا متوفرا فى الدولة الإسلامية إبان ازدهارها، حيث تمتع العلماء بالمراتب العليا ونالوا الحظوة عند أولى الأمر والمواطنين معا.

وللتنوير شروطه  أخلاقية أيضا، فالبعد الأخلاقى فى استخدام المعرفة الإنسانية يجب أن يحكم كل عمليات الإنتاج والإبداع كى لا يكون وبالا على البشرية أو بعض منها، كما هى الحال فى علوم الغرب السادية التى فسخت وحدة الأصل البشرى، وجعلت من هذا الكون غابة تتصارع فيها الضواري، والغلبة للأقوى نابا أو مخلبا..

إن تقدم العلوم بمفهوم التنوير الإسلامى يستصحب معه قيما تحرس الإنجازات الإنسانية وتحافظ على روح المجتمع المعنوية وعقيدته كى يبقى التوازن قائما بين ما هو مادى جسدى وما هو روحى معنوى دون طغيان أحدهما على الآخر، إن هناك تصالحا وتناسقا بين الأخلاق والفضائل من جهة وبين منجزات العلوم وتقنيات العصر من جهة أخرى، وليس هناك تصارع أو تصادم بينها فكل يسعى فى خدمة الآخر، وهذه هى الرسالة الحضارية التى يمكن أن يحملها الإنسان المسلم فى هذا العصر فى مواجهة الغول المادى السادى الذى يصنعه الغرب. الأصالة والمعاصرة: الأصالة فى اللغة مصدر للفعل (أصل)، والأصالة فى الرأى جودته، وفى الأسلوب ابتكاره، وفى النسب عراقته، وأصل الشىء أساسه الذى يقوم عليه، ومنشؤه الذى ينبت فيه، والأصل أيضا، الدليل الغالب من كل شىء. أما المعاصرة فهى على وزن (مفاعلة) من العصر، وعاصر فلان فلانأ عاش معه فى عصر واحد (12).

الأصالة اصطلاحا، تعنى العودة إلى الأصول والمنابت، وقد وردت كلمة أصل فى القرآن فى هذا المعنى فى الآية الكريمة: ( ألم ترى كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ) أما المعاصرة فى الاصطلاح، فقد وردت فى القرآن الكريم أيضا فى الآية الكريمة ( والعصر إن الإنسان لفى خسر)  والمعاصرة هي المعايشة بالوجدان والسلوك للحاضر والإفادة من كل منجزاته العلمية والفكرية وتسخيرها لخدمة الإنسان ورقيه. وتستخدم المعاصرة فى مقابل الأصالة فيقال: (الإسلام بين الأصالة والمعاصرة) بمعنى كيفية تمكن الإسلام من مسايرة العصر والوفاء بمتطلباته والتعامل مع مقتضياته المتغيرة بثوابته الأصلية.

ومعروف أن الإسلام يتضمن إلى جانب ثوابته الأصلية مناهج تفتح كل الأبواب للتعامل مع كل المستجدات، فإلى جانب ثوابت العقيدة الصالحة لكل زمان ومكان لكونها متأسسة على الرسالة الخاتمة، هناك مناهج للتشريع تعتمد فى تطبيقاتها على الاجتهاد بإعمال العقل السليم فيما يجلب المصلحة العامة ويدرأ المفاسد ويسد الذرائع.

وينبغى التفريق بين المعاصرة التى لا تتناقض من وجهة النظر الإسلامية   مع الأصالة، وبين العصرية التى تعتبر العصر وحده مصدرأ للتشريع فى الحياة الاجتماعية العامة، وهذا الاتجاه  يحاول إبعاد الدين عن الحياة العامة واعتباره مجرد مسألة خاصة بكل إنسان، ويعتبره مصدرأ للمبادئ الخلقية والمعاملات  الشخصية... أما السياسة فليس للدين علاقة بها وهذا يتناقض مع مبادئ التصور الإسلامى الصحيح (13).

وقد رأى الإصلاحيون المسلمون المعاصرون أن الشريعة لاتمنع الأخذ عن الآخرين، يقول عبد العزيز جاويش: "لقد سنت لنا شريعتنا أن نأخذ بالإصلاح الملائم للأزمنة والأمكنة، حتى لا يكون على الناس حرج ولا ضرار، بل ورخصت أن يعدل عن النص إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن الضرورة توجب هذا العدول( 14) وفى سلوك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه عام الرمادة، وفى تعامله مع المؤلفة قلوبهم ما يشير إلى صحة هذا الرأى.

والمعاصرة ترتبط بالحداثة وإن كانت هناك خلافات بينهما إذ تعنى المعاصرة المشاركة فى التحول الكبير الذى تشهده الإنسانية وهى عملية تتسع لتناول الاقتصاد والسياسة والنظام الاجتماعى بما فيه من زراعة وتجارة وصناعة ومؤسسات حكم وتشريعات ومؤسسات تعليم وجيش وتجمعات بشرية من الأسرة إلى القرية إلى المدينة إلى الأحزاب والنقابات (15).

وتعنى المعاصرة فيما تعنيه الدعوة المستمرة إلى التجديد والإصلاح  إلى السعى الدائم نحو الأفضل، الذى هو سمة من سمات التواصل الحضارى بين الثقافات والأمم، ولكن هذا التجديد لايعنى طرح كل شىء فى سبيل (المعاصرة) لأنه يتحول إلى تبديد وتضييع بدلا من الإصلاح، وفى الإسلام أصول وفروع فمن الأصل ما تعلق بوحدانية الله سبحانه وتعالى والإيمان بالملائكة والكتب والنبيين وباليوم الآخر، فلا مجال لنقضها أو التعديل عليها، وأما الفروع فهى تتقسم إلى عبادات ومعاملات، أما العبادات فهى أركان الدين، ولا تجديد فى الأركان، أى لا وجود فى الإسلام لحركة إصلاح على نمط البروتستانتية، وهذا يعنى أن التجديد قاصر على أحكام المعاملات(16) ولا أظن أن الإسلام يحتاج إلى تجديد فى غير هذا الشأن، كما أن المسلمين ليسوا بحاجة لثورة على الجامع، لأن علماء الأمة كانوا دوما هم طلائع التحرير وقادته.

ويرى كثير من باحثى هذه الأمة ومفكريها أن النموذجين الحضاريين لأسس التقدم والنهضة هما النموذج الغربى والنموذج العريى الإسلامى، النموذج الوافد الغازى والنموذج الموروث التقليدى أو الأصيل (17) ولا سبيل إلى التقدم إلا باتفاقهما.

لكن الملاحظ فى الخطاب العربى النهضوى وجود (غائب) باستمرار وهذا الغائب هو القرار والعقل، وهذا موجود فى العقل الأوروبى الغربى، فالغرب هو المتفوق، والمفقود عندنا موجود عنده، وهذا هو سر انكباب الكثيرين منا على الغرب ومنجزاته، وهذا لايعنى أن الكيانات العربية لم تحقق بعض الإنجازات، فقد فعلت ذلك فى مجالات متعددة منها: زيادة عدد المتعلمين والأطباء والمهندسين، وتوسعت فى بناء الجيوش والهياكل العسكرية والأشكال النظمية وتكديس بعض المنتجات الاستهلاكية للحضارة الغربية الحديثة، لكن البحث لم يعف هذه الأنظمة من مسئولياتها المباشرة عن عملية تجهيل المواطن العربى وتحطيم إرادته وكرامته، وتدمير إنسانيته، وتجاوز تراثه، وتشويه هويته، وجعله يتمرغ فى التبعية الاقتصادية والغذائية والتكنولوجية والفكرية والثقافية، بحيث لا يستطيع أن يستغنى عن مستغليه من الغربيين بعد قرن ونصف من محاولات النهضة والتقدم، لا فى مطعمه ولا فى ملبسة ولا فى دوائه ولا فى سلاحه ولا فى تعلمه، ولا تدريبه أو تربيته، لأن هذه الدول تعتمد نظما دكتاتورية فردية أو حزبية أو فئوية أو قبلية أو أقلية أو نخبوية، وهذا ما أدى إلى الإخفاق والتراجع( 18).

الأصالة والمعاصرة مصطلحان متشعبا الاتجاهات حيث برزت إزاءهما المواقف الآتية:

1- مواقف تغريبية: تدعو إلى تبنى الأنموذج الغربى الأوروبى المعاصر بوصفه نموذجا للعصر كله وللكون كله، وهو الذى يفرض نفسه بالقوة تاريخيا وواقعيا، وهذا الاتجاه يقف من النتاج الإسلامى موقف الرافض حتى فيما يخص الثوابت كالكتاب والسنة، ويرى ضرورة إخضاعهما للفحص والاختيار ويجعل العقل فيصلا فى الحكم على الأمور، دون فصل بين ما هو وحى معصوم غير قابل للخطأ وما هو من عند البشر.

2- مواقف سلفية: تدعو إلى تبنى الأنموذج العربى الإسلامى كما كان قبل عصر الانحراف والانحطاط.

3- مواقف انتقائية: تدعو إلى الأخذ بأحسن مافى الأنموذجين معا والتوفيق بينهما فى صيغة تصالحيه واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة وهو موقف يعبر عن الوسطية بين الاتجاهين، وهؤلاء يرون ضرورة التمييز بين الثوابت والمتغيرات- كما مر- فى مواريثنا، فالروح الإيمانية التى تمثل فكر الأمة وعلمها وأدبها وفنها والرباط المعنوى الذى يربطها ويعصمها من التفتت والضياع، كل ذلك ثوابت فى مفهوم الأصالة، ولا بد من الحفاظ عليها فى الحياة، إنها ثوابت فى الماضى كما هى فى الحاضر أيضا.

أما سبيل القوة والنهضة وأشكال العمران وعلومه ووسائله فتدخل فى باب المتغيرات التى لابد من أن نتمثل فيها كل جديد ومفيد، إذ يجب أن نقيم النهضة على دعامتين.

(أ)  ما يميزنا حضاريا ولا يزال صالحا للعطاء فى مضمار التقدم والنهوض فنحتفظ به ولا نفرط فيه.

(ب) ما يحقق النهضة الحضارية للأمة من علوم العصر وتجارب الإنسانية اللازمة فى مضمار الصراع ومواجهة التحديات، والتى تتسق مع الروح الحضارية الإسلامية ولاتنتاقض معها.

 

أما دعاة الأصالة فيمكن ملاحظة توجهاتهم فى الآتى:

(1)      اتجاه رافض لكل نظم العصر ومؤسساته وفكره وثقافته باعتباره عصر جاهلية يجب تركه جملة وتفصيلا، والعودة إلى إسلام السلف الصالح الذى يتحدد بعصر الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته وتابعيهم رضوان الله عليهم وأرضاهم، ليس فى عالم القيم والتشريع فحسب و إنما فى عالم النظم الحياتية و ماكان عليه هذا السلف من عادات وتقاليد سواء فى الملبس أو المشرب أو المطعم.

(ب) اتجاه معتدل يقبل شيئا من حضارة العصر ومؤسساته بحيث لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو ما يجرى فى إطارها وفى الوقت نفسه يوسعون دائرة الاستلهام المعنوية، فالأصالة يمكن أن تشير إلى معنى زمنى هو الرجوع إلى الأصل الأول، ويمكن أن تشير إلى معنى تقويمى وهو البحث عما هو أصيل ينبع من ذوات المبدعين.

وتنطبق هذه الازدواجية على معنى المعاصرة، فحين نتحدث عن المعاصرة بوصفها ضرورة للنهوض، وسبيلا إلى القضاء على التخلف لا نقصد بذلك الدعوة إلى العيش فى الفترة الزمنية الحاضرة فحسب، بل متابعة أفضل مافيها وأكثر تقدما ومناسبة للحياة العصرية من صيغ التفاعل وأساليب السلوك.

وهناك تداخل بين البعدين، الزمنى والتقويمى فى استخدامنا لكلمتى الأصالة والمعاصرة: لأن الدعوة إلى الأصالة، إذا فهمت بمعنى الرجوع إلى الأصل وإيقاف مسيرة التاريخ، تصبح دعوة مستحيلة فضلا عن كونها متخلفة، أما إذا فهمت بمعنى البحث عما هو أصيل فى أعماق الذات المعنوية، فإنها تصبح عندئذ تعبيرا عن هدف جدير بأن تسعى إليه.

(ج) اتجاه مؤول يدعو إلى البحث فى نظم الحضارة العربية الإسلامية وقيمها عن أشباه ونظائر لمؤسسات الحضارة المعاصرة وقيمها، والأخذ بها بوصفها أشكالا أو صيغا جديدة لمؤسسات وقيم عربية إسلامية أصيلة فتؤول النظم النيابية الليبرالية مثلا بالشورى الإسلامية، أو تربط الاشتراكية بمعناها العام بفريضة الزكاة وحقوق الفقراء الذى قررته الشريعة فى أموال الأثرياء.

الاتجاه التوفيقى: وهو اتجاه يجمع بين إيجابيات الأصالة والمعاصرة معا، وهو الاتجاه الحضارى الإسلامى الغالب الذى يمكن تلخيص أفكاره بالآتى:

(أ‌)              شحذ فعالية الأمة اجتماعيا بالتربية الروحية والثقافية لكى تتبلور خصوصيتها الحضارية فى أفئدة الناس وتصبح جزءا من سلوكياتهم الحياتية.

     (ب) استيعاب حضارة الغرب استيعابا كاملا.

(ج) القدرة على تبنى منجزات الحضارة الغربية المناسبة لعمليات تحديثا الدولة أو إيجاد البدائل الإبداعية تدريجيا.

(د) القدرة على حماية منجزات الأمة الإسلامية. وهذا أكثر الاتجاهات قبولا من الأمة، بحيث تبنته معظم الحركات الإسلامية وبخاصة أجيال الشباب الذين هضموا الحضارة الغربية واستوعبوها وعرفوا كثيرا من أسرارها.

وبالمثل فإن الدعوة إلى المعاصرة إذا فهمت بمعنى الحياة فى الفترة الزمنية الحاضرة، فإنها تصبح تحصيل حاصل، مادام هذا أمرا مفروضا علينا لا يسعنا التفلت منه. فما دام العصر فينا فنحن فيه، بحكم وضعنا الإنسانى نفسه، وأما إذا فهمت الدعوة إلى الأصالة بمعنى البحث عن الأفضل والأكثر تقدما فى العصر فإنها تصبح عندئذ غاية تستحق أن نسعى إلى تحقيقها.

وأول من أثار هذه المشكلة هم المستشرقون وبخاصة فى فترات تأزم الأنظمة الاستعمارية التقليدية من ناحية، وصعود الدولة الصهيونية الاستيطانية من ناحية أخرى. فى وقت شهد اتساع مجال حركات التحرر الوطنى وازدياد فاعليتها وارتفاع موجة الثورات الوطنية والاجتماعية التى اجتاحت جانبا هاما من أمتنا العربية فشغلت بقضية الأصالة والمعاصرة جماعات كثيرة من العالمين العربى والإسلامى.

ويمكن الاطمئنان إلى القول بأن التناقص ليس فى حقيقة الأمر بين الأصالة والتجديد أو بين التراث والتحديث، ولكنه بين الأصالة التراثية المتشددة المنغلقة من ناحية، وبين المعاصرة المنغلقة من ناحية أخرى(19).

إن فصل الدين عن الدولة، أو فصل السلطة التى يسمونها دينية عن السلطة المدنية وتخليص فكرنا الاجتماعى من سلطان رجال الدين بزعم أن (رجال الدين) يحللون ويحرمون على هواهم، أو وفق اعتبارات وتقاليد ورثوها عن أسلافهم (20) فما هى إلا دعوات مشبوهة ما عاد لها كبير أثر فى فكرنا المعاصر إلا عند قلة من الغلاة المتطرفين الذين تربوا فى أحضان الغرب ورضعوا ثقافتهم وصاروا ناطقين باسمه.

الخلاصة:

إن اتحاد الأصالة بالمعاصرة أمر ممكن، فهذه اليابان تخوض تجربة تاريخية ناجحة حين تلتقى بالحضارة الغربية الوافدة وتستخدمها أداة فى مؤسساتها الصناعية والزراعية والتقنية وسواها، دون أن تخسر شيئا من مقومات ثقافتها الأصلية، فما هو سر التقدم؟ انه يتمثل فى وجود نخب اجتماعية مسيطرة تقود المجتمع وتسعى إلى تحديثه فى كل مجالات الحياة (21) بعزم وتصميم لا يعرفان الكلل، فهذه طريق التقدم وهى طريق الحياة.

نصل إلى القول أن الأصالة يجب ألا تشدنا وتعيدنا إلى الماضى وتقطع صلتنا بالحاضر، وأن المعاصرة يجب ألا تصادر هويتنا الحضارية وتجعلنا بلا جذور، لقد أحسن المهاتما غاندى حين تحدث عن هذه النقطة فقال: (يجب أن أفتح نوافذ بيتى لكى تهب عليها رياح كل الثقافات، ولكن بشرط ألا تقتلعنى هذه الرياح من جذورى ) (22)

وقد عبر السيد طارق البشرى عن مخاوفه إزاء قضية المعاصرة فقال: (كنا فى الماضى نقف على أرض الموروث ونتحاور فيما يصلح لنا من حضارة الغرب وأدواته، لندخله، ثم صرنا أو صارت كثرتنا تقف على أرض الوافد أو أرض خليط، ونتحدث عن التراث بضمير الغائب، ونتحاور فيما نستحضره منه، ونحن نتساءل الآن عما نستدعى من التراث بعد أن كان أباؤنا يتساءلون عما يأخذون من الوافد (23)،.

 وقد لخصت إحدى الأساطير الهندية القديمة مسألة الأصالة والمعاصرة فى حكاية أوجزها بما يأتى:

"ورد أن رجلا توفى ولم يترك لأبنائه الثلاثة سوى (بطيخة، أما الابن الأكبر فقد عرض على أخويه الاحتفاظ بالبطيخة كذكرى موروثة من أب عزيز. أما الابن الأصغر فقد عارض ذلك فى حدة وانفعال، إذ أن ذلك لن يجلب عليهم إلا العفونة والرائحة الكريهة المؤذية لذا يجب التخلص منها، وأما الابن الأوسط فقد تمهل وكان آخرهم قولا فقد عرض عليهما أن يشتروا أرضا، فعجبا من رأيه وسألاه لماذا؟ قال: علينا أن نأكل البطيخة ونلقى قشرها ونزرع بذرها فى هذه الأرض بعد شرائها، فنخلد ذكرى أبينا وننتفع بما يعود بالخير على أنفسنا وأهلينا وجيراننا، وبما هو باق بعدنا إلى أولادنا وذرارينا".

ويلاحظ د. محمد عبد القادر على هذه الأسطورة أن الابن الأكبر يمثل السلف (الماضى) بينما يمثل الولد الأصغر ( التحلل من هذا الماضى ) أما الولد الأوسط فإنه يمثل (الحكمة فى الأخوال جميعها)، الماضى والحاضر والمستقبل معا، إذ يجب أن تكون حكمة فى الأخذ والترك، فى العزل والاختيار، فلا يمكن تجاهل الماضى لحساب الحاضر والمستقبل كما أنه لايمكن الوقوف على أعتاب الماضى (وتخليده) فكل شىء من حولنا يتقدم ويواكب العصر.. والمشكلة بين القديم والحديث تمثل أساسا من أسس الصراع (24) المستمر، إذ أن كل جديد سيصبح قديما، كما كان القديم فى يوم من الأيام جديدا، وهذه هى سنة الكون.

المراجع

(*) للمزيد، انظر د. أحمد أبو زيد  التنوير فى العلم والعالم العربى، مجلة عالم الفكر، العدد التاسع والثلاثون، الكويت 2001 .

 (1) لسان العرب لابن منظور- مادة نور .

(2) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضح محمد فؤاد عبدالباقى - القاهرة 1981م، - دار الفكر ص 725و726 .

(3) موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة ه إشراف أ.د. محمود حمدى زقزوق ج 1 القاهرة 2000 م مادة التنوير أ .د أحمد شوقى إبراهيم. ص 169 و.17.

(4) الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، فقه الحرية والمسئولية فى الإسلام، الدروس الحسنية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية المغربية 0 1986 م  ص 143 .

(5) د. أحمد صدقى الدجانى، تفاعلات حضارية وأفكار للنهوض، دار المستقبل العربى ط 1 بيروت 1998 م ص 18 .

 (6) صحيح البخارى، كتاب الشركة فى بابها ليقرع فى القسم والإسهام.

(7) أحمد صدقى الدجانى، تفاعلات حضارية وأفكار للنهوض ص: 5ا-16.

(8) موسوعة السياسة، ج 6، كفر قرع، المؤسسة العربية للدراسات ص 240- 242.

(9) د. حسن حنفى، نحو تنوير عربى جديد، محاولة لتأسيسه عالم الفكر مجلد 29 مارس 1 0 0 2 م الكويت ص 0 9، 91.

 (10)المصدر نفسه  ص 79:75.

(11) د.غانم هنا،  النزعة العقلية وأثرها فى حركة التنوير مجلة عالم الفكر، العدد 29، آذار 1 00 2 م الكويت ص 12:7.

(12) المعجم الوسيط مادة (أصل) ومادة (عصر).

 (13) د. السيد محمد الشاهد، المعاصرة، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة القاهرة 2001م ص: 514- 515.

(14) مجلة الهداية، آيار مايو 1911 م ص: 312.

(15) معن زيادة، الطريق الى الحداثة، الأزمنة سنة (1) عدد (4) حزيران 1987 م ص: 26.

(16) د. محمد أحمد عبد القادر، بين الأصالة والمعاصرة، دار المعرفة الجامعية، الشاطبى1995 م ص: 378.

(17) فادى إسماعيل، الخطاب العربى المعاصر، المعهد العالى للفكر الإسلامى، فرجينيا. الولايات المتحدة الأمريكية ط: 1، 1999 م. ص: 24.

(18) د. طه جابر العلوانى، الخطاب العربى المعاصر، المعهد العالى للفكر الإسلامى فرجينيا، الولايات المتحدة (كلمة التصدير). ص 6 .

(19) موسوعة سفير للمعارف الإسلامية (ج 9 1- 20) القاهرة 1990 م ص 531 1- 543 1.

(20) د. محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر (ج ا) (ط:2) 1963م المطبعة النموذجية، الجماميز ص: 4 25، 273.

(21) فادى إسماعيل، الخطاب العربى المعاصر، ص:32، 33.

(23 ) د. محمد أحمد عبد القادر، بين الأصالة والمعاصرة، ص: 376.

(23) طارق البشرى/ نحن بين الموروث والوافد، فى إشكالية العلوم الاجتماعية فى الوطن العربى/ بيروت دار التنوير 1984 م ص: 358.

(24) محمد أحمد عبد القادر بين الأصالة والمعاصرة ص: 377:376.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع