الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
حقوق الاقليات وا لمجاليات يخص المسلمة فى ال

حقوق الأقليات والجاليات غير المسلمة

فى الإسلام وحياتهم

فى جمهورية مصر العربية

والمملكة العربية السعودية

الأستاذ الدكتور/ عدنان بن محمد الوزان

مستشار حقوق الإنسان- المملكة العربية السعودية

أولا: تمهيد.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.. أما بعد:

إن فقه معاملة غير المسلمين فى الإسلام وأحكامه، يستند إلى أحكام النظام السياسى والإنسانى فى الإسلام، ويبين ما للأقليات والجاليات غير المسلمة من حقوق اجتماعية واقتصادية ودينية... إلخ داخل الدولة الإسلامية، وهذا البحث يسعى لبيان ما يلى:

1- إبراز الإطار الذى يرسمه الإسلام فى تكريمه للإنسان- وإن كان غير مسلم- وفى تجنب ظلمه إيذائه، وتوضيح موقف الإسلام من الاتصال بغير المسلمين، ومعاملتهم والتعرف عليهم، والتعاون معهم وما عرف عند المسلمين بأهل الذمة أو أهل الأمانة أو أهل العهد فى المصطلح الفقهى السياسى، وهو ما يعرف عند غيرهم الآن بالأقليات أو الجاليات فىمصطلح القانون الدولى.

2- تقديم التصور الإسلامى الصحيح لمعاملة غير المسلمين فى الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأقوال فقهاء الإسلام وتأكيدات مفكرى الغرب على خصائص الإسلام فى هذا الجانب، ومن ثم تحديد الأسس والضوابط للتعامل مع غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى استنادا إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

3- استعراض بعض النماذج الإسلامية فى معاملة غير المسلمين فى العصور الإسلامية المختلفة.

  والبحث يلقى الضوء على عالمية الإسلام وتسامحه وأنه وحده الكفيل بإقامة المجتمع الإنسانى العالمى، وتحقيق حقوق الإنسان مسلما كان أو غير مسلم، وذلك

  من خلال قاعدته الإنسانية العريضة التى جاءت فى القرآن الكريم فى قوله تعالى: ]أيا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( (1)، وقول النبى محمد e:

" ما من شيء أكرم على الله من بنى آدم يوم القيامة، قيل: يا رسول الله ولا الملائكة المقربون؟ قال:، ولا الملائكة المقربون، (2) وقولهe فى خطبة الوداع: "أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب،إن أكرمكم عند الله أتقاكم، (3)، فالإسلام يخاطب بنى البشر بقوله "يا أيها الناس " و "يا بنى آدم " و " يا أيها الإنسان "، وهو بذلك- أى الإسلام- يؤكد على وحدة الأب ووحدانية الرب الإله، فلا استعلاء لجنس على جنس أو لون على لون، والعبرة لمن اتقى، والله أعلم بمن اتقى. والإسلام هو ميزان عدل لحفظ حقوق الإنسان وهو الدين الخالد الذى يحقق للبشرية السعادة الدنيوية والأخروية.

ومن هنا سوف نبين فى هذه الدراسة حقوق غير المسلم فى المجتمع الإسلامى                    ومنهم الذمى ومنهم المستأمن، وذلك من خلال مباحث ثلاثة وتمهيد:

المبحث الاول: يتعلق بحقوق غير المسلم فى المجتمع الإسلامى (الذمى     والمستأمن)، الحقوق الدينية، الحقوق الاجتماعية... إلخ وذلك فى زمن السلم.

المبحـث الثانى: وفيه الحديث عن حقوق غير المسلم فى وقت الحرب: الحقوق النفسية والبدنية والدينية والبيئية... إلخ.

المبحث الثالث: حياة الأقليات والجاليات غير المسلمة فى بلاد الإسلام مثل مصر وباكستان والمغرب ونموذج ذلك يتمثل فى حياة الأقليات فى جمهوية مصر العريية وحياة الجاليات فى المملكة العربية السعودية رمز الإسلام فى العصر الحديث.

إن حقوق الإنسان فى الإسلام فضل من الله ونعمة وآفاق أمام البشر، بدأت مع قصة خلق آدم عليه السلام بكل شمول وكمال من رب العزة والجلال، فمنح الإنسان الكرامة الموحدة من الأب الواحد لكى لا يستعلى أحد على أحد لأى سبب، وهذا منتهى العدل، ومع أنه خلقه من تراب لكنه نفخ فيه من روحه ليكرمه، يقول جل وعلا:) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة قليلا ما تشكرون( (4)، فهو- أى الإنسان- مادة وروح، وعزز العلى القدير خلق الإنسان بتكريمه حيث يقول تعالى: ) لقد كزمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا( (5)، وقمة هذا التكريم توج بأن أمر سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود لأبى الإنسان والبشر آدم عليه السلام قال تعالى:

) إذ قال ريك للملائكة إنى خالق بشرأ من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا وله ساجدين( (6)، ثم إن الله- سبحانه وتعالى- منذ الأزل فى خلق آدم من عليه بالسمع والبصر والفؤاد، فمنحه حق الحياة وحرم قتله وإفساد حياته فقال تعالى: ) من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعأ، ( (17)، وقال النبىe " لن يزال المسلم فى فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما "(8)، كما أن الله- سبحانه وتعالى- منح الإنسان حق العلم والتعلم وأثنى على العلماء والمعلمين، فقال معلم العالمين العلى العليم: )وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون( (9)، وقوله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا العلم وعلموه الناس " (10).

هكذا يتضح تكريم الله- سبحانه وتعالى- للإنسان ومنحه تلك الحقوق: التكريم فى الخلق، والحق فى الحياة، والحق فى العلم، ثم منة الله- سبحانه وتعالى- على الإنسان بالعقل والإرادة، كما جعل له حق الزواج وتكوين الأسرة ورزقه الطعام والشراب وحق الأمن والمسكن، كل ذلك جاء بعد أن خلق الله آدم وخلق منه حواء قال تعالى: ) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين( (11)، ولكن عبث إبليس وحقده وحسده على الإنسان دفعه للسعى إلى إفساد حقوق الإنسان بغوايته وضلالته نحو الجحود والاعتداء على ما شرع الله للإنسان وما أعطاه من حقوق، (وهذا ما يفعله شياطين الإنس اليوم)، فذاك تسبب فى هبوط الإنسان من الجنة إلى الأرض، ولكن حقوقه التى منحها الله إياها بقيت له ومعه تنطلق من أهم ما أوجب الله على الإنسان فى خلقه، حيث يقول المولى جل وعلا: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين( (12)، وقوله e فى الحديث الذى رواه معاذ بن جبل-،t- حيث قال: "كنت ردف النبىeعلى حمار فقال: يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا "(13). وحقيقة هذه العبادة توحيد الله وافراده بالألوهية والربوبية هو الذى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال تعالى: ) شرع لكما من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبرعلى المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب((14).

لقد أكرم الله الإنسان بالخلق والحياة بدءًا، ثم سخر له السماوات والأرض ومتعه بالطيبات وأمره بعبادته وحده لا شريك له، ولقد انبرت بعض الدراسات لتؤكد السبق التاريخى المتعلق بالإعلان عن حقوق الإنسان الذى صدر عام 1948م،  فاحتج الإنجليز بوثيقة العهد الكبير  Magna Cartaالتى صدرت عام 1215م، واعتز الأمريكان بوثيقة إعلان استقلالهم التى صدرت عام 1776 م، وكذا فعل الفرنسيون عن وثيقة حقوق الإنسان التى صدرت مع الثورة الفرنسية عام 1789 م، ولا شك فيما ذكرناه من الآيات السابقة والأحاديث النبوية قاطع الدلالة على أن التاريخ الحقيقى لحقوق الإنسان يبدأ مع خلق الإنسان ومانح هذه الحقوق هو رب الناس ملك الناس، وليس لأحد فضل فى المناداة بأن الحقوق جاءت بها أمة من الأمم أو مؤسسة من المؤسسات: ) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا( (15)، وعن قدم تاريخ حقوق الإنسان ومصدرها الإلهى وما عند الناس من هرطقات وتفاخر الأمم بسبقها إلى إعلان حقوق الناس يقول الشيخ محمد الغزالى- يرحمه الله-: "إن المبادئ التى طالما صدرناها للناس يعاد تصديرها إلينا على أنها كشف إنسانى ما عرفناه يوماً ولا عشنا به دهراً "(16). إن العمق التاريخى لكرامة الإنسان وخلقه- ومنها تتبع حقوقه- تبدأ مع الحياة الإنسانية ومرجعها إلى الله فهى فى الإسلام ذات عمق موثق بالقرآن الكريم والسنة النبوية وهى عن الإنسان من حيث هو إنسان بأهداف سامية شريفة مؤيدة بالنقل معززة بقبولها عند المتصفين بالعقل، ولهذا فإن البعد التاريخى الماضى لا يجعل لأمور الحاضر فى المناداة بحقوق الإنسان وجهة للقول به إلا عند أولئك الذين ظلموا الناس وتدرجوا بهم فى مظاهر التفكير المختلفة عند حمورابى، وأرسطو، وعند أفلاطون، وصولون، وعند العرب فى جاهليتهم، وعند شيشرون، وجان جاك روسو وغيرهم. تدرجت عند هؤلاء حقوق الإنسان بين التبديل والتعديل، بين الرق والاستعباد، بين إهانة المرأة وأنها من سقط المتاع، والتمييز بين الكبراء والصغراء، وبين السادة والعبيد، ولكن حقوق الإنسان كما جاءت من رب العالمين وحفظتها الشريعة الإسلامية، تعتبر سلسلة محكمة من المبادئ والقواعد والضوابط، تشمل الدين والأخلاق والمعاملات، تقوم على هدى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مبنية إجمالا على المعقول الموافق لروح المنقول ومتوسلة طرق الإجماع والقياس والاستصحاب والاستصلاح والاستحسان. فالثبات والعمق وتحقيق الخير والصلاح للناس والنهى عن الشر سمة من سمات الشريعة الإسلامية فى حفظ حقوق الإنسان مسلما أو غير مسلم. وحفظ الكليات الخمس: الدين والعقل والمال والنفس والعرض.

ثانيأ: حقوق غيرالمسلم فى السلم

ونبدأ هنا ببيان حقوق غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى إبان السلم وكيف

أن الإسلام ورسول الإسلام e هما الرحمة المهداة إلى العالمين جميعاً، هكذا يقول الكاتب الأوربى المعروف الأستاذ ( ليك) فى كلام مفصل له عن الإسلام: "إن حياة محمد التاريخية لا يمكن أن توصف بأحسن مما وصفه الله نفسه بألفاظ قليلة بين فيها صفة النبى محمد eحيث قال: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (، إن يتيم آمنة العظيم قد برهن بنفسه على أنه أعظم الرحمات لكل ضعيف ولكل محتاج إلى المساعدة. كان محمدe رحمة حقيقية لليتامى وأبناء السبيل، والمنكوبين والمدينين، وجميع الفقراء والمساكين، والعمال ذوى الكد والعناء، ولقد كان محمد e رحمة لجنس النساء الذى كان يعامل كالأمتعة والأثاث لا أكثر، وذلك فى جميع الدنيا، ومن قبل كل دين من الأديان وكل نظام اجتماعي، فهلموا الآن نقول بأعظم الإخلاص والتلهف والابتهال: اللهم صل على محمد وعلى أتباعه ومحبيه أجمعين " (17). يعكس قول "ليك " السابق مفاهيم حقوق الإنسان بحقيقة الرحمة الإسلامية الإيمانية والدين الصافى الذى بعث الله به محمداe لتحقيق خير البشرية جمعاء، خصوصا البؤساء والضعفاء والمقهورين مسلمين كانوا أو غير مسلمين.

 

ونحن عندما نتحدث عن حقوق غير المسلمين فى حالة السلم إنما نوضح سمو رسالة الإسلام، وجوهر دعوة القرآن لإصلاح البشرية وأن المسلمين ليسوا أعداء السلام، وإنما هم صانعوه فى هذا العالم لاعتمادهم على أصل راسخ من الاعتقاد الدينى والإخلاص فى التنفيذ والحزم فى التطبيق وصون السلام العالمي، فالسلام أصل من أصول الإسلام الكبرى للآيات القرآنية الدالة على ذلك مثل قوله تعالى:

 ) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله( (18)، وقوله جل شأنه: ) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة( (19)، وقوله تعالى: ) ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنأ تبتغون عرض الحياة الدنيا( (20)، وقال عز وجل:) فإن اعتزلوكم  فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا( (21).

فهل يسوغ لأحد التغاضي عن هذه الآيات الكريمات التى تدعو إلى السلم والسلام فى قرآن كريم أوحى إلى الرسول محمد e ليكون شريعة خالدة دائمة للبشرية؟ مما جعل ادعاء نسخ آية منه أو تغييرأو تبديل مرفوض رفضا قاطعا ما لم يقم دليل على ذلك. والسلم مقرون بالود والصفاء والعهد والاطمئنان والثقة، ولكن مع ذلك عند الاعتداء وللاعتداء مظاهر عديدة، ومفهوم واسع تحدده الدولة بميزان الحق والعدالة، نظل متمسكين بفرضية الجهاد الكفاية أو التعبئة حسب مقتضيات الأحوال للدفاع عن الحق والخير.

وغير المسلمين الذين نتحدث عنهم فى هذه الدراسة كما قلنا هم الذميون والمستأمنون كما هو فى مصطلح الفقه الإسلامى السياسى فى الشريعة الإسلامية وهو ما يعرف فى القانون الدولى بالأقليات والجاليات. والذميون( الأقليات): هم أصحاب الديانات الأخرى الذين يعيشون فى بلاد الإسلام، بصفتهم مواطنين أو راغبين فى العيش فى بلاد الإسلام ويقيمون إقامة دائمة فى الدولة الإسلامية، والمستأمنون (الجاليات) هم أهل الضمان والحق والأمان والعهد، لهم فى حكم الإسلام ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، هم الذين يقيمون فى بلاد الإسلام إقامة مؤقتة لمصلحة عارضة، لهم من الحقوق الأساسية حرمة المال والنفس والدم والعرض والدين مثل حقوق الذميين بما يحفظ الأمن والنظام العام على جميع المواطنين والذميين. وقد قرر الإسلام المساواة بين المسلمين والذميين فى كثير من الحقوق وعصم الدماء والأموال والأعراض، بل أعفى الذميين من بعض الواجبات المقررة على المسلمين فى الدولة الإسلامية، ومع ذلك فلهم ما للمسلمين من الحقوق المدنية والسياسية وعليهم ما على المسلمين من الواجبات التى تمس أمن البلاد ونظام التعامل، والعقوبات، وكفل حريتهم الدينية، فأمر المسلمين أن يتركوهم وما يدينون ولا يتعرضون لهم وما يعتقدون من إقامة الشعائر، هذا مع العلم بأن عقد الذمة لازم فى حق الإمام المسلم، ورئيس الدولة لا يملك نقضه وهو فى حقهم غير لازم، وللدولة الحق فى تقييد حرية كثير من مواطنيها الأصليين وغيرهم ببعض الشروط والأوضاع، وهذا التقييد يشمهلم- أى أهل الذمة- أيضا، وهذا شائع فى كل الدول القديمة والحديثة إسلامية أم غير إسلامية، ولهم حرية التعامل المباح والنشاط الاقتصادي مع المسلمين بمختلف أنواع المعاملات المباحة قال الإمام الكاساني: "ويتركون أن يسكنوا فى أمصار المسلمين يبيعون ويشترون، لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام، وتمكينهم من المقام فى أمصار المسلمين أبلغ إلى هذا المقصود، وفيه أيضا منفعة المسلمين بالبيع والشراء، فيمكنون من ذلك "(22)، ولا فرق فى العقوبات بين المسلم والذمى، فالقصاص والديات والضمانات والتعازير سواء بين المسلمين والذميين، وعلى التخصيص فى القصاص والدية والضمانات. وزواجهم وطلاقهم معترف به، ولهم الزواج بمن يشاءون ما لم يخالفوا النظام العام كالزواج من المحارم مثلا أو الزواج من المسلمة، ويحسن إليهم فى المعاملة والمعاشرة والزيارة والتودد والبر و الإنصاف والإقساط كما فى الوصايا الواردة فى الآيات الآتية فى قوله تعالى:) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون( (23)، وكذلك ما جاء فى قول النبى محمدe:" ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة" (24).

وكانت معاهدات الذمة مع نصارى نجران وأهل الحيرة وأهل الشام وحمص وسكان بيت المقدس وغيرهم مثلا يحتذى فى التسامح والحرية والأخلاق الكريمة فى حفظ حقوق الإنسان غير المسلم فى الدولة الإسلامية. ومن هذه القاعدة العظيمة التى تمثلى دستور التعامل مع غير أهل الإسلام يقول الإمام القرافى شارحا معنى البر فى الآيات السابقة ويوضح أبعاده بقوله:" الرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم، واطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم، على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال أذيتهم فى الجوار مع القدرة على إزالته، لطفاً منا بهم لا خوفا ولا تطبعا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم فى جميع أمورهم فى دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم، وإ يصالهم إلى جميع حقوقهم " (25).

ويتاكد ذلك من قول (غوستاف لوبون) العالم الفرنسى بعد سرد آيات من القرآن الكريم فى سماحة الإسلام مع أهل الكتاب إذ يقول: " إن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وإنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التى ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابين أو المؤمنين القليلين الذين أمعنوا النظر فى تاريخ العرب. ويستشهد (لوبون) بقول (روبرتسن) فى كتابه (تاريخ شارلكن) إذ يقول: "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارا فى التمسك بتعاليمهم الدينية" (26).

ومثل هذه الأقوال عند الغربيين عن سماحة الإسلام وحسن معاملته لغير المسلمين كثيرة ومن ذلك ما قاله (آدم ميتز): "ولم يكن فى التشريع الإسلامى ما يغلق دون أهل الذمة أى باب من أبواب الأعمال، فكانوا صيارفة وتجارا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة فى الشام مثلا يهودا على حين كان أكثر الأطباء، والكتبة نصارى، وكان رئيس النصارى ببغداد هو طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده " (27).

ويوضح (ميتز) العلة فى دفع الجزية وعلى من تجب فيقول: "كان أهل الذمة وبحكم ما يتمتعون به من تسامح المسلمين معهم ومن حمايتهم لهم، يدفعون الجزية كل منهم بحسب قدرته، وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطنى، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح فلا يدفعها ذوو العاهات ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار"، ويدل على ذلك ما قرره الفقهاء "أن لا جزية على الراهب المنقطع للعبادة لأنه ليس من أهل القتال "(28).

وتسقط الجزية عن أهل الذمة حينما تعجز الدولة الإسلامية عن حمايتهم،أو عند اشتراكهم مع المسلمين فى الدفاع عن دار الإسلام، ذكر القاضى أبو يوسف فى كتابه الخراج: "أن أبا عبيدة بن الجراح عندما أعلمه نوابه على مدن الشام بتجمع الروم كتب إليهم: أن ردوا الجزية على من أخذتموها منه وأمرهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم كانا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشروط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم " (29).

وروى الطبرى عن ملك (الباب) فى نواحى أرمينيا واسمه (شهر براز) أنه طلب من سراقة بن عمرو أمير تلك المناطق أن يضع عنه وعمن معه الجزية على أن يقوموا بما يريده منهم ضد عدوهم فقبل سراقة وقال له: " قد قبلنا ذلك ممن كان معك على هذا ما دام عليه، ولابد من الجزاء ممن يقيم ولا ينهض " فقبل ذلك وصار سنة فيمن كان يحارب العدو. ولهذا يقول الإمام على بن أبى طالب- كرم الله وجهه-: "إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا، (30). والإسلام يحترم حقوق غير المسلمين بدءاً بدياناتهم وعقائدهم ومن ثم الأنبياء والرسل وهو حفظ الحقوق الدينية واحترام حقوق الأنبياء والرسل موضوع لا أعلم أن أحداً بينه بوضوح على أنه حق إنسانى لأولئك الرسل ولأتباعهم فى حفظ الحقوق الدينية للإنسان كما سيأتى بيانه فى القطوف التالية من ثوابت القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ضمن الحقوق الدينية للأقليات والجاليات غير المسلمة.

    1 - الحقوق الدينية.

إن من أسس وأركان الإيمان فى الإسلام أن يؤمن المسلم بأنبياء الله ورسله جميعاً، ويؤمن بما دعوا إليه من دعوات التوحيد كما جاء فى قوله سبحانه وتعالى:)شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب( (31)، وقال النبى محمد  :e"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم  شتى ودينهم واحد"(32)، أى أن دعوة الرسل جميعاً هى توحيد الله بالألوهية،وإفراده بالعبادة، فنحن المسلمين نؤمن بعيسى ابن مريم نبى الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وبموسى كليم الله عليهما السلام وبكافة الأنبياء والرسل من لدن آدم وحتى محمد صلى الله وسلم عليهم جميعاً. ونحن عندما نتحدث عن النصرانية أو اليهودية مثلا فإننا لا نتهجم عليهما، كيف وهما دينان سماويان مقدسان، نؤمن بهما كما جاء ذكرهما فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لا على ما هى عليه من تحريف وتبديل، قال تعالى: ) يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما فى السماوات وما فى الارض وكفى بالله وكيلآ ( (33).

كما أننا نؤمن يقيناً أن الله- سبحانه وتعالى- أمرنا بمجادلة أهل الكتاب  بالحسنى فى أكثر من موطن من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) (34).

 ويلاحظ أن الهجمات التى تشن ضد النبى محمد e والقرآن، وضد الإسلام بصفة عامة من قبل المسيحيين المثقفين فى كتاباتهم وأحاديثهم، والغارات المستمرة حتى اليوم، هى مصدر إيذاء كبير للمسلمين، وهذه الهجمات تخلو من المناقشة العلمية، وتتسم بالانفعال والإساءة، بقصد النيل من الإسلام وتحقيره. وهى هجمات مليئة بالسباب والشتائم، تقوم على الاكاذيب والافتراءات المغلفة بدعوى العلمية والموضوعية وأن من يفعل هذا غير مخلص لدينه أولا قبل أن يقول بالعلمية عن الدين الإسلامي، لأن الأديان السماوية من عند الله، ومن انتقص الإسلام فقد انتقص دين موسى وعيسى. وشواهد ذلك كثيرة فى التاريخ وآخرها ما وقع فى أمريكا فى أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 م فللوهلة الأولى اتهموا الإسلام والمسلمين بالإرهاب وأن من فعل ذلك هم من المسلمين مع أنهم لم يقولوا من قتل كثيرا من رؤسائهم وكبرائهم عبر التاريخ ولم يعرفوا الفاعل للوهلة الأولى أو بعد ذلك. أين الحق والعدل؟

أما نحن المسلمين نقدر مريم وعيسى المسيح (عليهم جميعا سلام الله وصلواته) تقديرا عاليا، وهذا جزء من عقيدتنا، بل إن التلفظ بأية كلمة تدل على أقل قدر من عدم الاحترام نحوهما هى كفر فى ديننا، وتعرضنا للخروج من دين الإسلام، وربما لا نستطيع أن نأتى بمثال واحد يزعم فيه أن مسلما ادعى أقل قدر يمكن تخيله من عدم الاحترام للنبى عيسى وأمه البتول (عليهما السلام)، إننا بالطبع لا نؤمن بألوهية المسيح عيسى، ولكن إيماننا بنبوته لا يقل ثبوتا عن إيماننا بنبوة محمد (عليهما جميعا الصلاة والسلام)، وأن أحدا لا يمكن- بالتاكيد- أن يكون مسلما ما لم يؤمن ويقر بنفس التصديق، والإيمان بالمسيح عيسى ابن مريم مع التصديق بالنبى محمد (عليهما جميعا الصلاة والسلام)، قال سبحانه وتعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين. ذلك من أنباء الغيب

نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون( (35). وقال تعالى: )إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم( (36).

ولعلنا عندما نتحدث عن رسل الله واحترامهم واحترام أتباعهم وما هم عليه من دين نعطى دليلاً واضحاً عن احترام الإسلام لحقوق غير المسلم الدينية.

 ولننظر إلى شريعة الإسلام فى احترام رسل الملوك والسلاطين أيضاً وإن كانوا غير مسلمين، إذ تحتل مسألة حرمة السفراء والرسل وحصانتهم مكانة عالية عند قدومهم للديار الإسلامية، ومن ذلك مثلاً التأكيد على سلامة السفير أو الرسول وأمنه وحريته وأمواله، ومن يطلع على كتب سير الخلفاء والولاة فى الإسلام يجد كيف أن منح الحصانة الدبلوماسية للسفراء والرسل بسبب طبيعة أعمالهم وضرورة أداء واجباتهم على الوجه المطلوب. كانت قد أقرت من قبل الجميع فى الإسلام، فيؤكد الإمام الشيبانى فى كتابه (السير الكبير) بقوله: "إن السفير لا يمكن أن يعمل من دون احترام وضمان وحصانة له، وذلك لأن عمله لا يمكن أن ينجزه من دون مثل هذه الحصانة" (37).

ولقد استقبل رسول الله  rرسولى مسيلمة الكذاب الذى ادعى النبوة فى عهده   rوطالب مشاركتة فى الحكم، وقالا قولا عنيفا للرسول r لم يرضه منهما، فقال لهما عليه الصلاة والسلام: "لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما" (38). ومضت السنة الإسلامية أن الرسل لا تقتل ولا يعتدى عليها كما جاء فى كتاب (الخراج) لأبى يوسف، وكتاب ( السير الكبير) لأبى الحسن الشيبانى وفيهما: "إذا وجد المسلمون رجلا من أهل الحرب فى بلاد المسلمين فقال: أنا رسول ملكى بعثنى إلى ملك المسلمين، وقد دخلت بغير أمان فإن كان معروفا بالرسالة، أو أخرج معه كتابا إلى الخليفة فهو آمن، لأن ما لا يمكن الوقوف على حقيقته يجب العمل فيه بغالب الرأي، وإذا قال: إن ما معه من الدواب والسلاح والمتاع هو هدية له فإنه يصدق ويقبل قوله إذا كان أمراً معروفاً ولا سبيل عليه، ولا يتعرض له، ولا لما معه " (39.)

وإذا كانت الحرية الشخصية للرسل والسفراء وامتيازاتهم وحصانتهم قد أقرت فى الإسلام، لزم احترام أهل تلك الإديان وحقوقهم كما أمرت بذلك الشريعة الإسلامية التى لم تقف عند حد حفظ حقوق أهل الأديان المعروفة، بل حتى المشركين كما سيأتى بيانه بحق المشرك.

إن المشرك هو الذى لا يعترف بوحدانية الله- سبحانه وتعالى- ويجعل له الشريك والصاحبة والولد، ويجعل معه آلهة أخرى، وهو أيضا الذى يعبد من دون الله الأوثان والأصنام، قال تعالى: ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السماوات ولا فى الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون)(40)، وقال تعالى: ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ) (41) والشرك خطر عظيم وذنب كبير لا يغفره الله- سبحانه وتعالى- إلا بالتوبة، قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) (42)، ويظن كثير من الناس أنهم يعبدون الله حقاً ألوهية وربوبية، ولكنهم ليسوا كذلك، حيث قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (43)، وتوعد الله المشركين بالعذاب الأليم حتى فى حق الأنبياء لو أشركوا وحاشاهم أن يشركوا بالله شيئأ قال تعالى:(ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) (44)، وعندما سئل النبىrعن أى الذنب أعظم قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" (45) أى تجعل له شريكا.

ومع عظم حال المشرك ومحادته لله- جل وعلا- إلا أن الإسلام حفظ حقوقه باعتباره إنسانا إذا دخل بلاد الإسلام طالبا الأمان، فيؤمن قال تعالى: (وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) (46)، والاية تبين أن الإسلام حريص على كل قلب بشرى أن يهتدى وأن يتوب، وأن المشركين الذين يطلبون  الجوار والأمان فى دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان، مع إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين، لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب، وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم.

تلك قمة عالية وهمة كريمة؛ إعطاء الإجارة والأمان لغير المسلمين فى دار الإسلام، وقمم الإسلام الصاعدة ما تزال تتراءى قمة وراء قمة، وهذه منها، هذه الحراسة للمشرك عدو الإسلام والمسلمين ممن آذى المسلمين وفتنهم وعاداهم، هذه الحراسة له حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام، إنه منهج الهداية لا منهج الإبادة، حتى وهو يعمل لتأمين قاعدة الإسلام للإسلام، وما علم الذين يتحدثون عن الجهاد فى الإسلام فيصفونه بأنه كان لإكراه الأفراد على الاعتقاد، والذين يهولهم هذا الاتهام ممن يقفون بالدين موقف الدفاع، فيروحون يدفعون هذه التهمة بأن الإسلام لا يقاتل إلا دفاعا عن أهله فى حدوده الإقليمية! هؤلاء وهؤلاء فى حاجة إلى أن يتطلعوا إلى تلك القمة العالية التى يمثلها هذا التوجيه الكريم فى الاية المباركة.

قال ابن كثير فى تفسير الآية: "إن إنسانا يأتيك ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن، حتى يأتيك فتسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء، ومن هذا كان رسول الله r يعطى الأمان لمن جاءه مسترشدا أو فى رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحداً بعد واحد، يترددون فى القضية بينه وبين المشركين فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله r ما بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام فى أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانأ أعطى أمانا ما دام يتردد فى الإسلام وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه " (47).

قال السرخسى فى المبسوط فى أموال تجار الدولة المعادية بعد نشوب الحرب: "أموالهم صارت مصونة بحكم الأمان فلا يمكن أخذها بحكم الإباحة"(48)، بل إن الإسلام لحرصه على أموال التجار الذين دخلوا بعقد أمان يقرر أن التاجر المستأمن يستمر على ملكه ولو عاد إلى دار الحرب وحمل السلاح محاربا للمسلمين " (49).

ولقد حفظ الإسلام حق الوالدين المشركين على ابنهم المسلم قال تعالى:

( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) (50) إن حفظ حق الوالدين وإن اختلف الدين يقوم على ما للوالدين من الحق الإنسانى الذى أكرم الله- سبحانه وتعالى- به الإنسان.

2- حقوق غيرالمسلمين الفكرية.

الفكر والاعتقاد وحرية إبداء الرأى والإبداع امتداد لحقوق غير المسلم الدينية، ولقد امتن الله سبحانه وتعالى على الإنسان بالعلم والتعليم عندما خلق آدم- عليه السلام- كما فى قوله تعالى: (وعلم أدم الأسماء كلها)(51)، وقوله جل وعلا: (علم الإنسان مما لم يعلم) (52)، والعلم والتعليم حق منحه الله- سبحانه وتعالى- للإنسان فهناك التعلم بالتلقى والعلم بالاستيعاب والقدرة على الاسترجاع والإفادة من العلم بإبداء الرأى أو بالإبداع الفنى أو الأدبى أو العلمي، ولقد امتن الله- سبحانه وتعالى- على الرسل والأنبياء بذلك، وكان من أجل دعاء النبى محمد صلى الله عليه وسلم كما فى قوله تعالى: ( وقل رب زدنى علمآ) (53)، وهكذا كان شأن حق العلم والتعليم فى الإسلام كما جاء فى الأحاديث النبوية الشريفة ومنها قوله r: "تعلموا العلم وعلموه الناس " (54).

وحرية الرأى والتعبير، دعوة إلى التفكر والمشاركة فيه، دعا إليها القرآن الكريم كما فى قوله تعالى: ) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد، (55)، وأثتى الله على من صدع بالحق ونادى به كما جاء فى قوله جل وعلا: ( قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك إن اتبع الا ما يوحى الى قل هل يستوى الاعمى والبصيرأفلا تتفكرون) (56)، وشجع الرسول e أصحابه على المشاركة بالرأى وشاورهم فى كثير من الأمور، وبين عليه الصلاة والسلام أهمية التفكر إذ أخرج ابن أبى الدنيا فى كتاب (التفكر)، والأصفهانى فى (الترغيب) عن عمر بن مرة قال: "مر النبى e على قوم يتفكرون فقال: تفكروا فى الخلق ولا تفكروا فى الخالق" (57)، وأخرج الطبرانى وابن مردويه قال رسول الله-e:" تفكروا فى آلاء الله ولا تفكروا فى الله" (58)، وفتح المجتمع الإسلامى أبوابه للباحثين الذين لجأوا إليه من دول أخرى كالنساطرة، فضلا عمن يقومون فيه، من المجوس واليهود وطوائف المسيحيين، ولم يكن هناك حجر على مناشطهم.

أما فى مسألة حقوق الإنسان فى الإبداع فإن القرآن الكريم يدعو الناس إلى استخدام حواسهم فى تناسق مستمر قال تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصروالفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولآ) (59)، والسمع والبصر أهم وسائل الاتصال بالعالم حولنا، ملاحظة وتجربة واختبارا للنتائج، والفؤاد هو ذلك العمل الداخلى الذى يضع هذه المعلومات والنتائج فى محتواها  اطارها المنهجى، والآية الكريمة بهذا تجمع بين الكون والإنسان، أو بين الذات والموضوع، أو بين الرؤية والتحليل والمقارنة والاستنتاج، وأشار القرآن الكريم إلى استنباط الأحكام، وهو جهد عقلى مضاف إلى المادة العلمية الموجودة، يقول الله تعالى:(و إ ذا جاءهم أمرمن الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإ لى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (60).

 والإبداع- فى أى أمر- هو الانتقال بمستواه إلى مستوى أعلى يكون أكثر قدرة على العطاء من المستوى الأول، وهو غير مقتصر على أفق واحد أو محدد، ولكنه جهد مثمر فى آفاق يقوم على الحق والفضل والخير.

ومن هنا تبدو ضرورة إزالة أى عائق يحول دون قدرة الفرد أو المجتمع على الإبداع يستوى فى هذا أن يكون العائق عنصرا عرقيا، أو اجتماعيا، أو اقتصاديا، أو سياسيا أو دينيا. إن الالتزام بتعاليم الإسلام لا يمنع الأديب من الإبداع ولا يمنع العالم من الإكتشاف والاختراع، ولا يمنع الطبيب من الوصول الى أنجح وسائل العلاج وابتكار الدواء.

والقرآن الكريم يحث الناس على التفكر فى آيات الله ومخلوقاته واكتشاف أسرار الكون والنفس البشرية، يقول عز من قائل: (وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون ( (61)، ويقول سبحانه: ( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم )(62).

إن الحق فى التعبير والإبداع كما يراه الإسلام يشمل التصور العام للوجود والإنسان وحقائق الكون، واستشعارها بحس سليم يمثل الذوق الفنى والأدبى لهذا الاستشعار فيما يراه من الطبيعة التى تحيطه، وما يسود المجتمع الإنسانى من سلوكيات وأخلاقيات، فالقرآن الكريم يوجه الأنظار إلى الطبيعة وما هو موجود بين السماء والأرض قال سبحانه وتعالى: (إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهاروالفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (63).

وقد أكد لنا الرسول محمدeالحق فى التعبيروالإبداع المرتبط بالحق من ناحية وتذوقه للجمال البيانى الذى أظهر هذا الحق عندما سمع قصيدة لبيد اللامية (64):

ألا كل شئ مــــا خـــلا الله باطــل                وكــل نعـــيم لا محــالـــة زائــــل

 إذا المــرء أســرى لـيلة ظن أنــه               قضى عمـلآ والمرء مـا عـاش آمـــل

 حبـــائـــلــه مبثـــوثــة بســـبيلــه               ويـــفنـــى إذا مــا أخطأتــه الحبــائل

 فقــولا لـــــه إن كـــان يقسم أمره               ألما يـغـطـك الــدهر؟ أمـــك هــابــل

 فإن أنت لم تصدمك نفسك فانتسب              لــعــلك تهديـــك القـــرون الاوائـــل

 فإن لم تجد من دون عدنــان والـدآ              ودون مــعــــــد فلتــزعك العـــوازل

 وكل امرئ يومــاً سيعلـــم ســـعيــه             إذا كشــفـت عـــند الإلــه المحاصــل

 لقد تذوق النبى الكريم لمجيء هذا الشعر، فقال وما ينطق عن الهوى: " أصدق

كلمة قالها شاعركلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل" وقد أورده الإمام البخارى- رحمه الله تعالى- فى كتاب (الأدب) تحت باب (ما يجوز من الشعروالرجز والحداء وما يكره منه)، كما أن الحديث ورد فى كثيرمن كتب الصحاح والسنن فقد رواه مسلم والترمذى وابن ماجة وأحمد- رحمهم الله تعالى-.

ولننظركيف قبل الرسول الحق عندما سمع بعض شعر إنسان غير مسلم فاعترف له بحق سماع شعره كإنسان وبين ما انطوى عليه من الخير كحق فى الإبداع والتعبير وذلك عندما سمع e شعر أمية بن أبى الصلت فقد أورد الإمام مسلم- رحمه الله تعالى- فى صحيحه )كتاب الشعر) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: " ردفت رسول الله e فقال: هل معك من شعرأمية بن أبى الصلت؟ قال: هيه، فأنشدته بيتا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتا، فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كاد ليسلم "وفى رواية قال عليه السلام: " فلقد كاد يسلم فى شعره ! وهذه النسبة تحدد حق الإنسان فى الإبداع وهو من الجمال والزينة، والجمال مسألة لازمة للإنسان ومنها التزين والزينة كما جاء فى قوله تعالى: (يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشريوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الأيات لقوم يعلمون. قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهرمنها وما بطن والإثم والبغى بغيرالحق وأن تشركوا بالله ما لها ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) (65).

3- الحقوق الاجتماعية:

يشترك الإنسان المسلم وغير المسلم فى جملة من الحقوق العامة الاجتماعية التى نص عليه القرآن الكريم وجاءت فى السنة المطهرة. فحق الإنسان على الأرض من الشراب والطعام والكساء والمسكن والأمن وحق العمل والحركة على الأرض وحقوقه المكتسبة وحقوق التكافل الاجتماعى وحقوق التقاضى كل ذلك يأتى فى سياق الخطاب العام الموجه للناس فى آيات الكتاب الحكيم والأحاديث النبوية الشريفة تشمل الناس جميعا وتوصى المسلمين بغيرهم لاشتراكهم فى الحقوق الإنسانية، وأن حقيقة الحياة على الأرض أساسها تفرع البشر والناس من أبوين جعلت منها الشعوب والقبائل قال تعالى:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكروأنثى وجعلناكم شعوبآ وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (66) ولكل شعب وقبيلة دار وموطن ولكل دار وبلد حرمة وحق، والتباين بين أنواع الشعوب والقبائل فى الآية مدعاة إلى التكامل والتعارف بين الناس، ومن حق المواطنين المسلمين مثلما هو واجبهم فى الوقت نفسه حماية أوطانهم والدفاع عنها، وحماية الذميين المستأمنين الذين يعيشون معهم لتستمر الحياة الاجتماعية بدءاً  من تكوين الأسرة الصغيرة.

وتكوين الأسرة الصغيرة يبرز للإنسان (حواء) أمنا الأولى وتتخذ الحياة الإنسانية صورتها الباقية الصحيحة على طريق الحياة. يقول الله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لايات لقوم يتفكرون) (67). إن الحق فى تكوين أسرة من أبرز الحقوق فى الحياة الإنسانية، وقد بينت الآية دعائمه: سكون الزوج إلى الزوجة. المودة. الرحمة. والأساس أن أزواجكم من أنفسكم. وحرم الزنا مقابل الزواج المشروع، قال عليه الصلاة والسلام: "الدنيا كلها متاع، وخيرمتاعها الزوجة الصالحة" (68)، كما قالe: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وان نطر إليها سرته، وان أقسم عليها أبرته، وان غاب عنها حفطته فى نفسها وماله" (69)، وهذه المواصفات قيم إنسانية تسعد بها أى أسرة: تنهى عن الزنا، وتحمى الأمم من ضياع الأنساب وفساد الأخلاق، وحفظ حق الإنسان من الاعتداء على الأعراض. والإسلام يحرم تحريما كل ضروب الزنا واللواط والدعارة والقوادة... إلخ ولا يدع سبيلا لاتصال الرجال بالنساء إلا عن طريق الزواج الذى يكفل حقوق الزوجين والأولاد والمجتمع وينظف البيئة من جميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

 الإسلام يشجع تعدد الزوجات ويمنع وجود العشيقات ونساء الهوى وهو يعاقب على الزنا، ويثيب على الزواج وتعدده بشروطه وأحكامه. إن حقوق الإنسان والمجتمع لا تحفظ بترك البغاء والدعارة والزنا (الاحترافى وغيره) مرخصا به، دون حظر أو تحريم أو محاربة أو عقوبة وإلا تهدمت الأسر، وكثر أتباع السفاح الذين يكونون أخصب بيئة للجريمة والفساد.

فتح الإسلام باب العمل أمام الإنسان باعتباره حقا اجتماعيا، ولم يجعله مجرد حق له، بل رعاه وأثابه عليه وحثه على الحركة والنشاط، كما فى قوله تعالى: (والله الذى أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) (70)، وقوله تعالى: ( وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)(71)، وعن الثروات والصناعات المعدنية والعمل فيها يقول جل وعلا: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبى معه والطيروألنا له الحديد. أن اعمل سابغات وقدرفى السرد واعملوا صالحا إنى بما تعملون بصير) (72)، وعن التجارة والعمارة يقول عز من قائل: (هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (73).

هذه مجرد أمثلة وليست استقصاء. وهى تبين آفاق العمل المفتوحة أمام الإنسان ينشط فيها وفى نظائرها. وللإنسان الحق فى الأجر إذا كان يعمل لغيره. قال تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين. قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج)(74).

 

وتمتد الرعاية الإسلامية إلى أهل الذمة وكفالة حقوقهم الاجتماعية، منها ما كان فى خلافة أبى بكر الصديق t، إذ كتب خالد بن الوليد t فى عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: "وجعلت لهم: أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله" (75).

إن توفر السلطة عند الحكومة الإسلامية وقيامها بمسؤولياتها، وإمكانية وصول الأفراد إليها، هو فى ذاته "حق " أو على الأصح "مجموعة من الحقوق " وهى متداخلة- عملياً- مع نسيج الحقوق السابقة، ونستطيع أن نذكرها كمهيمنة على الحقوق السابقة جميعا، أن نضعها تحت عنوان " الحق فى العدل " بمفهومه الإسلامى الواسع الذى يضم آفاق الحياة وفيه الحق فى التقاضى.

 ويضع الإسلام الحياة فى ميزانها العادل فى آيات بينات جاء فى قوله تعالى:

 ( والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا فى الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (76)، يقول ابن كثير: " والميزان: هو العدل كما قال الله تعالى:( ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وهكذا قال هاهنا (ألا تطغوا فى الميزان ) أى خلق السموات والأرض بالحق لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل، ومن هذا الميزان العام ينبع العدل فى التقاضى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتها بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا)ويقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيربما تعملون )، وعلى القاضى العدل فى مجلسه واقباله على أطراف القضايا"(77)، جاء فى خطاب عمر بن الخطاب t إلى أبى موسى الأشعرى t قوله: "آس بين الناس فى مجلسك وفى وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف فى حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك " (78)، وهذا التوجيه يشمل العدل والمساواة فى حق المسلم والذمي، ولا شك فى أن من الإيذاء الجور فى الحكم لاختلاف الدين، يقول الإمام على بن أبى طالب عن: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا " (79).

ولعل من تمام هذه الحقوق أن يكون المسؤول القائم بأمرها مؤمنا بها دينا يسألهم الله عنها ويحكمون بين الناس بها، أنها عندهم- أى المسلمين- دين ونظام وحياة، وعند أهل الذمة حياة، وليست دينا يدينون به، فموقف المسلمين فى تطبيقها والمسؤولية عنها يدعو إلى أن يقوموا بأمر المجتمع الإسلامى والإنسانى مع اختلاف الدين وتباين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية أن تأخذ حقها فى النمو الطبيعى والفكرى، وتتعاون جميعا فى خدمة الدولة الإسلامية والمجتمع الإنسانى الذى يعيشون فيه وتبشر بهذه الحقوق الإنسانية وهى من الله فضل ونعمة.

يذكر ابن قدامة (شمس الدين) فى (الشرح الكبير) "واذا عقد الذمة (أى الإمام) فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة، لأنه التزم بالعهد حفظهم ". ومن كتاب عمر للخليفة بعده: "وأوصيته بأهل ذمة المسلمين خيرا أن يوفى لهم بعهدهم ويحاط من ورائهم " (80).

ثالثأ: حقوق غير المسلمين فى الحرب.

1-                                                                                                                                                                                                                                                  مفهوم الحرب فى الإسلام:

الحرب هى الوسيلة النهائية من وسائل الإكراه التى تلجأ إليها الدول لحل منازعاتها إن لم تفلح الوسائل السلمية فى فض النزاع كالمفاوضات والتدخل الفردى والوساطة والتحقيق والتوفيق والتحكيم، وتكون الحرب مشروعة فى حالتين اصطلح عليهما القانونيون الدوليون وهما:

1- أن تكون الحرب دفعا لاعتداء واقع بالفعل كدفاع عن النفس، وهذا قد جاءت به الشريعة الإسلامية كما فى قول الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (81) فالآية تقيد رد الاعتداء بالقدر اللازم دون مجاوزة أو تنكيل.

2- أن تكون الحرب لحماية حق ثابت لدولة ما انتهكته دولة أخرى دون مبرر وذلك كجزاء لحماية هذا الحق.

أما الحرب غير المشروعة فهى الاعتداء رغبة فى السيطرة وبسط النفوذ السياسى، والاقتصادى، والدينى، وا لحضارى... إلخ، وهذه لا يقرها القانون الدولى ويسميها الحرب غير العادلة.

 أما موقف الإسلام من الحرب فإنه لا يجيزها إلا فى حالات محدودة، وما عداها فهى جريمة وحرب غير عادلة، كما أن الإسلام يوجب عند قيام الحرب العادلة الأخذ بمبدأ الإعلان وعدم المباغتة، وقد شوه كثير من المستشرقين والقانونيين المفترين على الإسلام بما هو براء منه، وصوروه بصور كريهة، وخاصة فى مسائل الجهاد، حيث ادعوا أن الجهاد فى الإسلام يقوم على القهر والغلبة، وفرض دين الإسلام على جميع الأجناس والأديان، والإسلام- كما يزعمون- قد أعلن الحرب على جميع الشعوب لنشر دعوته بالسيوف. كما زعموا بأن الإسلام لا يراعى العهود والمواثيق والمعاهدات وأنه سمى الحرب جهادا فى سبيل الله منى فيها الإسلام المقاتلين بالأمانى الباطلة بأن لهم الجنة لمن قتل منهم فى محاربة الكفار.

ويبدو أن تلك الاتهامات هى دليل على الجهل والنقص والتعصب فكيف يسوغ لمنصف أن يقبل الافتراء على الإسلام بمثل ذلك البهتان من القول المبنى على الجهل والحقد والتعصب ضد شريعة رب العالمين، فالله تعالى قد رسم لرسوله e الطريق الذى يجب أن يدعو له إلى الدين، بالتدبير وإعمال الفكر مع الصبر وترك الأذى بدليل قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر) (82)، وقوله تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن ) (83)، وقوله تعالى: ( وما أنت عليهم بجبارفذكربالقرآن من يخاف وعيد )(84)، وبعد ذلك كله فإن كتاب الله يمنع الرسول e والمسلمين من إكراه الناس على الإسلام، انما بالبيان لطريق الخير، قال تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (85).

لذا فالإيمان الذى يجىء عن طريق الإكراه لا قيمة له ولا كرامة لصاحبه، ولا اعتداد به عند الله، كما أنه ليس فى طبيعة الدعوة الإسلامية من التعقيد والغموض والمشقة العقلية ما يحتاج معه إلى إكراه سواء أكان إكراها ماديا أو معنويا، وكذلك فالدعوة الإسلامية لا تخالف سنة الله من حيث ترك الناس وما يختارون لأنفسهم عن طريق النظر والإقناع، كما أن الشريعة لا تبيح اتخاذ الإكراه كوسيلة من وسائل الدعوة إليها، لأن صاحب الدعوة ليس مسؤولاً أمام الله إلا عن مهمة إبلاغ الرسالة التى يبينها القرآن الكريم، وهى التبشير والإنذار وليس هو مطالبا بإيمان الناس حتى يسمح له بإكراههم.

من كل ذلك يتضح بأن المسلمين كانوا يدعون إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بينما أعداء الإسلام يردون هذه الدعوة بالقوة والعنف والتعذيب والتشريد والقتل، وهذا مما اضطرهم أن يهاجروا فرارا بدينهم، وخلاصا من الحرب المسعورة الظالمة التى أعلنتها قريش عليهم وتركوا لقريش أموالهم ومساكنهم وذراريهم بعد ثلاث عشرة سنة من الاضطهاد. وكان طبيعيا أن يتوقع المسلمون أن جيوش الشرك من قريش لابد أن تلاحقهم فى مهجرهم بالمدينة بعد أن أعلنت الحرب عليهم وأخرجتهم من مكة وكان مقتضى ذلك أن يحتاط المسلمون للأمر ويتخذوا له أهبته حتى لا تفاجئهم قريش بحرب ولا تأخذهم على حين غرة.

والجهاد فى الإسلام معناه تحطيم مملكة الشر، فالإسلام يحطم مملكة عبادة البشر ولا يحطم مملكة البشر التى تحكم بما أنزل الله، لأنه يعمرها بالخير والاستقامة والعدالة، وإنه يحطم مملكة الشر ويحطم عبادة الناس والأصنام والأوثان لإقامة مملكة الله وحده فى الأرض وعبادته إلها واحدا لا إله غيره بيده ملكوت السموات والأرض.

والجهاد الإسلامى هو غير الحروب المعروفة بين الناس بقصد الاستيلاء والتوسع والاستعلاء البشرى إنما هو الدعوة إلى الله فى سبيل تحرير الإنسان من العبودية لغير الله وإعلاء ألوهية الله وحده، وهذا ما يشير إليه قول الصحابى الجليل ربعى بن عامر ورفاقه عندما سألهم رستم القائد الفارسى عن سبب خروجهم لقتال الفرس، فأجابوا: "إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " (86)، والأسباب الأخرى التى دعت ودفعت المسلمين إلى الاعتراك مع أعداء الدين يمكن حصرها فى سببين رئيسين:

أولهما: حماية الدعوة الإسلامية من عدوان خصومها من عرب وعجم حيث حاول كسرى الفرس قتل الرسول e وبذل العطاء لمن يأتيه برأس النبى عليه الصلاة والسلام، وكذلك فعل هرقل ملك الروم عندما أمر بقتل كل من أسلم من أهل الشام.

وثانيهما: محاربة أعداء الإسلام الذين نقضوا العهود والمواثيق القائمة بين الدولة الإسلامية وأعدائها من قبل الأعداء، كما فعلت قريش بعد معاهدتها فى الحديبية، وكذلك نقض اليهود للعهود المبرمة مع المسلمين وتحزبهم فى غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق ضد الإسلام.

هذه الحرب المشروعة فى التشريع الدولى الإسلامى، والتى ينص عليها القانون الدولى الوضعى حاليا، بل يتضح من الآيات التى تدعو إلى الجهاد بأن الله أمر المسلمين بأن يقاتلوا من يقاتلهم على ألا يبدأوا بالعدوان، ولكن لابد أن يختاروا فى قتالهم الحد الكافى فى رد العدوان، ويؤيد ذلك نهى الرسول e عن قتل من ألقى السلام أو من أدبر ممن بدأ بالقتال.

ومع هذا كله فإن الإسلام لا يجيز القتال أو الحروب إلا لضرورة، وهذا ما يشيرإليه القرآن الكريم فى قوله جل وعلا: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئآ وهو خيرلكم ) (87)، وقال سبحانه وتعالى: ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (88)، بل إن الإسلام يدعو إلى السلم وهو دين السلام، حيث يقول عز من قائل سبحانه: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ) (89).

فهذا هو اسم الإسلام المشتق من السلام الذى أساسه الاستسلام والخضوع لله رب العالمين دون غيره، قال تعالى: ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه) (90)، بل وجعل الله تحية المسلمين بكلمة (السلام عليكم ورحمة الله) فى حياتهم وصلاتهم، وحتى يلقون ربهم فى الجنة التى سماها (دار السلام)، وأعظم من ذلك فإن الله تعالى سمى نفسه بالسلام كاسم من أسمائه الحسنى، كما يحيى عباده الصالحين يوم يلقونه فى الجنة بالسلام بقوله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) (91).

كل ذلك يؤكد أن السلم والسلام هو أصل كل علاقة بين المسلمين مع غيرهم من أهل الأديان الأخرى، ما لم تقم من جانبهم حرب واعتداء على المسلمين لأن السلم والسلام يسهل للبشر معرفة الإسلام ونشره، وهكذا يتم بمنتهى التسامح بين كافة الأديان نحو الخير والسلام ومعرفة الله بحق وصدق ويكون هناك حوار بين الحضارات والثقافات، ويتم التعارف والتعاون فى ظل الأمن والسلام والحق والعدل.

 والحرب والقتال فى الشريعة الإسلامية مخالف لكل النظريات السياسية والفلسفات الاجتماعية والفكرية التى ترى فى الحرب والعنف غريزة أصلية فى الإنسان. وثابتا من الثوابت القديمة. جاء الإسلام ليقرر القتال إنسانيا ودينيا وأنه أمر مكروه وطارئ تفرضه الضرورات وتضبطه الأخلاقيات الإسلامية والإنسانية ليكون مقصده خيرا وصلاحا وليس شرا وفسادا. قال تعالى: ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) (92)، ومن تتبع آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية فى أحكام القتال والحرب من الأذى به أو الأمر به أو وجوبه أو الحض والتحريض عليه لا يخرج عن كونه رد عدوان المقاتلين للمسلمين فى الدين أو إخراجهم من ديارهم أو المظاهرة عليهم أو المساعدة على الاعتداء. وليس هو توسعا أو سيطرة. قال تعالى:

( الشهرالحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) (93).

ولعل خير شاهد هو موقف المسلمين من المشركين الذين نقضوا صلح الحديبية مما اضطر الرسول r أن يسير إليهم بعشرة آلاف رجل، ولم يكن همه القتال، وانما كان أقصى ما يريد هو أن يخلص بيت الله الحرام من دنس الأوثان والأصنام التى أرجسته وشوهت حقيقة الدين الحنيف الذى جاء به إبراهيم عليه السلام منذ آلاف السنين، قد رد رسول الله- عليه الصلاة والسلام- على القائل عندما اقترب الجيش المسلم من مكة: هذا يوم الملحمة، بقولهr: "بل هذا يوم المرحمة" (94)، بل إنه قبل دخول المسلمين إلى مكة نودى فى أهلها أن: "من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" (95).

ودخل رسول الله r مكة من غير حرب أو إراقة دم، ولو كان يريد تشفيا كما يرجف المرجفون لأمعن فى قريش قتلا جزاء ما عملوه فيه وفى المسلمين، ولكنه دخلها دخولا ما دخله أحد من قبله ولا من بعده، بل دخلها وذقنه يمس قربوس فرسه خضوعا وشكرا لله تعالى.

وبالجنوح للسلم فالإسلام يحث المسلمين على مراعاة العهود، واحترام المواثيق وأن يراعوا قول الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) (96)، وقوله: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) (97)، وقول رسول الله r: "من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة" (98).

وبعد فإن كل هذه التوضيحات تكفى ردا على الحاقدين من أعداء الإسلام ممن يدعون بأن الإسلام يبيح نقض العهود بعد توكيدها، والحق أن ذلك كان- كما ورد فى كتب القانون الدولى- من فعل الباباوات الذين ادعوا لأنفسهم حق إبرام المعاهدات ونقضها متى يشاءون، فمثلا (البابا أوربان السادس) قد حرم كل الأحلاف وأبطلها مع غير المسيحيين واعتبر كل ما عقد معهم من عهود يعد باطلا مهما كانت المعاهدات سابقة أو مستقبلية. وقد قال بلونتشلى فى مقالة له فى دراسات أكاديمية القانون الدولى: (بأن الكنيسة ما كانت تعرف حقا لغير المسيحيين، أما بالنسبة لغيرهم فليس لهم إلا الحرب، فأين هذا مما حث عليه القرآن الكريم الذى أوصى باحترام العهود والمواثيق مع جميع الأمم والدول مهما كانت أديانها وجنسياتها كما أوضحنا ذلك سابقا (99). ولا ننسى ما يطفح به تلمود اليهود من الأقوال التى تدعو إلى قتال الأغيار دون رحمة أو هوادة. ولعلنا نحيل القارئ إلى كتاب إسرائيل شاحاك (الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود) وما فيه من أقوال عن القتال وحرية الدم اليهودى وإهدار دماء الأغيار وإبادتهم.

ثم إن دعوى أن الإسلام قد سمى قتال الكفار والمشركين جهادا فى سبيل الله فهذا صحيح لأن ذلك رد لاعتداء، ويعد حربا عادلة ما دام فى حدود الشرع الإسلامى. والجهاد بذلك لا يعنى إكراه الناس على الدخول فى الإسلام أو الإكراه فى الدين وهذا يؤكد أن الجهاد الإسلامى لم يقتل فيه آلاف من المسلمين كما فعل الاستعمار الغربى للدول الإسلامية فى العصور الوسطى والحديثة، وشواهد التاريخ فى ذلك لا تنكر.

ويؤكد الكاتب الإنجليزى (توماس كارلايل) إن الإسلام لم ينشر بحد السيف فيقول:

 " ولقد قيل كثيرا فى شأن نشر محمد دينه بالسيف، فإذا ما جعل الناس ذلك دليلا على كذبه فشد ما أخطأوا وجاروا، إنهم يقولون: ما كان الدين ينتشر لولا السيف، ولكن ما هو الذى أوجد السيف؟ هو قوة هذا الدين وأنه حق. ولم يروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحيانا؟ وحسبكم ما فعل "شارلمان " بقبائل السكسون ! " (100).

كما يعلق (الكونت دى كاسترى) على حروب المسلمين مع غيرهم فيقول: "ولقد أطلنا القول فى مسألة المسلمين عند انتشار دينهم فى الغرب، لأن الضد ثابت فى أذهان المسيحيين، ولا يزال مستحكما من نفوسهم إلى يومنا هذا مما أظهره المؤرخون، ومن طافوا بلاد الشرق من مخالفته للواقع. قال (ميتشو) فى تاريخ الحروب الصليبية: "لما استولى عمر على مدينة أورشليم، لم يفعل بالمسيحيين ضررا مطلقا، ولكن لما استولى المسيحيون على تلك المدينة قتلوا المسلمين، ولم يشفقوا بهم وأحرقوا اليهود، وعلى هذا يتحقق أن الدين الإسلامى لم ينتشر بالعنف والقوة" (101).

2- مبادئ التعامل مع غيرا لمسلم فى الحرب وحقوقه:

بعد هذه الاستهلالة العامة عن مفهوم الحرب ومفهوم الجهاد فى الإسلام فإننا سنعرض أحكام الشريعة الإسلامية وبيانها لحقوق غير المسلمين فى الحروب، والواضح مما سبق أن الإسلام لا يجيز الحروب ولا يدعو إليها بل ينبذها ويكرهها، ولكن إذا وقعت وصارت ضرورة لازمة فإن الإسلام لم يحرم غير المسلم حقوق إنسانيته فى هذه الظروف الحرجة الضيقة. فقد شرع الإسلام لذلك شرعا مطهرا أمر نبيه فيه وجميع المسلمين الالتزام به وعدم الخروج عنه قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائرالله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإ ذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) (102). وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإسلام عندما يضطر إلى خيار الحرب يفرض على المسلم شروطا تهذب سلوك المقاتل المسلم وتحفظ للخصم كرامته الإنسانية كغرض إلهى أساسى للإنسان، ولننظر ذلك فى وصية رسول رب العالمين حيث قال: "اغزوا باسم الله فى سبيل الله، واغزوا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تعتدوا ولا تمثلوا " (103)، فهذه الوصية توضح مدى رأفة المسلمين وحرصهم على عدم إراقة دماء الأبرياء، بل إنهم لا يودون حتى إراقة دم المعتدين إن كفوا عن عدوانهم، ولهم حق اختيار الإيمان بالله وحده طوعا، أو البقاء على دينهم السابق مقابل دفع الجزية خضوعا ومشاركة منهم فى دفع نفقات دفاع الإسلام عنهم وعن أموالهم وأرضهم وأهلهم ودينهم، وهذا منتهى السلم، مع حرية الاعتقاد الذى دعا له الإسلام. وهذه الوصية التى جاءت قبل آلاف السنين من صدور قانون باريس البحرى أو اتفاقية جنيف فى أسرى الحرب وغيرهم، إنما تدل على سبق الإسلام إلى حقوق الإنسان فى هذا الجانب.

 

وهكذا فعل الخليفة الأول لرسول الله r أبو بكر الصديق t فى وصيته إلى الطليعة العسكرية المسلمة ومما جاء فيها قوله: "لا تخوتوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله. وسوف تمرون بقوم قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم شيئا منها فاذكروا اسم الله عليه" (104).

إنها وصايا إسلامية تفيض بالسماحة والتكريم لشخص الأعداء وأرضهم وأموالهم. التى رسمت الخطوط لقيود الحرب، وضبطت بها الشريعة الإسلامية حدود القتال الإسلامى إلى جانب الحرص على احترام الأشخاص وكرامتهم وكف الأذى عن أرضهم وبيئتهم وكفالة حرية العبادة والعقيدة ودور العبادة... إلخ.

هكذا إذن فالإسلام يحفظ حرمة الإنسان وحقوقه إذا لم يكن محاربا أو مقاتلا أو أنه كان أعزلاً من السلاح، بل ويأمر الإسلام بالمحافظة على الأموال والممتلكات وعلى البيئة والحياة الطبيعية، التى هى منح وحقوق أكرم الله جل جلاله بها الإنسان لكى يجدها الإنسان إذا ما وضعت الحرب أوزارها سليمة غير مفسدة، وأين هذه التعاليم الإسلامية مما فعله الإنسان بصناعة أسلحة الدمار والخراب بالأنفس والديار التى يذكرها التاريخ عن الماضى ونشهدها اليوم فى الحاضر وما يجرى فى فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين؟ إن القوم رصدوا أموالا كثيرة للحرب وأدواته أكثر مما هو مخصص للتعليم والصحة والكفالة الاجتماعية فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إن أخلاقيات الإسلام فى الحرب وحفظ حقوق الإنسان ترحم الإنسان عندما تزول عنه صفة المقاتل عندما يعجز عن حمل السلاح أو يصبح غير قادر على المشاركة فى الحرب أو أن يسقط جريحا أو مريضا أو أسيرا أو حتى عند إلقاء السلاح واعلان الاستسلام يقول تعالى( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكما ويينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أويقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإق اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) (105).

والإسلام يحفظ حق الأسير لآدميته وإنسانيته وإن كان مقاتلا وخائنا ومعتديا فى الأصل، فحرم قتل الأسرى وفتح أمامهم باباً واسعاً لفك أسرهم فإن اعتنق الإسلام بدون إكراه فك أسره، وقد يفك أسره بدون مقابل أو حتى بفداء، وقد قال الحسن وعطاء: لا يقتل الأسير بل يمن عليه أو يفادى به قال تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم) (106).

وقد ورد عن أبى هريرة t أن خيلا للمسلمين أسرت ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وجاءوا به إلى المدينة فقال خير: "أحسنوا أساره واجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه، ثم سأله النبى r ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندى يا محمد خيرإن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكروإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما تشاء، فتركه إلى الفداء ثم أمر بإطلاق سراحه بغير فداء"(107)، وقد أثر هذا الصنيع فى ثمامة فأسلم وحسن إسلامه. كما ورد عن الرسول e أنه قد من على أبى عزة الجمحى وأبى العاص بن الربيع والمطلب بن حطب يوم بدر بالفداء، وكان r أيضا قد من على جميع أهل مكة يوم الفتح حينما قال لهم:" ما تظنون أنى فاعل بكم؟، قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم فقال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء"(108).

ومن ناحية أخرى هناك الفداء أو البدل كما جاء فى قوله تعالى: (وإما فداء) وللفداء أشكال كثيرة، فقد يكون تبادلا شخصيا حيث يبادل أسرى العدو بأسرى المسلمين لديه، وقد صح عنه r أنه فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بنى عقيل، وقد يكون تبادلا ماليا إن لم يكن للمسلمين أسرى لدى الأعداء، والبدل هو الجعل المالى الذى يقدره ولى الأمر وتدفعه دولة الأسير أو يدفعه الأسير نفسه من ماله ليفتدى به، فإن عافه قومه ولم يكن يمتلك مالاً كان الفداء بما يناسب حاله.

ومن عناية الإسلام جقوق الإنسان فى الحرب، جثث القتلى، فلقد اهتم الإسلام بذلك الجانب اهتماما بالغا بوصف الإنسان مخلوقا آدميا كرمه الله بخلق كريم فصوره فى أحسن تقويم فذلك قوله تعالى؟ ( ولقد كرمنا بنى آدم )، وكذا قول النبىr: "إن لله عبادا اختصهم بالنعم لمنافع العباد يقرها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها حولها منهم" (109).

ولقد أمر الرسول r أن يدفن المقتول حيث صرع تكريما له ولآدميته، فالإنسان تظل كرامته بعد موته، وهذا ما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر، (110)، والى هذا الحد يحترم الإنسان الجثةالإنسانية ويحافظ عليها، كما ينهى الإسلام عن نبش القبور وهى صورة أخرى لاحترام الجثة الإنسانية.

إن ما ذكرناه من نماذج عن حقوق غير المسلم فى الدولة المسلمة وغيره مما لم نذكره عن سماحة الإسلام وتسامحه وتعايشه مع الآخرين ونزوعه إلى إفشاء السلام الجماعى العالمى يقوم دليلا على أن الإسلام كان ثورة تحريرية للعالم ونظاما عالميا جديدا، وأن ما يحتضنه من مبادئ وقيم تصلح صلاحا أبديا لقيادة الإنسان نحو مستقبل أفضل وأسعد لصونه وحفظ حقوقه.

رابعا: الأقليات فى جمهورية مصر العربية:

يشهد واقع الناس اليوم بحياة غير المسلمين فى بلاد الإسلام بصفتهم أقليات دينية مواطنة فى جمهورية مصر العربية والجمهورية السورية والعراق وباكستان والمغرب وغيرها من دول الإسلام، كما تعيش كثير من الجاليات غير المسلمة فى دول الإسلام فى

دولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة قطر وسلطنة عمان والمملكة العريية السعودية.

ولكل صنف من الأصناف حقوق محفوظة فى بلاد الإسلام استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وانطلاقا من الروابط الوطنية والمصالح العليا للبلاد، برغم التحرش السياسى والمناداة بضياع حقوق الإنسان من قتل أعداء الإسلام للاعتداء على الإسلام ولتفتيت الوحدة الوطنية كما نراه فى حق أرض الكنانة، فى بلد الأزهر الشريف، فى جمهورية مصر العربية، حرسها الله وكل بلاد المسلمين من كل شر وانقسام.

لا يخفى على أحد أن جمهورية مصر العربية تضم على أرضها مواطنين مسيحيين عرب منذ زمن طويل، وهم محل وصية رسول الإسلام الرحمة المهداة النبى الأمى محمدr الذى قال: "استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما" (111)، فهم خلق تربط المسلمين بهم صلة الإنسانية وصلة العروبة وصلة الديانات السماوية فنبيهم عيسى ابن مريم البتول صلوات الله وسلامه عليهم جميعا. وقال عليه الصلاة والسلام: "الله الله فى قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وعونا فى سبيل الله " (112). وفى حديث آخر يقول النبىr"إنكم ستقدمون على قوم جعدة رؤوسهم، فاستوصوا بهم خيرا فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله تعالى"(113) وهذا يعنى قبط مصر.

إن الأقباط فى مصر يتمتعون بحقوقهم الإنسانية فى التعليم والصحة وتقلد الوظائف الحكومية الرسمية وغير الرسمية، وغالبية عظمى منهم تمسك بزمام الشئون التجارية والاقتصادية، ويشترك أقباط مصر ومسلميهم فى المواطنة المصرية الواحدة والوحدة الوطنية المتماسكة. ولا أود استرجاع تاريخ مصر فى العهد الإسلامى وما تلاه من عصور فى رعاية الأقباط وحفظ حقوقهم خشية الإطالة، ولكن يكفى فى هذا المقام أن أوضح مدى تمتع الأقباط بحقوقهم وتمسكهم بالوحدة الوطنية وحياتهم مع المسلمين فى ظل الدولة الإسلامية ما أفرزته زيارة وفد اللجنة الأمريكية للحريات الدينية إلى جمهورية مصر العربية عام 2001 م، وكان هناك الموقف الوطنى الموحد بين المصريين من الأقباط والمسلمين فى مواجهة ذلك الوفد وتوضيح أغراضه التى جاء من أجلها إلى مصر. فاللجنة الأمريكية للحريات الدينية استند إنشاؤها إلى تشريع صادر من الكونجرس الأمريكى عام 1988م (114)، يختار أعضاؤها بمعرفة الكونجرس بحيث لا يكون من أعضائها أى مسؤول حكومى. واللجنة تجد تأييد من معظم الأحزاب الأمريكية السياسية. ولما كان هذا هو واقع هذه اللجنة فإن رجال الدين المسيحى وعلماء الإسلام كانوا يرون أن زيارة اللجنة إلى مصر هو تدخل فى شئون جمهورية مصر الداخلية، وحسب تأكيد البابا شنودة نفسه فإن الأجانب لا حق لهم فى التدخل فى الشئون الداخلية لمصر، وهذه قناعته الخاصة التى لن تتغير، وهو نفس ما قاله عدد كبير من قيادات الكنيسة وفى مقدمتهم الأنبا ويصا، الذى رفض زيارة الوفد بشكل صريح واعتبرها بلا سبب لأن الأقباط لم يطلبوها ولم يكن هناك سبب لحضورهم (115).

ويؤكد الأنبا مرقس- أسقف شبرا الخيمة بقوله: إن الأمريكان لا يبحثون إلا عن مصالحهم فقط وقبل كل شئ. لأن الكونجرس لا علاقة له بأقباط مصر أو مسلميها ليرعى مصالحهم (116).

ويرى القس منيس عبدالنور- راعى الكنيسة الإنجيلية بقصر- الدوبارة أن مجرد الاستشارة الأجنبية فى أحوال البلاد مرفوضة، فما بالك بالتدخل الأجنبى فى وحدة مصر، لأن التدخل الأجنبى يزيد حجم أى مشكلة ويضخمها لمجرد أن يثبت أنه جاء إلى مصرفى الوقت المناسب. لكن الحقيقة أن مشاكلنا نحن أقدر على حلها فكل مشكلة لها حل والدولة تتعاون مع الكنيسة بشكل جيد لحل كل المشاك (117).

ويرفض الدكتور فيليب اسكاروس- عضو الحزب العربى الديمقراطى- تسمية هذا الوفد بأنه لجنة حريات، فالأصدق أنها لجنة مشبوهة هدفها إثارة الفتنة، رغم أن القانون والدستور المصرى يعامل الجميع مسلمين وأقباطا بالمساواة فالدين لا يلعب دورا فى تمييز أحد داخل مصر (118).

أما إذا كانت زيارة الوفد خاصة بالتحقق من قضية الكشح بعد الحكم الأخير، فكما يقول كمال زاخر إنه لا داعى لهذه الزيارة وهى مرفوضة، فالأقباط لا يزايدون على وطنهم، لأن النيابة أنهت المشكلة وتقدمت بطعن أمام محكمة النقض قالت فيه: إن الحكم خالف القانون وأخطأت تطبيقه، وأن الأسباب التى قام عليها لا نجد لها صدى فى الأوراق، لا أقول إن مصر ليست بها مشاكل لكن هذه المشاكل تحل فى إطار القنوات الشرعية للدولة والحوار مع المسؤولين، وليس من خلال وفد أمريكى جاء بناء على أقوال مرسلة لبعض الأفراد يعلمون تماما أنهم غير صادقين (119).

وموقف الأزهر لم يكن مخالفا للكنيسة فالدكتور سيد طنطاوى- شيخ الأزهر- قال: لم يصلنى أى طلب رسمى أو غيررسمى للقاء هذا الوفد، لكن إذا طلبوا المقابلة فبابى مفتوح للجميع لأسمع منهم ما يقولون، ولكى أؤكد لهم شيئا واحدا وهو أن مصر مجتمع يعيش في نسيج واحد فوق أرض واحدة تظلنا سماء واحدة لا فرق بين مسلم ومسيحى (120).

أما مشايخ الأزهر وعلماؤه فهم يعترضون بشدة على اللجنة، مؤكدين أنها لجنة خبيثة تريد النيل من وحدة المصريين على حد تعبير الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر، لأن الادعاء باضطهاد الأقباط فى مصر- كما يصفه الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر- نار يشعلها الحاقدون وخطوة غربية لضرب الإسلام فى مصر لأنها أكثر القلاع الإسلامية مناعة، لكنهم لن ينالوا هدفهم لأن التاريخ يؤكد أن الأقباط عاشوا أحسن ما عاشوا فى مصر فىالإسلام ورعايته (121).

أما الدكتور عبد الصبور شاهين- الأستاذ بجامعة القاهرة- فيعتبر هذه الزيارة عدوانا على مصر، إهانة لأحكام القضاء المصرى، ومحاولة أمريكية لإغراق مصر فى الفتن الطائفية ويحاولون الاعتماد فى ذلك على أقباط المهجر (122).

ولهذا فقد أكد البابا شنودة فى حديث قال فيه: "إن أقباط المهجر لا يعرفون حقيقة ما يحدث فى مصر، مما يجعل وفد لجنة الحريات فى جهل وغفلة عن الحقيقة" (123)، وهذا ما أكده المعاون البطريكى للكاثوليك حيث قال: "قابلنا اللجنة لأننا لا نخفى شيئا" (124). ولما كانت أغراض الوفد الأمريكى معلومة، ولما كانت الحقيقة بينة فى مصر قال الدكتور رامى لكح: "هل من حقى كبرلمانى مصرى أن أذهب إلى أمريكا وأتحدث عن مشاكل الهنود الحمر،) ( 125)، وتحدث الدكتور أسامة الباز المستشار السياسى للرئيس محمد حسنى مبارك بأن مصرلا تقبل التقارير المغلوطة عن المصريين وحياتهم سواء كانوا مسلمين أو أقباطا وقال: "إنه من ضميرنا أن يتعامل المسيحى كأى مسلم بلا فرق ليس إرضاء لجماعات معينة بالخارج وانما إرضاء لمسؤوليتنا القومية وواجبنا لأن ذلك يتعلق بالهوية المصرية والمواطنة" (126).

كما يلحظ أن رجال الدين المسيحيين فى جمهورية مصر العربية رفضوا مقابلة اللجنة الأمريكية للحريات الدينية، وقد قال بهذا الأستاذ جورج إسحاق مسئول الإعلام والثقافة بالمجالس الكاثوليكية فى القاهرة (127)، ويجىء هذا الرفض لمقابلة هذا الوفد والتعاون معه لما ذكر من أسباب أعلاه فضلا عن أبعاد مؤامرة حقيقية تسعى إلى تفتيت الوحدة الوطنية لبلاد مصر أرض الكنانة، إذ كشفت بعض المصادر المعلوماتية عن وثيقة إسرائيلية تدعو إلى إقامة دولة قبطية فى صعيد مصر منذ عشرين عاما، وقد نشرت هذه الوثيقة فى بعض الصحف المصرية (128). وقد تضمنت الوثيقة أن فكرة إنشاء دولة قبطية فى مصر العليا إلى جانب عدد من الدويلات الضعيفة هى وسيلة إسرائيلية للسيطرة وفرض الأمن والسلام بالطريقة الصهيونية اليهودية. وهذا سوف يؤدى إلى سقوط الدول العربية الأخرى (129).

إن ما يتمتع به الأقباط فى جمهورية مصر العربية من حقوق جعلهم يقفون موقفا عمليا وموضوعيا إزاء وحدتهم الوطنية فيمن يريد الاعتداء على بلادهم خصوصا من الأقباط الذين يعيشون خارج مصر والذين قال البابا شنودة عنهم: "إن هؤلاء الذين دأبوا على شحذ الهجوم ضد وطنهم خلال فترات زمنية معينة لم يحدث أنهم جاءوا إلى مصر منذ سنوات عديدة. بل طالما افتخروا بإلقاء جذورهم وراء الظهور، وأن وطنهم أمريكا أصبح هو الملاذ والمصير" (130)0 إذن هؤلاء المغرضين غرباء على أمريكا لأنهم ضمن الأقليات أو الجاليات التى لا جذور لها فى وطن أصيل على عكس حال الأقباط فى مصر فهم فى وطن أصيل. ولما يعلم أن من يخون وطنه الأصلى حرى بأن يخون وطن المهجر فهو خطر محدق لا خير فيه. من هنا أصدرت منظمات حقوق الإنسان فى مصر بيانأ أعلنت فيه رفضها مقابلة لجنة الحريات الدينية الأمريكية لعدم إنشائها بموجب قرار دولى أو ثنائى، ولافتقارها إلى مرجعية تبرر دورها فى تقصى الحقائق (131).

إن جملة هذه المواقف الكريمة للحفاظ على الوحدة الوطنية من مسلمى وأقباط مصر أدهش الوفد الأمريكى فى تعاضد المصريين أمام وطنهم (133). وليس ثمة دهشة فى ذلك فقد أوضح النبىr ذلك بأن القبط عون للمسلمين على أعدائهم مما تقدم ذكره فى الحديث، وعلماء القبط ومفكريهم أقروا بأن أمر ما يتربص بهم فوقفوا وقفة وطنية واحدة مع إخوانهم المسلمين.

هذه المواقف وهذه الأحداث قريبة العهد بالأمس، كفيلة للتدليل على قناعة الأقباط بأن حياتهم فى مصر وطنهم جنبا إلى جنب مع المسلمين، حياة كريمة يستلهمون فيها حقوقهم السياسية والاقتصادية والدينية والعلمية... إلخ، ثم يتساءل البعض هل أحداث الحادى عشر من سبتمبر لعام 2001 م التى دفعت بالغرب، وعلى الأخص الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة النظر فى قوانينها التى تخص الهجرة والأقليات والجاليات، سوف لن تطال أقباط مصر فى تلك الدول بشىء من التضييق على الحريات وحقوق الإنسان إن لم نقل بشيء من السوء؟.

خامسا: الجاليات فى المملكة العربية السعودية:

إن المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- يرحمه الله- عام 319 اهـ فإنها دولة قامت على هدى الإسلام، وجميع رعاياها من المسلمين. ولا يوجد فى المملكة العربية السعودية أى نوع من الأقليات، مثل اليهود أو النصارى أو المجوس وغيرهم من الوثنيين. ولكن المملكة العربية السعودية فى ظل مسيرة التطور المدنى والحضارى فى جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والزراعية والتعليمية والتقنية والعمرانية سعت إلى الاستعانة بالقدرات والخبرات البشرية من جميع أنحاء العالم، فتعاقدت مع خبراء استخراج البترول من مهندسين وفنيين وعمال، كما تعاقدت مع أعداد كبيرة من الأطباء والمدرسين وخبراء الزراعة والصناعة والاقتصاد، ومن بين هؤلاء الناس من غير المسلمين، فأصبح يوجد فى المملكة العريية السعودية (وحسب الإحصاءات السكانية التى قامت بها المملكة العربية السعودية عام 1414 هـ من خلال وزارة المالية والاقتصاد الوطنى) بضع ملايين من الجاليات التى تعمل فى المملكة العريية السعودية من الدول الغربية فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ومن الفلبين والهند والصين وكوريا واليابان وغيرها من الدول. ومعلوم أن هذه الجاليات تتمتع بكامل حقوقها الدينية والتعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية... إلخ فى المملكة العربية السعودية وقد أجرينا دراسة ميدانية ذات دلالات إحصائية عن حياة غير المسلمين وحقوقهم فى المملكة العربية السعودية ضمن موسوعة حقوق الإنسان فى الإسلام التى أعددناها وستصدر قريبا إن شاء الله تعالى والتى أظهرت نتائجها أن ما يزيد عن 90% من غير المسلمين يتمتعون بكافة حقوقهم فى المملكة العربية السعودية والتى نتحدث عنها كما يلى:

1- الحقوق الدينية:

تحدثنا فيما تقدم من هذه الدراسة عن نظرة الإسلام فى موضوع الدين وأنه لا إكراه فى الدين. والمملكة العربية السعودية من خلال المؤسسات الحكومية أو مؤسسات القطاع الخاص وبمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية فإنها لا تشترط على من يتعاقد معه أن يكون مسلما، ولا تفرض عليه تغيير دينه مقابل توقيع العقد، بل ولا يكره من يعمل فى المملكة العربية السعودية على اعتناق الإسلام، علما بأن جميع المواطنين فى المملكة العربية السعودية من المسلمين، ولهذا فإن سماحة الدين الإسلامى أذنت بالتعاقد مع غير المسلمين للعمل فى بلاد المسلمين. والمملكة العربية السعودية ترعى هؤلاء العاملين ولا تتعرض لهم بسبب الاختلاف فى الدين، سوى أن على العاملين من غير المسلمين احترام خصوصيات المجتمع السعودى المسلم. ومعلوم أنه لم تسجل حالة واحدة فى المملكة العربية السعودية أن إنسانا ما عالما كان أم عاملا أكره على اعتناق الإسلام أو أسىء إليه بسبب أنه غير مسلم، لما كفلته الشريعة الإسلامية لحقوق غير المسلمين بأحكامها المختلفة.

ولكن يجب ألا نغفل فى هذا الجانب الخصوصية الدينية للمملكة العربية السعودية فى قلوب ملايين المسلمين بمقتضى أحكام الشريعة الواردة فى هذا الجانب، فضلا عن الأنظمة الدولية التى تراعى خصوصيات الأمم والشعوب والدول، والحفاظ على الأمن العام والصحة العامة، والنظام المتبع فى كل دولة وما لها من سيادة على ترابها وأرضها.

إن قواعد القانون الدولى المتعلقة بمعاملة الأجانب تتيح تقييد حرية الأجانب على إقليم الدولة، وفق مقتضيات الأمن والنظام العام، لأن الدولة تتمتع بالسلطة الكاملة فى ممارسة سيادتها اللازمة لحفظ الأمن، والتى تخولها سلطة عدم السماح للأجانب بدخول أراضثيها إلا بإذنها فى الحالات وبالشروط التى تتمشى مع اعتبارات نظامها العام وأمنها الوطني، لحماية مواطنيها من الأضرار التى قد تسببها إقامة الأجانب، أو لأسباب جوهرية ترجع إلى النظام الدينى أو الاجتماعى أو الثقافى، أو السياسى، أو إلى ظروف استثنائية مثل الاضطرابات الداخلية، أو الاجتماعية والهجرات غير المشروعة. كما أن الدولة تملك حق تقييد حرية الأجنبى لاعتبارات أمنية، أو لضرورة حماية المجتمع، ووقاية التراث الوطني، ومنها ممارسة الأجنبى لشعائره الدينية علنا الأمر الذى قيد بالنظام العام والاداب فى القانون الدولى.

وللمملكة العربية السعودية خصوصية تاريخية ودينية لا تتوفر فى غيرها من الدول، فهى مهبط الوحى وفيها الحرم المكى والمسجد النبوى والمشاعر المقدسة. كما أنها من الناحية الجغرافية تشغل المساحة الاكبر من الجزيرة العربية التى اعتبرت قاعدة الإسلام، فخصت من دون غيرها من الدول الإسلامية بعدم السماح لغير المسلمين إقامة شعائر دينهم علنا إعمالا لأحكام الشريعة الإسلامية. وموقف المملكة العربية السعودية يتسق مع تاريخها باعتبار خلوها من المعابد لغير المسلمين منذ عمل المسلمون على إنفاذ الأمر النبوى بجعلها قاعدة للإسلام، حيث تحقق ذلك تاريخيا منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. t، فأصبحت قاعدة للإسلام لا يشاركها فيها دين آخر، وهذا الوضع بالتالى يتصل بالهوية الدينية والثقافية والحضارية للمملكة. ومن الجانب الواقعى فإن سكان المملكة العربية السعودية يدينون بالإسلام فالمواطنون مسلمون، أما غير المسلمين من الموجودين فى المملكة فهم أجانب قدموا مؤقتا للعمل أو التجارة أو نحو ذلك، وهم فى حكم المستأمنين كما سبق توضيحه، وأن من شروط قبول التعاقد خضوع المتعاقد لأنظمة البلد الذى يقيم فيه، ومنها فى المملكة عدم السماح بإقامة معابد للأجانب، أو ممارسة الشعائر الدينية علنا.

2- الحقوق التعليمية:

تطبيقا لتعاليم الشريعة الإسلامية فى حق الإنسان فى العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه- كما أوضحنا ذلك عند حديثنا عن حرية الرأى وفريضة العلم- وتحقيقاً لهذا الحق الإنسانى المشروع، فإن المملكة العربية السعودية لم تحرم أبناء العاملين فيها من التعلم وفاء بالعقود والعهود والمواثيق، فضلاً عن تحقيق ما جاء فى بعض مواد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان. من هذه الثوابت سعت المملكة العربية السعودية إلى استحداث الإدارة العامة للتعليم الأجنبى بصدور قرار مجلس الوزراء رقم 07 20 فى 3/12/1394هـ، وتضمن الموافقة على إنشاء المدرسة العربية السعودية العالمية. وكان الهدف من إنشاء هذه المدرسة هو خدمة أبناء الجاليات غير المسلمة العاملة فى المملكة، وكان المقر الرئيسى للمدرسة فى الرياض ولها فرعان أحدهما فى جدة والآخر فى الظهران. وكانت المملكة تنفق على هذه المدارس من ميزانية الدولة، وبعد بضع سنوات من إنشاء المدرسة العربية السعودية العالمية طرأت زيادة كبيرة فى أعداد العاملين المقيمين فى المملكة مع عوائلهم وتعدد جنسياتهم ووجود الرغبة والحاجة إلى مدارس تخدم أبناءهم بمقتضى مناهج التعليم فى بلدانهم، فعملت وزارة المعارف على منح تراخيص عديدة لفتح المزيد من المدارس الأجنبية التى توصف بالعالمية ويضاف إلى اسم كل منها اسم الجنسية التى تخدمها المدرسة، كالمدرسة العالمية الأمريكية، أو البريطانية، أو الأثيوبية، أو الباكستانية، أو الهندية، أو الفلبينية. وبنهاية عام 1417هـ بلغ عدد المدارس المرخص لها نظاميا خمسا وستين مدرسة منتشرة فى أنحاء المملكة، كلها تحت إشراف وزارة المعارف.

وأدركت وزارة المعارف أنه بجانب المدارس المرخصة المشار إليها قام بعض أبناء الجاليات غير المسلمة بافتتاح عدد كبير من المدارس الأجنبية غير المرخصة. كما زاد عدد الجاليات التى تطلب الترخيص بفتح مدارس لتعليم أبنائهم، كما تقدم كثير من المواطنين السعوديين مبدين رغبتهم فى فتح مدارس أجنبية تخدم الجاليات المقيمة فى أنحاء مختلفة من المملكة، فى ضوء ما سبق ولتنظيم هذا المجال المضطرد الاتساع، أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 26 فى 4/2/1418هـ بالموافقة على لائحة المدارس الأجنبية لتنظيم العملية التربوية من الناحية الإدارية والنظامية والمالية، وتنظيم علاقة وزارة المعارف بالمدارس الأجنبية وتنسيق العلاقة بين الوزارة والجهات الحكومية الأخرى ذات الاختصاص مثل وزارة الداخلية ووزارة الخارجية والرئاسة العامة لتعليم البنات من خلال مجلس الإشراف على المدارس الأجنبية والنظر فى طلب الرخص ووضع التعليمات والقواعد لهذه المدارس فى ضوء اللائحة، ففى عام 1417هـ منحت تراخيص لسبع وعشرين مدرسة أجنبية، وفى عام 1419هـ منحت تراخيص لاثنين وستين مدرسة، وبذلك بلغ عدد المدارس الأجنبية المرخصة حتى عام1420هـ مائة وأربعة وخمسين مدرسة منذ صدور الموافقة على إنشاء المدارس الأجنبية عام 1394هـ. والهدف الرئيسى من افتتاح هذه المدارس هو مساعدة الجاليات المقيمة فى المملكة بصورة نظامية على تعليم إبنائها فى مدارس خاصة بهم، بحيث يتمكنون من مواصلة تعليمهم بعد عودتهم إلى بلدانهم، مع توفير الضبط الإدارى والمعلومات اللازمة عن المدارس الأجنبية ومنتسبيها من الإداريين والمعلمين والتلاميذ، التأكد من أن المدارس مرخصة وأن سجلاتها نظامية وأن منتسبيها ذوو إقامات نظامية، وأنه مرخص لهم بالعمل حفاظا على كثير من حقوقهم يتقدمها الحقوق التعليمية والثقافية والمالية... إلخ.

 ومع توسع التعليم الأجنبى وازدياد عدد مدارسه وتنوعها فإن فائدة أخرى ظهرت وهى تمكين التربويين السعوديين من معلمين وإداريين من الإطلاع على نماذج وأنماط التعليم والإدارة فى المدارس الأجنبية ؛ لتطوير التعليم والتربية فى المملكة والإفادة من ذلك، وهذا ما يعزز العلاقة الثقافية والعلمية بين المملكة والدول الأخرى ويؤكد الاعتراف بحضارات وثقافات الآخرين وحقوقهم. ومعلوم أن للمدارس الأجنبية منشآت تعليمية خاصة يتم تمويلها من الرسوم الدراسية والتبرعات والهبات التى تحصل عليها من المملكة ورجال الأعمال أو من دولهم، وهذه المدارس تعتبر جزء من أنظمة الدولة التابعة لها، إذ لا يجوز قبول الطلاب السعوديين فى المدارس الأجنبية عدا من تقضى الضرورة التحاقهم فيها من الطلاب القادمين من الخارج الذين لا تمكنهم ظروفهم الدراسية من الالتحاق بالمدارس السعودية، ويقتصر المستوى الدراسى للمدارس الأجنبية على رياض الأطفال والمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية أو ما يعادلها. بحيث تتولى كل مدرسة أجنبية مسئولية تنظيم مختلف جوانب العمل داخل المدرسة، بالإضافة إلى ما يتعلق بتحديد مستواها فى الأوساط التعليمية، والأكاديمية المختلفة، ويكون فى كل مدرسة أجنبية مجلس إدارة لرعاية مصالحها، يمثل فيه أولياء أمور الطلاب، ويتم بإشراف وزارة المعارف تصفية أى من المدارس الأجنبية فى حالة انتهاء الغرض منها، أو إلغاء الترخيص، وذلك بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة (133).

3- الحقوق الاقتصادية:

تتمتع الممكلة العربية السعودية بمركز مالى واقتصادى كبير بين دول العالم منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه الله، وكان هذا المركز واضحا حتى قبل اكتشاف البترول وتدفق الثروة الوطنية، وذلك كما يتمثل فى قدوم حجاج بيت الله الحرام إلى المملكة لأداء فريضة الحج. ولئن كانت واجبات المملكة الإسلامية والسياسية تتطلب منها حفظ حقوق الناس فقد ارتكزت فى ذلك على فقه المعاملات المالية فى الشريعة الإسلامية بما يخص الأجور والإيجارات والمواريث والبيع والشراء وتبادل المنافع التجارية والاقتصادية فى الداخل والخارج. ونظرا لأن المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها كانت تتعامل فى معاملاتها التجارية بالنقود المعدنية من الذهب والفضة ومعادن أخرى. ولما كان ذلك مما يثقل حمله على القادمين إلى المملكة أو المغادرين من الحجاج وغيرهم، فقد سعت مؤسسة النقد العربى السعودى منذ أن أسسها الملك عبد العزيز- يرحمه الله- عام 1372هـ /1953م إلى إصدار ما سمى بإيصالات الحجاج، وهى أول عملة ورقية تصدرها المملكة لسهولة تداولها وحملها لحفظ الحقوق المالية للناس، ومع استمرار الأيام وازدياد قوة الاقتصاد السعودى والتبادلات التجارية بين المملكة ودول العالم أصبحت الممكلة تتميز بعضوية بارزة فى عدد من المؤسسات المالية العالمية. فمنذ قبول المملكة لاتفاقيتى صندوق النقد الدولى والبنك الدولى بموجب المرسوم الملكى رقم 5/1/17/ 2571 فى 18 /12 /1376 هـ الموافق 16/7/1957م، تزايدت حصص المملكة فى الصندوق وفى رأس مال البنك الدولى، حتى أصبح للمملكة مقعد مستقل فى مجلس المديرين التنفيذيين فى الصندوق الدولى منذ عام 1398هـ 1978/ م وفى البنك الدولى منذ عام1406هـ/986 1م، إن هذا الوضع المالى المتميز والاقتصاد القوى للمملكة بعث على الطمأنينة الكاملة والتامة على قبول كثير من الناس العمل فى المملكة العربية السعودية، لما فى ذلك من ضمان لحقوقهم المالية.

ومعلوم أيضا أن جميع العاملين فى المملكة العربية السعودية، سواء فى المؤسسات الحكومية أو فى القطاع الخاص أم لدى الأفراد، كفلت لهم أ نظمة العمل بموجب أحكام الشريعة الإسلامية حقوقهم المالية والاقتصادية، فالطرف المستفيد مكلف بموجب النظام بدفع الالتزامات المالية المترتبة عليه. فمثلا عندما يتم التعاقد مع أعضاء هيئة التدريس للعمل فى الجامعات السعودية أو أى فئة ستعمل فى تلك الجامعات، تسعى الجامعة إلى النص فى العقد على تحديد الحقوق المالية للمتعاقد ومن ذلك تحديد مرتبه الشهرى وكافة امتيازاته المالية خلال العقد وعند انتهائه أو عند الاقتضاء، وكفالة سكنه سكنا إنسانيا مناسبا أو تعويضه عنه بمبلغ مالى ويعتمد ذلك على رغبة المتعاقد، كما تتكفل الجامعات بتأمين تذاكر سفر المتعاقد له ولأسرته وأولاده الذين هم دون سن البلوغ. من بلده والى مكان عمله فى المملكة وخلال الأجازات وعند انتهاء العقد، وفى كثير من الأحيان تصرف تذاكر سفر حتى لأبناء المتعاقد ممن بلغوا سن الرشد. ويلاحظ أن كل العاملين فى المملكة العربية السعودية لا تفرض عليهم عوائد ضريبية على دخولهم، ولا يؤخذ منهم أى إتاوات أو جزية برغم أنهم غير مسلمين وهذا من تسامح نظام الدولة المستمد من الشريعة الإسلامية التى تلتزم بها المملكة فى جميع شئونها، وهذه الأمور تطبق على جميع فئات المتعاقدين من فنيين وعمال ومختصين مثل الأطباء فى وزارات الصحة أو المراكز الطبية الخاصة، والشئون البلدية والقروية وغيرها من الوزارات، إضافة إلى هذه المزايا فإن العاملين فى المملكة العربية السعودية يتمتعون بمزايا مالية كبيرة تزيد أضعافا عن حقوقهم المالية فى بلدانهم، إذ يحصلون على رواتب عالية جدا قد تصل فى بعض الأحيان إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف ما يحصلون عليه فى دولهم. وهذا تقدير من المملكة العربية السعودية لهؤلاء العاملين كونهم يسهمون فى الحركة الحضارية والتنموية للمملكة بما قدموه من تضحية بترك أوطانهم واغترابهم. والإسلام بسماحته حث على الوفاء مع العامل أيأ كان دينه أو لونه أو جنسه، بل إكرامه والإحسان إليه إذ أنه كما قال الرسول e: " فى كل كبد رطبة أجر"، (134)، وهذا يعنى كل مخلوق حى ومنها الحيوان فى الإحسان إليه أجر فمن باب أولى بالإنسان الذى كرمه الله وخلقه فى أحسن تقويم.

وتيسيرا للعاملين فى الممكلة العربية السعودية وتلبية للتوسع الاقتصادى فى المملكة، وتزايد عدد العاملين فقد سعت المملكة إلى إيجاد شراكة مع بعض البنوك الأجنبية، فأسس البنك السعودى الأمريكى، والبنك السعودى البريطانى، والبنك السعودى الفرنسى، والبنك السعودى الهولندى وغيرها من البنوك، وفى هذا تسهيل للعاملين فى المملكة بربط حساباتهم البنكية فى المملكة مع أصول حساباتهم البنكية فى بلدانهم؟ ليتيسر لهم السحب والتحويل سواء كانوا داخل المملكة أو خارجها.

والبنوك فى المملكة العربية السعودية تقدم تسهيلات مصرفية كبيرة للعاملين فيها، دون تحديد لنسبة تحويل الأموال أو تحكم من أى نوع فى ضرورة صرف جزء من مرتباتهم داخل المملكة أو نحو ذلك، والواقع الملموس شاهد على ذلك، لأن الشريعة الإسلامية لا تحجر على الإنسان فى ماله وتسمح له أن يتصرف فى ماله كيف شاء ما لم يكن سفيها أو قاصرا أو من فى حكمهما، والمال مال الله والخلق كلهم عيال الله وأحب عيال الله إلى الله أنفعهم لعياله، وهذا منهج تتبعه المملكة فى إعطاء المسلم وغير المسلم على أرضه حقوقه المالية، وفى تاريخ البنوك السعودية منذ أن أنشئت مؤسسة النقد العربى السعودى التى كانت تعد ثانى أقدم بنك مركزى فى الوطن العربى، وهى الجهة الرقابية على البنوك والمستودع الحافظ للأموال، لم يحدث قط أن حجرت البنوك أو جمدت أو صادرت أموال أى شخص لأسباب سياسية، أو أخلاقية، أو إجرامية... إلخ. لأن الحق المالى غير الحق السياسى وغير الحق الاجتماعي، والإسلام لا يسمح الخلط بين المصالح بالمفاهيم المغلوطة والأغراض غير الشريفة. كما جمدت بعض الدول فى الغرب وصادرت أموال الأقليات والجاليات باسم محاربة الإرهاب، ولا يسمح بضياع الحقوق بسبب الخلاف أو الاختلاف. ولا ينسى التاريخ ما فعلته بعض الدول الكبرى التى اؤتمنت على أموال دول أخرى أن سعت تلك الدول الكبرى خلال بعض الأزمات السياسية إلى تجميد أو حتى مصادرة أموال تلك الدول، بسبب تغير نظام الحكم بما يخالف مصالحها. بل إن بنوك الدول الكبرى بسبب تدخل الحكومات تمنع صرف الأموال لمستحقيها من الحكومات والمؤسسات وتفرض عليهم بالمقابل شراء منتجات وسلع بلدانها، وان كانت ليس هناك حاجة إلى ذلك. وعادة ما تتعرض أموال الدول المسلمة إلى مثل هذه المواقف. فأين حقوق الإنسان الاقتصادية باسم الإعلان العالمى لحقوق الإنسان؟ أين ذلك من سماحة الشريعة الإسلامية التى تحث على البذل والعطاء ومنح الإنسان حظه وحقه من المال والطعام حتى مع العدو المحارب الذى يريد شرا بالناس قال تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكرا جزاء ولا شكورا) (135).

ومن وجوه تمتع العاملين فى المملكة بحقوقهم الاقتصادية، خروج كثير منهم عند سفرهم بآلاف الريالات والدولارات وغيرها من العملات، ولا يتعرضون إلى المساءلة أو الإساءة أو التحقيق كما تفعل كثير من الدول التى تدعى الحضارة وتنادى بحقوق الإنسان، وتتهجم على الدول التى تحفظ حقوق الإنسان حقا وتتهمها بانتهاكات حقوق الإنسان والعكس صحيح، كبرت كلمة تخرج من أفواههم. كما يتمتع العاملون فى المملكة بحقوقهم المالية على قدم المساواة مع المواطنين السعوديين فى البيع والشراء. وفى ظل التطورات الاقتصادية العالمية أفسحت المملكة الفرصة لغير السعوديين بحق التملك وممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة، خصوصا بعد الإعلان عن تكوين المجلس الأعلى للاقتصاد والموافقة على إنشاء هيئة الاستثمار الأجنبى.

4- الحقوق الاجتماعية والوظيفية:

من المعلوم أن تاريخ وجود الجاليات غير المسلمة فى المملكة مع مختلف فئات العامــــلين فى المملكة العربيـــة الســـعودية من الدول الأخرى يرجع إلى عام 1357هـ-

 938 1م، بعد أن باشرت شركة أرامكو أعمالها بالتنقيب عن البترول واستثماره تجاريا بعام واحد، حيث أصدر الملك عبد العزيز- يرحمه الله- نظام العمل والعمال بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية، إلى أن جرى تحديث النظام عام 1366هـ/1947م؛ لجعله أكثر ملاءمة مع متطلبات وظروف العاملين الاجتماعية والوظيفية وحقوقهم فى هذا الصدد. وقد جاء النظام الجديد أكثر شمولية بمواده المتعددة المستمدة، من الكتاب والسنة ومتوائما مع مستويات العمل الدولية ومن ذلك مثلا:

- تحديد وتنظيم أوقات العمل والأجازات الأسبوعية والسنوية وغيرها من الأجازات.

- الاهتمام بسلامة العاملين وصحتهم وصرف النفقات الطبية للعاملين الذين                  يتعرضون لإصابات بسبب العمل.

- العناية بإسكان العمال وتوفير المرافق العامة لهم ووسائل المواصلات.

- تنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والعاملين وإيضاح حقوق الطرفين، والجهات المختصة لفض الخصومات فى حل الاختلاف وتحديد حقوق كل طرف.

- تحديد أنواع المكافآت المختلفة ومكافآت نهاية الخدمة وتحديد العقوبات والجزاءات.

- تطوير الخدمات الاجتماعية العمالية وتوسيع نطاقها بحيث يستفيد منها أكبر عدد ممكن من العمال.

- مراجعة عقود العمال والاتفاقيات بين المؤسسات والأفراد والمنظمات وإيضاح نظامية ذلك.

ولا شك أن نظام العمل والعمال فى المملكة العربية السعودية يقوم على أساس ضوابط العدل فى الشريعة الإسلامية والمراعاة العادلة لحقوق العمال وأصحاب العمل والتزامهم دون أن يطغى جانب على آخر، ويعامل السعوديون وغير السعوديين بموجب نظام العمل والعمال على قدم المساواة دون تفريق، بحيث تحفظ الحقوق الوظيفية والاجتماعية والصحية والسلامة والأمن للجميع... إلخ. وكذا نظام التأمينات الاجتماعية للعائدات التقاعدية والإعانات المقطوعة والمكافآت التشجيعية... إلخ.

كما أن المتعاقدين العاملين فى المملكة العربية السعودية يتمتعون بكافة الحقوق الاجتماعية فى استخدام المرافق العامة: المستشفيات، الحدائق، المطاعم، وسائل المواصلات ا لمختلفة، الأسواق، البنوك... إلخ دونما نظر إلى دين أو جنس أو لون أو عنصر، إذ لا يوجد تفريق فى استخدام هذه المرافق بين مسلم وغير مسلم وبين أسود أو أبيض، وليس هناك أحياء خاصة بغير المسلمين يسكنونها دون المسلمين، فقد يسكن غير المسلم إلى جوار المسلم الذى قد يكون من علماء الشريعة الإسلامية أو القضاة لأنه- أى غير مسلم- اختار السكن الذى يرغبه بما يتناسب مع مكانة أسرته ووضعه الاجتماعى وقدرته المالية، ولا يشعر بحرج أو تضييق. فالشريعة الإسلامية تأمر بحسن المعاملة للجار حتى ولو لم يكن مسلما باعتبار ذلك حق اجتماعى له. ومعلوم فى سيرة الرسول r أنه زار الغلام اليهودى عندما كان مريضا وتعاهده بالزيارة، وقبل عليه الصلاة والسلام هدية لذراع شاة من امرأة يهودية وإن كانت قد غدرت به e حيث سممت الذراع بالسم وأهدته إليه عليه الصلاة والسلام بقصد قتله ولكن الله سلم. ومعاملة غير المسلمين داخل المجتمع الإسلامى حق فرضه الإسلام باعتبارالإنسانية وليس على فوارق الدين أو اللون أو العنصر.

وفى المملكة العربية السعودية يتمتع غير المسلمين بحقوقهم الاجتماعية، فى وسط المجتمع السعودى، فتجدهم وأسرهم فى أمن وأمان، لا يتعرضون لتحرش أو اغتصاب جنسى أو سرقة لأموالهم وممتلكاتهم أو تعرض للقتل أو أى أنواع من الأذى إلا ما ندر. كما يستمتع غير المسلمين العاملين فى المملكة بحياة اجتماعية لا يشوبها الكدر أو الإساءة بما تنعم به المملكة من نعمة الأمن والرخاء والسلام وحفظ حقوق الناس جميعا على أرضها مسلمهم وغير مسلمهم.

إن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون فى الخليج العربى ليس فيها أقليات دينية. ولكن الموجود على أرضها جاليات غير مسلمة جاءوا للعمل والتجارة والاستثمار، وفى المملكة العربية السعودية لم نسمع شكوى من المقيمين فيها من الجاليات التى جاءت بها فى المؤسسات الرسمية أو الأهلية أولئك الذين أتوا بعقود شخصية أو أوفدوا من قبل حكوماتهم. هناك الدبلوماسيون وهناك الأطباء وهناك المهندسون، والطيارون، والمعلمون والفنيون... إلخ. لهم حقوقهم التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يجبرون على ترك دياناتهم إذ لا إكراه فى الدين، لقد أتوا إلى المملكة بمحض إرادتهم ورغبتهم، مع أنه لا توجد دول أخرى تدفع لهم راتب أفضل ولكنهم ما أتوا إلى المملكة إلا لما تتمتع به هذه الدولة من نعمة الأمن والأمان وأن حقوق الإنسان غير ضائعة فى بلاد الحرمين الذى تهوى إليه أفئدة المسلمين كل يوم ويأتيها الناس كل عام من كل فج عميق فى موسم الحج الذى هو التجمع الإنسانى الإسلامى الذى تذوب فيه جميع الفوارق.

أقول إذا كان هذا حكم الإسلام فى حق الأقليات والجاليات غير المسلمة فى الشريعة الإسلامية فهو عدل فى حق أبنائه وحق فى أحكامه. إذن فلماذا هذه الهجمة الشرسة والعداوة الباطلة على الإسلام والمسلمين عامة، وعلى بلاد الدعوة والدولة المملكة العربية السعودية بصفة خاصة؟ قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المراجع

1- سورة الحجرات، الآية 13.

2- أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير ، قاله الهيثمى فى مجمع الزوائد1/82، والبيهقى فى شعب الإيمان1/174

    (153، 154  )، والخطيب البغدادى فى التاريخ 4/45.

3- أخرجه الهيثمى فى مجمع الزوائد 3/5623، ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

4- سورة ا لسجدة، ا لآيات 6-9.

5- سورة الإسراء، الآية 70.

6- سورة ص، الآيات 71-72.

7- سورة ا لما ئدة، ا لآية 32.

8- رواه البخارى، مشكاة المصابيح 2/258(3447).

9- سورة البقرة، الآيات 31-33.

10- رواه الدارمى، والدارقطنى، مشكاة المصابيح 1/ 91 (279).

11- سورة البقرة ، الآية 35.

12- سورة ا لذا ريات، ا لآيات 56- 58.

13- رواه البخارى ومسلم، فتح البارى 13/1739

14- سورة الشورى، الآية 13.

15- سورة يونس، الآية 58.

16- محمد الغزالى، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وميثاق الأمم المتحدة، الدار القومية للطباعة، القاهرة، 1965،     

      ص6

17- نخبة من علماء المسلمين، الإسلام والمستشرقون، عالم المعرفة، جدة، 1405هـ/ 1985م، ص 332-333.

18- سورة الأنفال، الآية 61.

19- سورة البقرة، الآية 208.

20- سورة النساء، الآية 94.

21- سورة النساء، الآية 90.

22- الكاسانى، أبوبكر بن سعور، بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، تحقيق محمد عدنان درويش 7/113، دار إحياء

     التراث العريى، ببيروت 419 اهـ.

23- سورة الممتحنة، الآيات 8-9.

24- رواه أبو داود (52 30)، والبيهقى 9/205، والسيوطى فى الجامع الكبير1/85-86.

25- القرافى. الفروق، د ار المعرفة، بيروت، 1985م، ص 103.

26- غوستاف لوبون، حضارة العرب " ترجمة عادل زعيتر، ط الحلبى. القاهرة 1366هـ، ص 28 1.

27- رواه الدارقطنى 2/ 350.

28- المرجع السابق، ج 1، ص 96.

29- مصطفى سعد عبده الرحيبانى، مطالب أولى النهى بشرح غاية المنتهى، القاهرة 1243 هـ، ج 2 ص96

30- آدم ميتر، الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى، ترجمة محمد عبدا لهادى أبو ريدة، ط 4، ج 1، ص86

31- سورة الشورى، ا لآية 13.

32- رواه البخارى، فتح البارى ج 6/478 (3443) ومسلم فى صحيحه، ج 4/1837(2365)، وأبو داود

      ج 5/ 5 5 (4675)، وأحمد2/319/437/463.

33- سورة النساء، الاية 171.

34- سورة العنكبوت، الآية 46.

35- سورة آل عمران " الآيات 42-44.

36- سورة آل عمران، الآية 45.

37- ابو الحسن الشيبانى، السير الكبير، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة 1957م، ج1ص 66 1.

38- رواه أحمد فى المسند1/404،396.

39- أبو الحسن الشيبانى، السير الكبير، ج 2، ص 172.

40- سورة يونس هـ الآية 18.

41- سورة البقرة، الآية 165.

42- سورة النساء، الآية 48.

43- سورة يوسف، الآية 106.

44- سورة ا لأنعام، الآية 88.

5 4- رواه البخارى، فتح البارى، 8/163 (4477)، ورواه مسلم فى كتاب الإيمان (86).

46- سورة التوبة  الآية 6.

47- عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، بيروت 1966م، ج 3 ، ص 366-367.

48- محمد بن أحمد السرخسى، المبسوط، دار الدعوة، أستانبول، 1403هـ،3/367.

49- المرجع السابق.

50- سورة العنكبوت، الآية 8.

51- سورة البقرة، الآية 31.

52- سورة العلق، الآية ه.

53- سورة طه، الآية 114.

54- رواه الدارمى ج 1/73، والدارقطنى4/82. والبيهقى فى السنن الكبرى 6/209وانظر مشكاة المصابيح 1/99            

    (279).

55- سورة سبأ، الآية 46.

56- سورة الأنعام، الآية 50.

57- راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للألبانى 4/395 (788 1).

58- المرجع السابق.

59- سورة الإسراء، الآية 36.

60- سورة النساء، الآية 83.

61- سورة الذ اريات، الآيتان 20- 21.

62- سورة فصلت، الآية 53.

63- سورة البقرة، الآية 164.

64- مطاع صفدى وزميله، موسوعة الشعر العريى، شركة خياط للكتب والنشر ببيروت 1974م، ج 2 ،ص 530- 531.

65- سورة الأعراف " الآيات 31-33.

66- سورة الحجرات، الآية 13.

67- سورة الروم، الآية 21.

68- رواه مسلم فى باب الرضاع 7 1 (64) وفى المشكاة 2/158 (83 0 3).

69- رواه ابن ماجه (1857)، وفى المشكاة 2/ 161 (3095).

70- سورة فاطر، الآية 9.

71- سورة فاطر، الآية 12.

72- سورة سبأ، الآيتان. 10- 11.

73- سورة الملك، الآية 15.

74- سورة القصص، الآيتان 26-27.

75- أبو يوسف، ا لخراج، ص 306.

76- سورة الرحمن، الآيات 7-9.

77- تفسير ابن كثير، ج 6 ص 486.

78- روى هذه القصة وكيع فى كتاب أخبار القضاة ج 1ص 283-284، ط عالم الكتب، بيروت.

79- رواه الخطيب فى تاريخه عن ابن مسعور، وأورده السيوطى فى الجامع الكبير، 1/476.

80- ابن قدامة " المغنى والشرح الكبير، ج 10 ص630.

81- سورة البقرة، الآية 194.

82- سورة الغاشية، الآيتان 31-23.

83- سورة العنكبوت، الآية 46.

84- سورة ق، الآية 45.

85- سورة يونس، الآية 99.

86- أخرجه الطبرى فى تاريخه 4/106، وابن الأثير فى الكامل فى التاريخ2/463.

87- سورة البقرة، الآية 216.

88- سورة البقرة، الآية 190.

89- سورة الأنفال، الآية 61.

90- سورة البقرة، الآية 112.

91- سورة النحل، الآية 32.

92- سورة البقرة! الآية 216.

93- سورة البقرة، الآية 194.

94- رواه البخارى، فتح الباري، 5/8-6 (4280) وورد فى مغازل يحيى بن سعيد الأموى.

95- رواه مسلم 86 (0 78 1).

96- سورة النحل، الآية 91.

97- سورة ا لإسراء، الآية 34.

98- رواه أبو داود (52 0 3) ،البيهقى 9/205.

99- حسين القطيفى، القانون الدولى العام، 970 1، ص 339-347.

100- نخبة من علماء المسلمين، الإسلام والمستشرقون، ص 302.

101- الكونت هنرى دى كاسترى، ا لإسلام خواطر وسوانح، ص 48.

102- سورة المائدة، الآية 2.

 03 1- رواه مسلم فى باب الجهاد (3)، وأبو داود (4498)، والترمذى (08 4 1)، وابن ماجه (2858).

104- أخرجه مالك فى الموطا 2/6، أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه 5/199 (9375) راجع كنز العمال 2/295-296

105- سورة النساء، الآية 90.

106- سورة محمد، ا لآية 4.

107- رواه البخارى 5/138 (4372)، باب وفد بنى حنيفة، ورواه مسلم3/1386(1764).

108- رواه ابن إسحاق فى السيرة، انظر: سيرة ابن هشام 4/412، تحقيق مصطفى السقا وزملائه، ط 2، 1375هـ      

      مطبعة البابى الحلبى، القاهرة.

 109- أخرجه ابن أبى الدنيا فى قضاء الحوائج (5) وأبو نعيم فى الحلية 6/115، والخطيب البغدادى فى التاريخ 9/ 459      

       وحسنه ا لألبانى.

110- رواه مسلم فى كتاب الجنائز برقم 971.

111- رواه الحاكم فى المستدرك 2/553 وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبى وأقرهما الألبانى فى السلسلة     

      الصحيحة 3/362، والطبرانى فى المعجم الكبير 9 1/ 61، 111-13 1.

112- رواه الطبرانى فى المعجم الكبير 23/265 (561)، واورده الهيثمى فى مجمع الزوائد 10/63 ورجاله رجال      

      الصحيح.

113- رواه أبو يعلى فى مسنده 3/ 51 (473 1)، وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد 10/64 ورجاله رجال الصحيح...

114- جريدة الأهرام، 23/3/2001 م، ص 1.

115- مجلة المصور، 21/3/2001 م، ص 13.

116- المرجع السابق.

117- المرجع السابق.

118- المرجع السابق.

119- المرجع السابق.

120- المرجع السابق.

121- المرجع السابق.

122- المرجع السابق.

123- مجلة روز اليوسف 24- 0 3/3/ 2001 م، العدد 3798.

124- المرجع السابق.

125- المرجع السابق.

126- جريدة الأحرار 23/3/2001 م.

127- المرجع السابق.

128- مجلة صوت الأمة، 21/3/2001 م.

129- المرجع السابق.

130- جريدة الجمهورية، 24/3/2001 م، ص 1.

131- جريدة الوفد، 23/3/2001 م، ص 1.

132- جريدة الشرق الأوسط، 22/3/2001 م.

133- وزارة المعارف، لائحة المد ارس الأجنبية، الرياض 1419هـ/ 1999م، ص 7-19.

134- رواه ا لبخارى 10/438 (6009).

135- سورة الإنسان، ا لآيتان 8-9.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع