الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
حقيقة ال

حقيقة الإسلام  فى عالم  متغير

الأستاذ الدكتور/ السيد عقيل بن حسين المنور

وزير الشئون الدينية- إندونيسيا

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد   صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

تمهيد:

فى البداية أود أن أتقدم بالشكر العميق إلى معالى وزير الأوقاف الدكتور/ محمود حمدى زقزوق، باعتباره رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المنظم لهذا اللقاء، الذى يجمع نخبة فاضلة من علماء الأمة الإسلامية تحت رعاية فخامة الرئيس/ محمد حسنى مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية، وذلك لتقديم بحوثهم التى تهدف إلى إظهار صورة صحيحة عن الإسلام كما أراده الله وكما بلغه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وسأتحدث هنا فى موضوع حقيقة الإسلام بإيجاز شديد.

جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم   بخاتم الرسالات رحمة للعالمين وإنقاذا للبشرية مما كانت تعانى منه، حيث أحاط بالبشرية ظلام حالك قبيل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم   وانتشرت الخرافات ودب الجهل وانكمش العلم وعم اليأس وأوشكت الإنسانية أن تتردى فى هوة سحيقة هى إلى عالم الحيوان أقرب.

أما بالنسبة لجزيرة العرب بصفة خاصة وما كان يسودها من عادات سيئة؛

مثل وأد البنات وسبى النساء وعبادة الأصنام وحروب لا تتقطع، وغارات لا تهدأ، كانت تلك حياة العرب قبل الإسلام(1).

ولعل أدق تصوير لحالة العرب فى الجاهلية ذلك الذى قرره جعفر بن أبى طالب أمام النجاشى ملك الحبشة، حينما سأله عن دين الإسلام وعن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم   قال جعفر: "أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف " (2).

لم يكن طريق الدعوة ممهدا سهلا. عندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم   تبعه بعض الناس وعاداه آخرون، ولكن أعداءه لم يستطيعوا أن يجدوا فى أخلاقه مطعنا ، أو يزعموا فيه نقيصة. فكان لثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم   وصحبه الأبرار أكبر الأثر فى عظم شأن الإسلام وانتشاره، وفى نفس الوقت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم   المثل الأعلى والقدوة للمسلمين فى التواضع وحسن الخلق والذكاء الخارق التى أجمع عليها حتى خصومه والحاقدون على الإسلام.

أ- خصوصية الإسلام: دين رحمة وسلام:

ولكن ما هى حقيقة هذا الدين الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم  ؟ وما هو الإسلام؟ الإسلام يمكن أن يوصف بأوصاف كثيرة كلها حق- فهو- فى غير حصر لأوصافه- دين الحق ودين العدل ودين الإحسان ودين الإخلاص ودين التوبة ودين العمل ودين الجهاد ودين الرخاء ودين التعاون، بجانب ذلك فإنه أيضا دين العزة، عزة الفرد وعزة المجموع وعزة الشرع، وكلها يتوقف بعضها على بعض"(3). الإسلام دين الوحدانية دعا إلى عبادة الله الواحد الأحد، فليس فى الإسلام تعدد آلهة. والتوحيد يجمع البشر حول إله واحد وفى ذلك توحيد اتجاههم وغرس نظام الأخوة بينهم. ومن خصائص عبادة الله أيضا أنها عبادة مباشرة دون وساطة ودون زلفى، وفى هذا تحرير الفكر البشرى من الخضوع لغير الله من إنسان أو حيوان أو جماد أو أجرام سماوية.

وتوحيد الله وعبادته دون سواه تكسب المسلم الأنفة والعزة والشجاعة مادام يدرك أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له  ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) (4)، ومادام يدرك أن موته وحياته بيد الله لا سلطان لمخلوق على ذلك (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا  ) (5)، وأن الرزق منحه الله لا غيره (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) (6)، والإسلام يجعل غايته الأخيرة وهدفه البعيد هو حسن الصلة بالله- تبارك وتعالى- والسعى إلى مرضاته وحسن عبادته. فهذه هى غاية الإسلام، بالتالى غاية الإنسان ومنتهى أمله وسعيه فى الحياة  ( يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) (7)،( وأن إلى ربك المنتهى ) (8).

إن الإسلام كدين رحمة وسلام وضع أصول الثقافة الإسلامية بالوحى الذى يتمثل فى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  ، لأنه يدعو الإنسان إلى تحديد الوجهة والتصور العقائدى السليم عند الأمة الإسلامية، وحدد معالم الطريق وبين النظم والتشريعات. الإسلام يدعو أن يكف المسلم يده عن الشر ولسانه عن الأذى، ولا يقابل السيئة بالسيئة، بل يدفع بالتى هى أحسن، لا خشية من أحد، بل من خشية الله جل جلاله.

وفى قصة ابن آدم المؤمن حين هدده أخوه بالقتل لم يرد عليه السوء بمثله، بل قال فى أدب وكرم: (لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط  يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين ) (9).

إن الإسلام يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصلح بين الناس، ويميط الأذى عن الطريق، هكذا يفعل المسلم المؤمن كما علمه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، كل هذا التراث من القيم الجميلة يشكل ثقافة الأمة الإسلامية وبهذا تشكل أسلوبها فى الحياة.

فعقيدة الأمة وتاريخها ونظرتها إلى الحياة والأفكار والنظريات التى تدور فى عقول أبنائها ومفكريها، تشترك جميعا فى تحديد الأسلوب الذى يحكم حياة الأمة، ويضبط مسارها، ولذلك عرف بعض الباحثين الثقافة بقوله: "أسلوب الحياة السائد فى مجتمع من المجتمعات " (10).

وعادة ما يتأصل أسلوب الحياة السليم حسب الشريعة عن طريق تعهد الصغار من الطفولة، وتنشئتهم النشأة الإسلامية  الصحيحة، قال صلى الله عليه وسلم : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". رواه البخارى ومسلم. إن كانت النشأة سوية صالحة مبنية على الإيمان بالله والتوجه إليه، والتحاكم إلى شريعته والتصديق بما جاء من عنده، ستكون لديه ثقافة سوية صالحة، وهذا ما نرجو فى أى مجتمع مسلم، وهذه من خصوصية الإسلام، لأنه دين رحمة وسلام.

ب- تكريم الإسلام للإنسان:

1- لقد أعلن الإسلام كرامة الإنسان، فاعتبره خليفة الله فى الأرض، وهى منزلة تمنتها الملائكة وتشوقت إليها أنفسهم، فلم يعطوها ومنحها الله للإنسان:  ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنت صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (11).

لقد كرم الله الإنسان بالخلافة فى الأرض، وهيأه لها بالعقل والعلم الذى تفوق به على الملائكة.

2- خلقه فى أحسن تقويم حيث أعلن الإسلام أن الله كرم الإنسان بالصورة الحسنة وبالخلقة الحسنة كما قال  تعالى:  ( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ) (12). وقال أيضا: (وصوركم فأحسن صوركم ) (13). وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم   يكرر هذا الدعاء فى سجوده " سجد وجهى للذى خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين " .

3- تمييزه بالعنصر الروحى ، إذ كرمه الله بالروح العلوى الذى أودعه الله بين جنبيه، فهو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، استحق به أن تنحنى له الملائكة إجلالا وإكبارا لمقدمه بأمر الله، كما قال تعالى للملائكة: (إنى خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين )(14).

ويقول د. يوسف القرضاوى: "إن هذه النفخة الروحية الإلهية ليست خاصة بآدم أبى البشر، كما قد يتوهم بعض الناس، وإنما كان تكريما للنوع إلإنسانى فى شخصه، فإلظ الله ميزهم بما ميزه من مواهب العقل والعلم والروح واستخلفهم كما استخلفه فى الأرض، ولهذا أعلن القرآن كرامة البشر كافة حين قال: ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (15).

4- تسخير الكون لخدمة الإنسان، وكان من تكريم الله للإنسان فى نظر الإسلام أنه جعل الكون كله فى خدمته، وسخر لمنفعته العوالم كلها: السماء والأرض، الشمس والقمر والنجوم، والليل والنهار،،الماء واليابس، والبحار والأنهار، النبات والحيوان والجماد، كلها مسخرة لمصلحة الإنسان وسعادته، كرامة من الله له ونعمة منه عليه.

يقول تعالى مخاطبا بنى آدم: ( الله الذى خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) (16). ويتضمن تسخير الكون للإنسان معنيين كبيرين: أولهما:

أن الطاقات الكونية كلها مهيأة ومبذولة للإنسان، فعليه أن يبذل جهده ويعمل فكره فى فتح مغاليقها واكتشافها لاستخدامها فيما يعود بالخير والسعادة.

وثانيهما: أن الإنسان هو واسطة العقد فى هذا العالم، وعليه أن يفهم جيدا

أن خالق هذا الكون العظيم وهذا الرب الأعلى هو وحده الذى يستحق العبادة والطاعة (17).

5- حق الكرامة وحماية العرض: أكد الإسلام على حرمة العرض والكرامة

مع حرمة الدماء والأموال. أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ذلك فى حجة الوداع أمام الجموع المحتشدة فى البلد الحرام والشهر الحرام واليوم الحرام: "إن الله حرم  عليكم  دماءكم وأعراضكم وأموالكم ) (18). فلا يجوز أن يؤذى إنسان فى حضرته ولا أن يهان فى غيبته، سواء أكان هذا الإيذاء للجسم بالفعل أم للنفس بالقول، فربما كان جرح القلب بالكلام أشد من جرح الأبدان بالسياط.

وكذلك حرم الإسلام الإيذاء الأدبى من الهمز واللمز والتنابذ بالألقاب والسخرية والغيبة وسوء الظن بالناس، ونزلت فى ذلك آيات فى سورة الحجرات (19)، وبذلك حمى نفس الإنسان من الإهانة، ولم يكتف الإسلام بحماية الإنسان فى حياته، بل كفل له الاحترام بعد مماته. فجاء الأمر بغسله وتكفينه ودفنه، ونهى عن كسر عظامه أو الاعتداء على جثته، خلافا للأمم التى تحرق جثث موتاها.

6- الإخاء والمساواة والحرية من الثمرات الإنسانية فى الإسلام، هذه المبادئ الثلاث التى نادى بها الإسلام وهى الإخاء البشرى، حيث قرر الإسلام أن البشر جميعا أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، ضمنهم هذه البنوة المشتركة الواحدة والرحم الإنسانية العامة، وهذا كما جاء فى قوله تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) (20).

ويزداد هذا الإخاء البشرى بصفة عامة إذا أضيف إليه عنصر الإيمان، فتجتمع الأخوة الدينية إلى الأخوة الإنسانية وتزيدها قوة. إذن فليس هناك تنافر بين الإخاء البشرى العام وبين الإخاء الدينى، الذى نلمسه فى قوله تعالى: ( إنما المؤمنون اخوة) وفى قوله صلى الله عليه وسلم : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ". وبتطبيق مبدأ الإخاء الرفيع، أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم   على أساسه مجتمعا ربانيا إنسانيا فريدا، شعاره "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه،. وجد هذا المجتمع فى المدينة بعد الهجرة فى ظل العقيدة. وما سجله التاريخ لموقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين حتى كانوا يفضلونهم على أنفسهم.

أما مبدأ المساواة الإنسانية، فأساسه أن الإسلام يحترم الإنسان ويكرمه من حيث هو إنسان. لا يفرق بين قوم وقوم ولا بين عنصر وعنصر، الإنسان من أى وطن كان، من أى بلد، من أى إقليم، فالبلاد كلها أرض الله والناس كلهم عباد الله، وبهذا تسقط كل ألوان العصبية الإقليمية والوطنية.

7- الأخلاق والفضائل: من مظاهر تكريم الإسلام للإنسان أن جعل الأخلاق والفضائل جزءا أصيلا من كيان المجتمع، فهو مجتمع العدل والإحسان والبر والرحمة، والصدق والأمانة، والصبر والوفاء، والحياء والعفاف، والعزة والتواضع، والسخاء والشجاعة، والإباء والشرف، والبذل والتضحية، والمروءة والنجدة، والنظافة والتجمل، والقصد والاعتدال، والسماحة والحلم، والنصيحة والتعاون، والغيرة على الحرمات، والاستعلاء على الشهوات، والغضب للحق، والرغبة فى الخير، والإيثار للغير، والإحسان إلى الخلق كافة وغيرها. وهو فى الجانب الآخر يحرم كل الرذائل، والأخلاق الرديئة، ويشتد فى تحريم بعضها، فيجعلها فى حكم الكبائر. فيحرم الخمر والميسر، ويعدهما رجسا من عمل الشيطان، ويحرم الزنا وكل ما يقرب أو يعين عليه. وكل رذيلة تنكرها الفطر السليمة، والعقول الراشدة، جاء الإسلام فأنكرها وألح فى إنكارها.

ج- حقوق الإنسان وحقوق العباد:

وهو موضوع جدير بالاهتمام، ومشكلة إنسانية، وربما مشكلة دينية أيضا، تختف فيها وجهات النظر، فهناك من يمنع حقوق الإنسان، وهناك من يدافع عن حقوق الإنسان، فما أصل هذه القصة؟ من أين جاءت كلمة حقوق الإنسان؟ ولماذا نضيف بعد ذلك كلمة (فى الإسلام)؟ هل هذه الكلمة قرآنية، أم نبوية، أم فقهية؟ يقول الأستاذ جودت سعيد: "إن كلمة "حقوق الإنسان " ليست إسلامية وليست دينية، وإنما هى كلمة إنسانية بشرية، وإن الكلمة الإسلامية فى هذا الموضوع هى "حقوق العباد ".

وإن المناخ والجو الذى ولدت فيه الكلمة (حقوق الإنسان) غير المناخ والجو الذى ولدت فيه كلمة (حقوق العباد) "

إذ أن كلمة "حقوق الإنسان " غربية، وجدت قبل قرنين من الزمان أى منذ قيام الثورة الفرنسية، أما كلمة "حقوق العباد" فهى كلمة إسلامية وجدت منذ أكثر من أربعة عشر قرنا مع وجود التشريع الإسلامى، حيث ذكر الفقهاء حقوق العباد مفصلة، معتمدين بذلك على القرآن والسنة. واختلاف المنشأ لهاتين الكلمتين يشير إلى اختلاف معنييهما والمنطلق الذى تنطلقان منه، والهدف الذى ترميان إليه، والأسلوب الذى تتبعانه.

إن كلمة "حق العباد" حين تطلق فى المناخ الإسلامى توحى بالحق الذى ينبغى أن يؤدى وليس الحق الذى يؤخذ، أى البحث فى الحق الذى علينا نحو الآخرين، لا الحق الذى لنا نحن من الآخرين.

فحقوق العباد فى الإسلام تبدأ من الواجبات التى علينا وليس من الحقوق التى لنا. إن كلمة "حق " لها وجهان: إما حق لى، وإما حق على، فالإسلام والأنبياء ومنطلق الإسلام. وأما منطلق حقوق الإنسان، فهو من الحق الذى لنا، وليس من الحق الذى علينا، فالطريقان مختلفان فى مسارهما.

وهذا الموضوع أرجو أن ينتبه إليه الإنسان، لأن الإنسان عليه أن يرجع إلى ربه، وليس عليه شئ من حقوق العباد، ويخشى من حقوق العباد كثيرا، لأنها موطن المشاحنة وعدم التسامح، كما فى حديث مفلس، الذى قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم   لأصحابه:  "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك، المفلس من أمتى، من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج ويأتى وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وقتل هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار" (21).

لهذا كانت إشعاعات "حقوق العباد" منطلقها من الشعور بالواجبات التى على الإنسان أن يعملها تجاه الآخرين، وليس الحقوق التى له على الآخرين.

ولكن الاتجاه الغربى، ينطلق من الحق الذى لك والواجب على الآخرين تجاهك، ووجوب أخذ هذه الحقوق سواء باللين أو بالعنف، ولكن الغالب فى المطالبة بالحقوق يعتمد على سلوك سبيل العنف، وبالتالى فحقوق الإنسان بنيت على الدماء.

من هنا يمكن القول إن هناك أسلوبان فى الحصول على الحقوق:

1- الأسلوب الذى يعلم الناس واجباتهم، وهو أسلوب الأنبياء.

2- الأسلوب الذى يعلم الناس حقوقهم والمطالبة بها، وهو أسلوب الحضارة الحديثة.

فالأنبياء علموا الناس كيف يؤدون واجباتهم وأنهم سيصلون بهذا الطريق إلى حقوقهم، وعلموا الناس أن من لم يصل إلى حقه فى الدنيا، فإن حقه لا يضيع فى الآخرة، مادام قد أدى واجباته على النحو الذى أمره الله به. ولكن الذين يطالبون بالحقوق، لا يبالون باليوم الآخر، فهم كما قال تعالى عنهم: ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم  عن الآخرة هم غافلون ) (22).

ومن الفروق بين الطريقتين حسب ما يعرضه الإسلام أن الاهتمام يتوجه إلى تعليم الناس أن يؤدوا واجباتهم لا أن يطالبوا بحقوقهم، فلكى يكون الحق حقا ينبغى أن يبدأ إنسان من أداء الواجب لا من المطالبة بالحقوق، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: " اعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه " فصاحب العمل يؤدى واجبه نحو العامل، ويعطيه أجره ولا يحمله عبء المطالبة بحقه.

أما فى العالم الغربى فإنهم يبحثون عن المطالبة بالحقوق: حق العمل، حق  المرأة، حق الإنسان... إلخ، وليس هناك واجبات، إذا لم يكن هناك من يؤدى الواجبات فمن أين يأتى حقك؟ الحق لا يصل إليك إلا إذا أدى الآخر واجبه، فإذا بدأنا بطريق أداء الواجبات فستتحقق حقوقنا، أما إذا لم نؤد واجباتنا وانتظرنا حقوقنا فإنها ستبتعد عنا كثيرا.

ومن جهة أخرى فإن طريق المطالبة بالحقوق يؤدى إلى التنازع، أما طريق أداء الواجبات فإنه يؤدى إلى التقارب، حيث يؤثر بعضهم بعضا ويتسابقون فى فعل الخيرات. وفى هذا المجال يقول مالك بن نبى: (نحن حينما نؤدى واجباتنا فإن حقوقنا ستأتى إلينا، إن لم تكن فى الأرض فستنزل من السماء).

ويقال عن غاندى إنه لما دعى إلى مؤتمر حقوق الإنسان لم يذهب،  وإنما أجابهم بقوله: إذا دعوتم إلى مؤتمر لبحث واجبات الإنسان ادعونى فسأحضر، وأضاف (إن الناس إذا تعلموا أداء واجباتهم فستصل الحقوق إلى الناس). فإذا لم يتعلم الناس أداء واجباتهم، فمن أين سيحصل الآخرون على حقوقهم؟ من الذى سيؤدى الحقوق إذا لم يتعلم الناس أداء الواجبات؟.

لو دققنا النظر فى منهج الأنبياء فى القرآن، فإننا نجد أنهم لم يطالبوا بحرية الرأى وحرية الدعوى، ولو قدموا طلبا بحقهم فى ذلك لما سمح لهم به، ولكنهم بدل أن يطالبوا بهذا الحق قاموا بأداء واجب التبليغ، وواجب الدعوى، وتحملوا نتيجة عملهم وأدائهم للواجبات.

د- انتشار الإسلام:

يعتقد بعض المستشرقين وبعض من لم تتح لهم الفرصة للتعمق فى الدراسات الإسلامية، أن القوة كانت عاملا مهما فى انتشار الإسلام، ويتخذون من الحروب التى حدثت فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم  وبعد وفاته دليلا على ذلك، وردأ لهذا الادعاء نبدأ بسؤالين هامين:

1- هل انتشر الإسلام بالدعوة أم بالقوة؟ وما الدليل على ذلك؟

2- وإذا كان قد انتشر بالدعوة فلماذا وقعت الحروب بين المسلمين وغيرهم؟

 للإجابة عن السؤال الأول يقول أحمد شلبى: إن الإسلام لم ينتشر بالسيف وإنما انتشر بالدعوة، ونضع البراهين الواحد بعد الآخر فى سلسلة من آيات القرآن، ثم فى سلسلة من أحداث التاريخ بحيث لا يبقى للشك مجال (23).

فأما القرآن الكريم وهو دستور المسلمين الواجب الاتباع، قد وضح فى عدة آيات أن الدعوة هى الطريق إلى الإسلام، وأنه لا يجوز إجبار أحد على تغيير دينه، قال تعالى:

(لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ) (24)، ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) (25)، ( لكم دينكم ولى دين ) (26)، ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (27)، ( فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر) (28).

وأما سلسلة التاريخ فترينا بوضوح أن الإسلام سلك طريقه بالدعوة، متبعا هذه الآيات البينات، مبتعدا كل البعد عن القسوة. وإلى القارئ بيان ذلك:

1- حينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم  فى مكة، وحين بدأ دعوته وحيدا لا سلاح معه ولا مال، دخلها مجموعة من عظماء الرجال من أمثال أبى بكر وعثمان وسعد بن أبى وقاص وطلحة والزبير ثم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب. فهل يمكن أن نقول إن هؤلاء دخلوا بالقوة؟ وأين القوة فى ذلك الوقت؟

2- واضطهدت قريش المسلمين اضطهادا قاسيا، وأنزلت بمحمد وأتباعه ألوانا من العذاب، وفى وسط هذا العناء حينما كان محمد والمسلمون معه بمكة مغلوبين على أمرهم مستضعفين، كان أهل المدينة يسعون للإسلام، هل انتشر الإسلام بالقوة بين سكان المدينة؟

3- جاء الصليبيون إلى الشرق حين ضعفت الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية لمحاولة القضاء على الإسلام، وإذا بالإسلام يجذب جموعا منهم فيدخلون ويحاربون فى صفوف المسلمين.

ويقول أرنولد: لقد اجتذبت الدعوة المحمدية إلى أحضانها من الصليبيين عددا مذكورا حتى فى العهد الأول، أى فى القرن الثانى عشر، ولم يقتصر ذلك على عامة النصارى بل إن بعض أمرائهم وقاداتهم انضموا أيضا إلى المسلمين فى ساعات انتصارات المسيحيين، فهل يمكن أن نقول إن الإسلام انتشر بين الصليبيين بالقوة؟

4- فى القرن التاسع الهجرى هجم المغول على العالم الإسلامى هجوما وحشيا قاسيا مدمرا لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من خطوب وويلات، خطبا أعنف قسوة من غزوات المغول، فلقد انسابت جيوش جنكيز خان، واكتسحت فى طريقها العواصم الإسلامية وقضت على ما كان بها من مدنية وحضارة، على أن الإسلام لم يلبث أن نهض من رقدته وظهر من بين الأطلال، واستطاع بواسطة دعاته أن يجذب أولئك الفاتحين البرابرة ويحملهم على اعتناقه. فهل يمكن أن نقول إن الإسلام انتشر بين المغول بالقوة؟

5- يحدثنا التاريخ بصراحة ووضوح أن أهم فترة انتشر فيها الإسلام هى فترة السلم الذى تلا صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، وكانت فترة السلم سنتين، ويقول المؤرخون إن من دخل الإسلام فى خلال هاتين السنتين أكثر ممن دخلوه فى المدة التى تقترب من عشرين عاما منذ ظهور الإسلام حتى ذلك الصلح. وهذا يدلنا على أن انتشار الإسلام تبع السلام ولم يتبع الحرب.

وانتشر الإسلام انتشارا واسعا فى الشرق الأقصى بماليزيا وإندونيسيا والفلبين وتايلاند حيث انتشر الإسلام بين الإندونيسيين بيسر وبساطة. تمكن الإسلام من هزيمة الديانات الأخرى والأفكار المتعددة وتقدم إلى الطليعة بسبب مبادئه السمحة وتعاليمه المعقولة الهادئة.

أما السؤال الثانى: لماذا حدثت الحروب بين المسلمين وغيرهم؟ والإجابة عن هذا السؤال سهلة فيمكن أن نقول بإيجاز:

1- الدفاع عن النفس:

ففى تاريخ المسلمين قبل الهجرة لم يؤذن لهم بالقتال، ولكن المشركين أسرفوا فى عدوانهم ووصلوا إلى حد اتخاذ القرار بقتل محمد ووضعوا خطتهم لتنفيذها قبل أن يهاجر إلى المدينة؛ حتى تتخلص الجزيرة العربية من الإسلام والمسلمين. فكان من الضرورى أن يدافع المسلمون عن أنفسهم، وقد أذن الله لهم بالدفاع بقوله: ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) (29).

2- تأمين الدعوة:

إن تأمين الدعوة أتاح الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناقها، فقد كانت الدعوة الإسلامية محددة، وكانت قريش تسلك كل السبل للقضاء عليها، بينما هناك كثير من العرب يميلون للإسلام ولكنهم يخافون أن ينزل بهم العذاب والإيذاء. فأذن الله لرسوله وللمؤمنين أن يقاتلوا من قاتلهم، قال تعالى:  (ومالكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء) (30)، فالحرب هنا كانت لضمان حرية التدين للمسلمين، وكان نداء الإسلام بحرية التدين أول نداء عرفه التاريخ.

3- المحافظة على الأمة الإسلامية من جيوش الروم والفرس:

فكلنا يعرف أنه قبل الإسلام لم تكن هناك أمة عربية، وإنما كانت هناك قبائل عربية متحاربة، ولذلك لم يكن الفرس والروم يقيمون حسابا للعرب، ولم يهتموا بالدين الجديد بالجزيرة، وظنوا أن ما يحدث بين العرب نوع من الصراع الداخلى. وقد فوجئ كسرى وقيصر بحقيقة خطيرة هى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   أرسل لهما يدعوهما للإسلام فى العام السابع الهجرى ويدعو قومهما كذلك. واعتقد الحاكمان أن محمدا لم يقنع بتأسيس دولة عربية، وإنما أخذ يطمع فى مد سلطانه إلى أرضهما. كل هذا أدخل الذعر والخوف فى نفوس الفرس والروم، ومن أجل هذا دخل الفرس والروم المعركة التى بدأت فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. حيث وقعت فى عهده صلى الله عليه وسلم  غزوة مؤتة بين المسلمين والروم، كما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم  لمواجهة الروم فى غزوة تبوك.

وقد دخلت أكثر الشعوب الإسلام بالدعوة، وهذا يقطع بأن انتشار الإسلام لم يرتبط بالحروب. وفى العصر الحاضر يزحف الإسلام بقوته الذاتية وعن طريق جهود فردية غير منظمة، يزحف فى أمريكا وينتشر بين الزنوج. ويزحف فى أوروبا وأفريقيا، بدون أى قسر أو إرهاب.

الختام:

وختاما نرجو الله جميعا أن يبارك فى هذا اللقاء وأن ينجح فى تحقيق غايته وهى تقديم صورة صحيحة عن الإسلام للمسلمين وغير المسلمين.

والله نسأل أن يرفع راية الإسلام عالية وأن يحفظ الأمة الإسلامية من كل شر، وأن يهزم أعداءها، أعداء الدين الكفرة والملحدين. آمين يا رب العالمين.

المراجع

 (1) أحمد شلبى ، الإسلام (3) من سلسلة مقارنة الأديان، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة 6.

(2) سيرة ابن هشام- ص: 213.

(3) محمد أحمد الغمراوى، الإسلام عصر العلم. القاهرة، دار الإنسان، ط 2، ص: 10.

(4) سورة التوبة: 51.

(5) سورة آل عمران: 145.

(6) سورة الرعد: 26 0 انظر أحمد شلبى، الإسلام، ص: 98.

(7) سورة الانشقاق: 6.

(8) سورة النجم:42.

(9) سورة المائدة: 28.

(10) شفيق غربال ورفاقه، الموسوعة العربية الميسرة، ص: 39 وانظر أيضا د. عمر سليمان الأشقر، نحو ثقافة إسلامية أصيلة، الأردن، د ار النفائس  2000، ط 10، ص: 21.

(11) سورة البقرة: 0 3- 33، وانظر يوسف القرضاوى، الخصائص العامة للإسلام. ص: 74.

(12) سورة التين: 4.

(13) سورة التغابن: 3.

(14) سورة ص: 71- 72.

(15) سورة الإسراء: 70، وانظر أيضا سورة الجاثية: 12- 13، وسورة لقمان: 20.

(16) سورة إبراهيم: 32- 34، وانظر أيضا سورة الجاثية: 12- 13، وسورة لقمان: 20.

(17) يوسف القرضاوى، ملامح المجتمع المسلم، ص: 11.

(18) رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر.

(19) سورة الحجرات: 10- 12.

(20) سورة النساء: 1.

(21) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى عن أبى هريرة.

(22) سورة الروم:7.

(23) انظر أحمد شلبى، موسوعة التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1977، ج 1.

(24) سورة البقرة: 256.

(25) سورة النحل: 125.

(26) سورة الكافرون: 6.

(27) سورة الرعد: 40.

(28) سورة الغاشية: 1 2- 22.

(29) سورة الحج: 39.

(30) سورة النساء: 75.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع