الصفحة الرئيسية


تنزيل برامج
القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام




   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
الكلأقات بيق ال

 العلاقات بين الإسلام والغرب

محمد نورى يلماز

رئيس الشئون الدينية

بالجمهورية التركية

المقدمة

إن الدين الإسلامى الذى بلغ به محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين عن طريق الوحى الإلهى عام 610 والذى يكون القرآن الكريم مصدره الأول كون له دولة المدينة والمجتمع المستقل بعد الهجرة النبوية التى تحققت عام 622 تتميز دولة المدينة هذه عن دولة المدينة لدى اليونان القديم فى القرون الأولى بما تملكه من نظام دستورى وتعهدات تشريعية. وقد تكفلت العلاقات بين المسلمين واليهود وبين المسلمين ومن لم يسلموا بتعهدات تشريعية تم توضيح مبادئها بنص يسمى بـ ( معاهدة المدينة) وأن هذه الوثيقة التى تحتوى على المبادئ الأساسية التى يقتضيها المفهوم التشريعى المعاصر وحقوق الإنسان أصبحت محل دراسات فى السنوات الأخيرة من عدة وجوه:

إن تواجد مدينتى مكة والمدينة فى وسط طرق التجارة والترانزيت كان يساعد على انتقال التراث الحضارى بجانب إمكانات أخرى بسبب موقعهما الجغرافى هذا. وكانت البضائع التى تأتى من الصين والهند عن طريق اليمن وعمان تنتقل إلى الشمال ومنطقة الشرق الأوسط بقوافل عربية ثم يتم إرسالها إلى أوروبا. وكان يسمى هذا الطريق بطريق البهارات حسب المصطلح التجارى. وقد استعمل هذا الطريق التجارى إلى أن تم فتح باب المواصلات بين جنوب إفريقيا وآسيا فى مطلع القرن الحديث كما ازدهر فى بعض العهود خليج البصرة وطريق البحر الأحمر فى هذا المجال.

إن رسالة الإسلام ومضمونه العالميين ساعدت على انتشار الإسلام بين مختلف الأجناس والأعراف بشكل واسع ونشط كما تقتضيه طبيعة هذا الدين. وظهر بين قادة المسلمين أمثال بلال الحبشى وصهيب الرومى وسلمان الفارسى من غير العرب. كما نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم  بعث رسائل إلى قادة الدول المجاورة بعد مصالحة الحديبية يدعوهم فيها إلى الإسلام وكان بين هؤلاء وريث دولة الرومان الشرقية الإمبراطورية البيزنطية هرقل.

ويمكن أن نعتبر هذه الرسالة التى بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم  إلى الإمبراطور البيزنطى حاكم شبه جزيرة البلقان والأناضول أول وثيقة رسمية فى العلاقات بين الإسلام والغرب. وكانت وجهة نظر هرقل تجاه هذا الأمر تتسم بالإيجابية إلا أنه لم يمكن تأسيس علاقات جيدة بسبب عرقلة القساوسة من حوله والظروف السياسية. ثم نشأ عهد الحروب الطويلة بين الدولة الإسلامية وبين البيزنطيين واستمرت هذه الحروب فى عهد الأمويين والعباسيين والسلاجقة. وكان قد بدأ عهد انتشار الإسلام فى أوروبا الشرقية التى تتكون من شبه جزيرة البلقان فى أواسط القرن الرابع عشر الميلادى اعتبارا من عبور الأتراك العثمانيين إلى منطقة تراقيا وكان للصوفية دور كبير فى انتشار الإسلام والهداية حيث كان العالم الصوفى صارى صالطوق والمتصوفون المتجولون الآخرون كانوا يقومون بالوعظ والإرشاد فى هذه المناطق يليه الآخرون الذين قاموا بفتح التكايا والزوايا للوعظ والإرشاد. وبعد عهد الفتوحات الإسلامية تمركزت الثقافة والحضارة الإسلامية فى شبه جزيرة البلقان بمؤسسات تتجلى فيها عظمة الإسلام وكانت الدولة العثمانية التى حرصت كل الحرص على رعاية حقوق العباد وتأمين العدل بين رعاياها ولم تقم فى سياستها بالتمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو اللون وقد ورد فى نشيد مهتر التاريخى على لسان الغازى أحمد مختار باشا ما يلى:

قسما بالحق أجدادك العدول قد فتحوا البلاد  وأنهم قد كانوا يحافظون على حقوق العباد

وبعد هزيمة فيينا الثانية عام 1883 بدأت الدولة العثمانية التركية تنسحب من أوروبا واستمر هذا الانسحاب حتى عام 1913 أعقبه هجوم الجيوش الأوروبية على الدولة حتى وصلت هذه الجيوش إلى مدينة جاتالجا قرب اسطنبول فى 1913.

وعندما بدأ المسلمون الأتراك بالعودة إلى الأناضول عام 1877 بدأ عهد الدمار فى التراث الإسلامى وتخريب مؤسساته لاسيما فى الفترة الواقعة بين 1945- 1990. وأما فى البوسنة التى أمكن الحفاظ فيها على التراث الإسلامى إلى حد ما فقد تم القضاء على كثير من الآثار الإسلامية فيها أثناء الحرب التى استمرت خمس سنوات. وأن السلطان محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول عام 1453 وأنهى حكم الدولة البيزنطية أمن للرعايا المسيحيين جوا تسوده الحرية والتسامح مع مراعاة سياسة الاستيطان فى اسطنبول للجماعات المسيحية الأخرى من منتسبى المذاهب المسيحية. إن إبقاء المراكز الأرثوذكسية فى اسطنبول وتأمين التسامح لمنتسبى المذاهب المسيحية الأخرى يعتبر حدثا مهما فى تاريخ العلاقات بين المسيحية والإسلام.

إن المسيحيين من أهل اسطنبول الذين لاقوا اضطهادا وظلما مريرا أثناء الحروب الصليبية من إخوانهم فى الدين من المذهب الكاثوليكى قبل محمد الفاتح بثلاثة قرون عاشوا مع الأتراك بسلام مع الحماية على مكتسباتهم فى القطاعين التجارى والفنى بل حصلوا على امتيازات وحقوق أخرى بعد عام 1850

يعيش اليوم فى أوروبا الملايين من المسلمين والمهاجرين يشكلون واقعا يسمى بـ (المسلمون الأوروبيون) أكثرهم ممن هاجروا إلى أوروبا للعمل فيها ومن أسرهم وكذلك من الجيل الثالث من أحفادهم.

وفى فرنسا وبريطانيا فإن عدد المسلمين المهاجرين ممن استوطنوا فيهما فى عهد الاستعمار يزيد على عدد العمال الذين أتوا للعمل. وإن عدد العمال الأتراك فى أوروبا الغربية حوالى ثلاثة ملايين نسمة، خمسون ألف نسمة منهم أصبحوا رجال أعمال وتجارة يستخدمون العمالة.

وإن رجال الأعمال وأصحاب المتاجر من هؤلاء الأتراك باستطاعتهم المشاركة فى تأدية المهام الدينية والثقافية بجانب قيامهم بتمثيل الإسلام وحماية حقوق المسلمين فى هذه الأقطار، ونحن كرئاسة الشئون الدينية قمنا بتأسيس مستشاريات وملحقيات مدنية اعتبارا من عام 1978 فى أوروبا للبدأ بالعمل الدائم للتعريف بالإسلام فى الغرب، كما أنه تمت مناقشة الخدمات الدينية التى يجب القيام بها نحو المسلمين القاطنين فى الدول الغربية خلال الشورى الدينية الأولى التى تم عقدها فى 1993 وسوف يتم عقد الشورى الثانية فى عام 1998م.

لا شك بأن أسبانيا وجزيرة صقلية عنصران مهمان فى شروق الإسلام فوق القارة الأوروبية، وليست لمفهوم الفتوحات الإسلامية علاقة بالاحتلال والاستيلاء اللذين يردان فى تاريخ الشعوب الأخرى إذ أن الفتوحات الإسلامية تستهدف تبليغ الحق وتحقيق العدل ولا تستهدف هدفا استعماريا والدليل على ذلك عدم المساس بالأراضى التى فتحت فى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- بل أبقيت بيد أصحابها من المزارعين كما هى. ويعتبر تطبيق عمر بن الخطاب فى أرض العراق المسمى بـ (السواد) خير نموذج فى تاريخ الحقوق العالمية. وأن فتح أسبانيا بقيادة طارق بن زياد بجيش صغير لا يتجاوز عدد أفراده 10000 أو15000 شخص يجب أن يفسر بثقة واطمئنان الأهالى بالفتح الإسلامى وتشريعه المتكفل على حقوق الأقليات.

 كما يجب وضع تفسير جديد لتاريخ التوسع الإسلامى على أساس اجتماعى ونفسى وحقوقى بدلا من التفضيلات العسكرية والتكتيكية، كما يجب تفسير الإسلام بأبعاده العالمية والإنسانية.

فإذا ما تم بحث الأسباب الاجتماعية والنفسية للفتوحات الإسلامية فى البلقان لاسيما الفتح الإسلامى فى الأندلس فلا شك ستظهر الأبعاد التاريخية للدعوة الإسلامية وتبليغها بصورة واضحة تجيب على الافتراءات الشائعة فى الغرب ضد الإسلام.

لقد جرت دراسات من قبل العلماء حول كيفية تأثير الإسلام والمسلمين على الغرب إلا أن معظم هذه الدراسات لم تكن بنظر مؤرخى القرون الوسطى بل بنظر الدارسين الغربيين للإسلام، وأعتقد أن الدراسات حول تأثير ومشاركة الإسلام للتجديد فى أوروبا عمل جدير يستحق الاهتمام فى هذا الوقت الذى بدأ يلتقى فيه المسلمون مع المسيحيين على التعايش معا أكثر من ذى قبل وبدأت وسائل الإعلام تؤثر على العلاقات الدولية بشكل مكثف ويجب أن يفهم من قبل الجميع أن ما وضعه الكتاب المسيحيون فى القرون الوسطى عن الإسلام كذب وافتراء. كما نشاهد اليوم بكل حزن وأسى أن تفسر فى الغرب وبحكم مسبق عودة المثقفين من المسلمين إلى الإسلام بأنها أصولية. وأن موضوعات الشرق الأوسط التى جلبت اهتمام كثير من المثقفين الغربيين فى السنوات الأخيرة لازالت تحافظ على أهميتها فى يومنا أيضا تحت اسم مسألة الشرق من عدة نقاط مختلفة وبعد انهيار النظام الشيوعى فى أوروبا الشرقية ظهرت محاولات غربية لإيجاد عدو بديل متصور فى الأذهان بالشرق الأوسط والعالم الإسلامى. إن هذا الزعم وهذه الوجهة التى نلاحظها فى السنوات الخمس أو العشر الأخيرة سوف تضر كثيرا بالحوار وحسن العلاقات التى بدأت فى الربع الأخير من هذا القرن بين الإسلام والغرب.

 

المسلمون فى أسبانيا

لقد ظهر تأثير الثقافة الإسلامية على أوروبا لاسيما بعد وقوع أسبانيا وصقلية تحت سيطرة حكم المسلمين. يقول الأستاذ مونتوجمرى واط العالم الانكليزى حول الغزو الذى تكلل بالنصر عام 711 فى كتابه المسمى بـ (الإسلام فى أوروبا) ما يلى:

" كان عدد أفراد الجيش الذى ظفر بالنصر هو سبعة آلاف جندى التحق بهم بعد مدة قليلة خمسة آلاف أخرى. هزم هذا الجيش الإسلامى القوى الملك رودريك ملك فيريكوت فى 711 وقضى على سلطته المركزية ولم يواجه جيش المسلمين بمقاومة سوى مقاومات محلية. واستتب الأمن فى البلاد تحت سلطة المسلمين وعاش الشعب بهدوء وسلام " (1).

إن مبدأ الجهاد الذى يوجه المسلمين للسعى والتفانى فى سبيل دينهم وعقيدتهم والذى يعتبر فى إطاره الخارجى عاملا على انتشار الإسلام وتوسع جغرافية البلاد الإسلامية ليس معناه نظام إكراه لغير المسلمين على اعتناق الإسلام. بالعكس ثبت فى التاريخ أن غير المسلمين كانوا يتمتعون بمزاولة الأعمال الإدارية المهمة فى الدولة، وتجد فى تاريخ الحضارة الإسلامية العديدة من النماذج فى هذا المجال.

لقد كان النظام المتبع فى الفتح الإسلامى هو النظام الدينى والتشريعى الذى كان يطبق على المسلمين بعد سقوط الأمويين عام 750 وبدأ حكم العباسيين كأصحاب للسلطة على الدولة الإسلامية. وقد فر أحد الأمراء الأمويين إلى أسبانيا وأسس دولة الأندلس الأموية وكان عهد عبد الرحمن الثالث (912- 961) من أزهى العهود حيث أخضع بعض الدويلات المسيحية فى البلد للسلطة طوعا. إلا أنه اعتبارا من عام 1031 ظهرت فى أسبانيا حوالى ثلاثين دولة محليه لم تستطع من هذه الدول الحفاظ على بقائها إلا دولة واحدة هى دولة بنى الأحمر، وفى عام 1492 انتهى الحكم الإسلامى فى أسبانيا فعاشت دولة الأندلس الإسلامية مدة ثلاثة قرون رغم الاختلافات والنزاعات الداخلية واستطاعت خلال هذه الفترة أن تحقق نجاحا كبيرا فى المجال العلمى والثقافى والاقتصادى والفنى. وقد عقدت مؤتمرات وندوات علمية حول تقييم حضارة دولة الأندلس الإسلامية فى عام 1992 م فى كثير من البلاد من بينها تركيا وقد تم نشر مطبوعات فى هذا المجال. لقد خرج من الأندلس كثير من العلماء الكبار مثل ابن رشد ومحيى الدين بن عربى وأبى بكر بن العربى والقاضى عياض وابن باجة وتقى بن مخلد وأبى القاسم الزهراوى. وقد اشتهر ابن رشد فى أوروبا كأحد المفسرين لفلسفة أرسطو وتم تدريس كتبه فيها. ومن المعروف أن حكماء الأندلس لم يدخروا جهدا فى تأسيس مكتبات خاصة يدلى على مظاهره فى كتاب " حياة المسلمين فى القرون الوسطى " بمعلومات مفصلة حول ما وصلت إليها حضارة الأندلس الإسلامية.

ان الدولة الأموية فى الأندلس كانت تنافس الدولة العباسية المسيطرة على أكثر البلاد الإسلامية إلا أن العلاقات التجارية والثقافية لم تنقطع بينهما بل استمرت بشكل مكثف. وقد اعتاد أهل أسبانيا وصقلية على التمسك بالحضارة الإسلامية شكلا ومظهرا يقول مونتوجمرى واط:

(قام سكان أسبانيا الأصليون بمشاركة المسلمين العرب فى مظاهرحياتهم المرفهة التى كانوا قد اعتادوها فى بلاد الشام. على قدر الإمكان إعجابا بهم. كما حصل ذلك أخيرا بين الكولونيات الأوروبية فى القرن التاسع عشر ولم يتقيد سيطرة الإسلام على أسبانيا وصقلية بالقوة العسكرية والسياسية فحسب. بل شملت المجال الثقافى أيضا 0) (2)

إن أكبر التطورات فى تكنولوجيا السفن حصلت على يد عمال السفن الأسبان بين سنوات 1440- 1490. وإن الفضل فى تطوير البوصلة يعود إلى المسلمين العرب، كما أن تطوير خرائط السفن تم من قبل المسلمين الجنوبيين بالإضافة إلى أن العلوم الزراعية ازدهرت فى أسبانيا من قبل المسلمين واستطاع المسلمون على استحصال منتجات زراعية جديدة يقول واط إنه يوجد فى اللغة الأسبانية كثير من الكلمات العربية ويضيف واط (3) إن تأثير الثقافة الإسلامية استمر فى المدن بعد خضوع المسلمين لسيطرة الأسبان عام 1492 إلا أن المسلمين بعد هذا التاريخ اضطروا إلى الهجرة إلى شمال إفريقيا. كما أن اليهود فروا إلى البلاد العثمانية.

لقد استمر الوجود الإسلامى فى جزيرة صقلية بالبحر الأبيض حيث قامت فئات من الجنود الأفارقة يسمون بالأغالبة بفتح جزيرة صقلية باسم الدولة العباسية. واستمرت سيطرة المسلمين على هذه الجزيرة حتى عام 1091 وكان لسيطرة المسلمين التى استمرت زهاء قرنين ونصف قرن من الزمن تأثير كبير على الجزيرة وتأصل الثقافة والعادات الإسلامية فيها مدة طويلة.

وكانت الفلسفة والطب والزراعة وصناعة السفن وطرز الحياة الذى تولد نتيجة هذا التأثير الإسلامى سببا لبدأ حركات التجديد فى أوروبا.

 

الحروب الصليبية

ومن أسباب المواجهة بين العالم الإسلامى وأوروبا الغربية هى الحروب الصليبية التى وقعت فى القرون الوسطى واستمرت قرابة قرنين من الزمن. ويقال بأن الحروب الصليبية المكونة من ثمان حملات بدأت نتيجة الأحاديث المحرضة التى ألقيت فى مدينة ليون بفرنسا. ويمكن القول بأن الحروب الصليبية التى كانت تستهدف إخضاع القدس تحت سلطتهم كانت نتيجة النفوذ السياسى للفاتيكان. وكانت المعلومات المتوفرة لدى الأوروبيين عن الإسلام والمسلمين قبل الحروب الصليبية عبارة عن أقوال الأساقفة الذين يعتبرون المسلمين زنادقة وأقواما بربرية. وكانوا يظنون أن العالم الإسلامى سيقع تحت سيطرتهم بغزو من قبل فرسان مسيحيين مسلحين إلا أنهم أثناء الحروب الصليبية التى خاضوها بقوات متفوقة واجهوا عالما إسلاميا لم يكن بالحسبان. عالما إسلاميا قويا بغنى التجارة والأبحاث العلمية تتوفر فيه صناعة الحرير والورق والبوصلة والبارود والذهب والفضة والعملة والعدل الشامل لجميع المواطنين وجهاز قوى للدولة والمؤسسات الخيرية. وقد جذبت هذه العناصر المهمة انتباه الغربيين فبدأت تترجم معانى القرآن الكريم إلى اللغات الغربية واهتز الاعتماد المطلق على أقوال الأساقفة التى كانت محل الصدق لديهم كما أنه لاقت كتب الفلسفة اليونانية التى كانت محتقرة لدى الغرب طيلة القرون الوسطى وكتب العلوم الكونية العناية والرعاية وكان علماء المسلمين قد ترجموها وفسروها.

واستطاع الأوروبيون خلال فترة الحروب الصليبية التطلع على كبريات المدن الإسلامية عن كثب. ولم تكن مثل هذه المدن موجودة فى أوروبا الإقطاعية فى ذلك الوقت (سوى المدن الساحلية من إيطاليا) وكانت أوروبا فى ذلك الوقت مشتهرة بقصورها الواسعة المحاطة بالأسوار الضخمة.

 

عهد الاستعمار والتواصل بين الحضارات

يدعى بعض العلماء أن العهد الاستعمارى فى أوروبا الغربية يبدأ بسفر نابليون إلى مصر (فى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر) إلا أنه يجب أن تكون بداية هذا العهد اعتبارا من كشف القارة الأوروبية فى أوائل القرن الحديث والتعرف على طريق جنوب إفريقيا. وإن الكشوف الجغرافية التى كانت تعرف فى الكتب المدرسية منذ سنوات بأنها كشوف علمية اتضحت أنها كانت لأغراض استعمارية حيث أصبحت طرق التجارة العالمية التى ظهرت نتيجة هذه الكشوفات تضر بمصالح العالم الإسلامى- التركى وبدأ التأخر يدب فى الاقتصاد الإسلامى فى هذا العهد. لقد استعمرت اليمن من قبل دول البحار الأوروبية، كما استولى الإنجليز على جزر الهند الجنوبية، واستولى الهولنديون على الجزر التى تشكل أندونسيا.

إن الأنشطة الاستعمارية التى قام بها الأوروبيون للمرة الثانية تجاه الأقطار الإسلامية بدأت فى السنوات الأولى من القرن التاسع عشر. حيث تم احتلال الجزائر وتونس والمغرب من قبل الفرنسيين، وفى عام 1911 تم احتلال ليبيا من قبل الإيطاليين ووقعت مصر فى حضانة الإنجليز فى عام 1882 . وأما السودان فقد قاوم الجنرال الإنجليزى جوردون مدة طويلة، وفى نهاية الحرب العالمية الأولى وقع كل من الحجاز وفلسطين والعراق تحت سيطرة الإنجليز، وأما سوريا ولبنان فوقعتا تحت سلطة الفرنسيين. وكانت القارة الهندية فى هذه الحقبة تحت سيطرة الإنجليز أيضا. وفى نهاية الحرب العالمية الأولى احتل القسم الشمالى من إيران من قبل الروس،. وأما القسم الجنوبى منها فقد احتل من قبل الإنجليز.

إن تاريخ العهود الاستعمارية تتصف بقيام القوات الاستعمارية بفرض ثقافتها وقيام أهل المناطق المستعمرة بتقليد الشعوب الحاكمة والخضوع لتأثير ثقافتهم وسمى هذا التأثير الثقافى بالاستعمار الثقافى، كما أن بعض الدول المستقلة المتأخرة اقتصاديا تقوم بتقليد الدول القوية في عاداتها وتقاليدها، وهكذا ظهرت فئات وجماعات محلية تقوم بتقبل القيم الغربية كما هى. كما هو الحال فى جميع الأقطار الإسلامية علي العموم. وإن الازدواجية والتعارض فى تغيير الثقافة بالقوة والاضطهاد تعرقل تأمين الوحدة القومية والثقافية للشعوب. وهذا وضع مؤلم موجود فى كل الأقطار الأقل نموا.

أبحاث حول الشرق وتأثيراتها 

إن مسألة الشرق التى ظهرت نتيجة مناقشات مستقبل الدولة العثمانية ودول الشرق الأدنى لم تكن منحصرة فى المجال السياسى والعسكرى فحسب، بل نوقشت من حيث مضامينها الثقافية والعلمية.

إن أبحاث الاستشراق التى استهدفت كشف ثقافة شعوب الشرق الأوسط وثقافة شعوب آسيا والتى كانت تحاول بالدرجة الأولى تكوين فكرة عن الثقافة والأدب لما قبل الإسلام فى العالم الإسلامى استهدفت أيضا تكوين عقيدة قومية جديدة على غرار الفكرة القومية لدى الغربيين. وإن تأسيس الكلية الأمريكية فى بيروت عام 1875 هو أول محاولة فى سبيل تحقيق هذا الفكر.

ومن بين أغراض نشاطات الاستشراق تنفير الأجيال عن الإسلام وزرع الشبهة فى أذهان المثقفين وجمع المعلومات عن ثقافة شعوب الشرق على حساب دولهم. كما أن الاستشراق استعمل أحيانا لأغراض تنصيرية واستعمارية أيضا. ومن المعروف أن بعض المستشرقين كانوا أساقفة متعصبين مثل هنرى لامانس وقايتانو.

النتيجة

إن الإسلام دين عالمى، وإن رسالته موجهة إلى المجتمعات البشرية الأخرى  ، وإن الإسلام يحرص على أن يؤمن كل الناس بالحقيقة ويدخلوا فى السلم كافة. وإن ثقافة الإسلام وحضارته الخاصة به شاعت بين الشعوب الأخرى، وكانت لها علاقات مع الثقافات الأخرى. وإن حضارة الإسلام التى تعيش منذ القرون الثلاثة الأخيرة فترة الجمود والتأخر قادرة على استعادة حيويتها لتقوم بحملاتها من جديد. وإن علماء المسلمين وقادتهم مسئولون بالدرجة الأولى فى هذا المجال وبالإمكان الاستفادة من وسائل العصر العلمية فى هذا المجال. وعلى العالم الغربى أن يقوم بوقف نشاطاته الثقافية الاستعمارية التى كان يقوم بها فى العالم الإسلامى منذ المائة والخمسين سنة الأخيرة إذا كان يرغب فى تطوير علاقات حسنة مع العالم الإسلامى لحوار بناء أساسه المساواة والتعارف وتأسيس علاقات رسمية متبادلة.

   المراجع

1- تأثير الإسلام على أوروبا للأستاذ مونتجومرى واط ترجمة خليل يا ووز.

2- الإسلام والغرب لنورمان دانيال.

3- مقدمة ابن خلدون ترجمة زكى تادرى أوغان.

4- سياسة العثمانيين فى العهد القانونى والعالم الإسلامى للدكتور أسرار 5- تاريخ انتشار الإسلام لأرنولد ترجمة خليل خالد.

6- أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان.

7- منشآت السلاطين لفريدون بك (المجلد الأول والثانى).

8- تغريب تركيا والمسائل القومية لأرجمند قوران.

9- الحضارة الإسلامية فى صقلية وجنوب إيطاليا للدكتور عبد المؤمن رسلان .

10- دولة الأمويين فى عهد صلاح الدين للدكتور رمضان ششن.

11- تاريخ تركيا لـ "يلماز أوزتونا " (المجلد 1- 7).

المراجع

(1) مونتوجمرى واط " تأثير الإسلام على أوربا " ص 12.

(2) مونتوجمرى واط نفس المصدر ص 27.

(3) نفس المصدر ص 35.

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع