صحيفــــــــــــــــــة
المدينــــــــــــــــــة
كان الرسول r
حكيم يأمل حين هجرته إلى المدينة أن يستميل اليهود الذين بالمدينة إلى دينه، لأنهم
أهل كتاب قد بشّر بنبوته، وهم إن لم يستجيبوا لدينه، ويدخلوا فيه فلا أقلّ من أن
يسالموه، ولا يكونوا مثل كفّار مكة الذين اعترضوا دعوته، وحالوا دون نشرها بين
الناس.
وكان اليهود من جهتهم يطمعون فى أن يستطيعوا بحيلهم ومكرهم من استمالة
الرسول r إليهم، واحتواء دينه فى دينهم، فأظهروا له
المسالمة فى أوائل هجرته، وهم يضمرون فى أنفسهم له ولدينه العداوة والبغضاء.
فلبسوا للمسلمين ثياب النفاق وخالطوهم،
وتبسطوا معهم، وبدوا لهم كأنهم قد قاربوا من دينهم، ورضوا عن شعائره بينهم(1).
وأعلن الكثير منهم الإسلام نفاقاً، ودخلوا المسجد وأدوا الشعائر مع
المسلمين، وهم يظنون أنهم يخادعون الله ورسوله وهو خادعهم.
ونتج عن هذه المعايشة السلمية- التى كانت بين المسلمين واليهود والطوائف
المشركة الأخرى التى كانت فى المدينة غير المسلمين واليهود- أن قام رسول r بكتابة صحيفة تكون بمثابة
دستور بين هذه الطوائف يحكمها ويحفظ حق كل طائفة منها، فى أداء شعائرها بحرية
تامة، على أن تؤدى كل طائفة واجبات التعايش السلمى مع جيرانها فى البلد الواحد،
فلا تساعد الأعداء عليها ولا تحالفهم ولا تجيرهم.
واعترفت هذه الصحيفة بأن المدينة المنورة قد أصبحت دولة صغرى لها كيانها
وقوانينها. وأن النبى r رئيس تلك الدولة وهو يجمع فى يديه السلطتين الروحية والسياسية.
وقد أورد ابن هشام نصوص هذه الصحيفة فعدّد أسماء القبائل التى التزمت بها، ومنه
نقتبس بعض السطور:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبى r بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد
معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم،
وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة تفدى عانيها
بالمعروف (وعدّد الرسول r وسلم قبائل المؤمنين على
هذا النمط، ثم قال: وانه لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على
من بغى منهم أو ظلم أو أثم، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا
يُقْتَل مؤمن مؤمنا فى كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن، وان ذمة الله واحدة (2).
ثم اتجهت الصحيفة للحديث عن اليهود فقالت: وإن اليهود يتفقون ما داموا
محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وإن
ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف (وعدّ على هذا النمط قبائل اليهود).
ثم استمرت الصحيفة تقول: وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم،
وإن بينهم النصر على مَنْ حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر
دون الإثم، وانه لم يأثم امرؤ بحليفه، وان النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع
المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار
كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف
فساده فإن مرده إلى الله عزّ وجل وإلى محمد رسول اللهr ، وإن البر دون الإثم، وإن الله على أصدق ما فى
هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وان الله جار لمن برّ
واتقى، ومحمد رسول الله r (3).
وخلاصة هذه الصحيفة:
ا- أن للجماعة شخصية دينية وسياسية ومن حقها أن تعاقب المفسد وتؤمن المطيع.
2- أن الحرية
الدينية مكفولة للجميع.
3- على سكان
المدينة من مسلمين وغير مسلمين أن يتعاونوا ماديا وأدبيا وعسكريا، وعليهم أن يردوا
متساندين أى اعتداء قد يوجه لمدينتهم.
4- الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- هو الرئيس الأعلى لسكان المدينة، وتعرض
عليه القضايا الكبرى وحالات الخلاف بين الأفراد ليفصل فيها.
وعلى الرغم من موقف المسلمين السمح كان اليهود غير مخلصين لما جاء فى هذه
الصحيفة، ويبدو أنهم قبلوها ريثما يدبِّرون أمرهم كما هو معروف من در اسة مواقفهم
من المسلمين بعد ذلك(4).
أ. د/ أحمد شلبى
المراجع
1- سيرة النبى العربى- محمد التاجى،
1/ 382- 383.
2-السيرة النبوية ،ابن هشام، 2/ 106.
3- السيرة النبوية ، ابن هشام، 2/ 108.
4- موسوعة
التاريخ الإسلامى، دكتور أحمد شلبى، 1/ 286.